
المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين التكيّف وكسر النمط ، بقلم : د. ديمة فايق أبو لطيفة
“في لحظة سياسية معقّدة، لا يبدو المؤتمر الثامن لحركة فتح مجرد محطة تنظيمية، بل اختبار حقيقي لقدرة الحركة على تجاوز نمط لم يعد يقنع الشارع، أو الاستمرار في التكيّف معه.”
فالمسألة هنا تتجاوز الشكل، ففي السياسة، ليست كل الأزمات متشابهة، حتى وإن تشابهت في ملامحها العامة. هناك أزمات يمكن إدارتها واحتواؤها، وربما تأجيل انفجارها. وهناك أزمات أخرى لا يمكن تجاوزها إلا بمواجهتها مباشرة، مهما كانت كلفتها والمؤتمر الثامن لحركة فتح يبدو أقرب إلى هذا النوع؛ لحظة تفرض على الحركة مراجعة ما لم يعد يعمل، لا مجرد إعادة إنتاجه.
في الظروف الطبيعية، تعقد المؤتمرات التنظيمية لإعادة ترتيب التفاصيل، وضبط التوازنات الداخلية، وتحديث الوجوه بما يضمن استمرار الإيقاع. أما في اللحظات الضاغطة، فإن هذه المؤتمرات تتحول إلى ما يشبه “اختبار الصدق السياسي”: هل ما زالت الحركة قادرة على قيادة الواقع، أم أنها بدأت تكتفي بالتكيّف معه؟ الفارق بين الحالتين ليس تفصيلا لغويا، بل مسألة تتعلق بجوهر الدور السياسي نفسه.
المشهد الفلسطيني اليوم لا يترك مساحة واسعة للمناورة. الانسداد السياسي لم يعد ظرفا مؤقتا، بل أصبح بنية قائمة بحد ذاتها. الخيارات محدودة، والرهانات التقليدية فقدت كثيرا من قدرتها على الإقناع. ويكفي النظر إلى تعثر مسار الانتخابات الفلسطينية منذ عام 2021، وما رافقه من تراجع في الأفق السياسي، لفهم كيف تحوّل “الانتظار” من خيار مؤقت إلى حالة دائمة تثقل المشهد.
وعلى الجانب الاقتصادي، لم تعد مؤشرات البطالة أو الضيق المعيشي مجرد أرقام تستدعى في الخطاب، بل تحولت إلى عامل يومي يعيد تشكيل أولويات الناس، وربما نظرتهم إلى الفاعلين السياسيين أيضا.
لكن التحول الأكثر حساسية لا يظهر في المؤشرات المباشرة، بل في المزاج العام. فالعلاقة بين الشارع والتنظيم لم تعد كما كانت. لا نحن أمام قطيعة واضحة، ولا نحن أمام ثقة مستقرة. ما يتشكل بهدوء هو حالة يمكن وصفها بـ“الثقة المشروطة”: استعداد للانتظار، لكن دون استعداد لمنح شيك على بياض. وهذه المرحلة تحديدا هي الأكثر دقة في حياة أي حركة سياسية، لأنها لا تعلن الانفصال، لكنها تمهّد له إن لم تدار بوعي كاف.
الحقيقة التي قد لا تقال بوضوح كاف هي أن المشكلة لم تعد في غياب الخطاب، بل في فائضه. لم يعد السؤال: ماذا سنقول للناس؟ بل: هل ما نقوله قابل للتصديق أصلا؟ لأن الفجوة بين القول والفعل لم تعد تقرأ كتعقيد طبيعي في العمل السياسي، بل كأحد أعراض أزمة أعمق تتعلق بقدرة النظام السياسي على إنتاج نتائج ملموسة.
من هنا، لا تبدو أهمية المؤتمر الثامن في قدرته على إنتاج خطاب جديد أو شعارات أكثر جاذبية، بل في مدى استعداده لكسر نمط التفكير الذي أنتج الأزمة. فالتحدي الحقيقي لم يعد في تشخيص المشكلة وهو أمر بات متاحا حتى خارج النخب بل في اتخاذ قرارات قد تكون غير مريحة، لكنها أكثر انسجاما مع الواقع.
السؤال الذي يفرض نفسه، وربما يتجنّب طرحه صراحة، هو: هل يمتلك المؤتمر شجاعة الذهاب إلى مراجعة حقيقية، أم أنه سيكتفي بإعادة إنتاج النمط ذاته بلغة أكثر حداثة؟ لأن تغيير اللغة دون تغيير المعادلة لا ينتج تحولا، بل يحسّن شكل الجمود فقط.
التجربة الفلسطينية خلال السنوات الماضية تظهر بوضوح أن المشكلة لم تكن يوما في نقص التشخيص، بل في مصير القرارات نفسها. قرارات تعلن، ثم تدخل في مسار طويل من التعقيد والتردد حتى تفقد قدرتها على التأثير. ومع الوقت، لا تعود المشكلة في القرار، بل في تآكل الثقة بجدوى أي قرار جديد. وهو ما يذكّر بسلسلة قرارات أعلنت في محطات سابقة من إعادة تعريف العلاقة مع الاحتلال إلى مراجعة الالتزامات السياسية لكنها بقيت أقرب إلى الإعلان منها إلى التنفيذ.
الأخطر من ذلك، ليس الفشل في التغيير، بل التعايش معه. أن يصبح التكرار خيارا مقبولا، فقط لأنه أقل كلفة من المواجهة. في هذه الحالة، لا يعود الجمود حالة مؤقتة، بل يتحول إلى نمط دائم يعاد إنتاجه تحت عناوين مختلفة.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال هذه اللحظة في منطق الحذر فقط. فحتى ضمن القيود القائمة، ما زالت هناك مساحة ولو محدودة لإحداث فرق. ليس عبر قرارات صادمة بالضرورة، بل عبر إشارات واضحة تدل على أن هناك تحولا في طريقة التفكير، لا فقط في طريقة التعبير. هذه الإشارات، إن جاءت جدية، قد لا تغيّر المشهد فورا، لكنها قادرة على وقف التآكل البطيء في الثقة، وربما إعادة بنائها تدريجيا.
وإذا كانت المؤتمرات السابقة للحركة قد نجحت في إعادة ترتيب البيت الداخلي، فإن التحدي اليوم لم يعد تنظيميا فقط، بل بات يتعلق بقدرة هذا التنظيم على تجديد دوره في واقع تغيّرت شروطه.
وإذا أردنا قراءة مآلات هذا المؤتمر، فثمة ثلاث مسارات ممكنة. الأول، وهو الأكثر واقعية، يتمثل في تكيّف محسوب يبقي على الإطار العام مع إدخال تحسينات جزئية. الثاني، مسار مراجعة تدريجية يبدأ ببطء لكنه يتراكم مع الوقت، وقد يفتح الباب أمام تحول أعمق. أما الثالث، وهو الأقل احتمالا، فيتمثل في تحوّل سريع يعيد تعريف العلاقة بين الحركة وبيئتها السياسية وهو خيار يتطلب استعدادا داخليا وظروفا خارجية لم تنضج بعد.
غير أن القاسم المشترك بين هذه المسارات جميعا هو عامل واحد لا يمكن تجاهله: الوقت.
فالوقت لم يعد عنصرا محايدا. كل تأجيل هو قرار بحد ذاته، وكل محاولة لكسب الوقت قد تتحول، بصمت، إلى خسارته. وفي بيئة سياسية واجتماعية تتغير بهذا الإيقاع، فإن الثبات لا يعني الاستقرار، بل قد يعني الابتعاد التدريجي عن الواقع.
في النهاية، لا تقاس المؤتمرات بما يُقال داخل القاعات، بل بما يتغير بعدها. فالتاريخ لا يحتفظ كثيرا بنصوص البيانات الختامية، بقدر ما يسجل اللحظات التي كسرت فيها الأنماط السائدة. وبين القرار والتنفيذ، تتحدد المسافة الحقيقية للثقة: إما أن تبنى، أو أن تتآكل بصمت.
تقف حركة فتح اليوم أمام اختبار لا يتعلق فقط بالاستمرار، بل بالقدرة على التجدّد دون إنكار الواقع. وبين استحقاق التغيير وقلق الشارع، لا يكفي تحسين الأداء إذا كانت القواعد نفسها لم تعد تقنع أحدا.
لأن الحقيقة الأكثر قسوة في هذه اللحظة هي التالية:
ليس كل استقرار دليل قوة… أحيانا يكون مجرد تأجيل لانفجار لم يحسم بعد.
- – د. ديمة فايق أبو لطيفة
- Dr. Dema Faiq Abu Latifa
- أستاذ الفكر الإسلامي والأيديولوجيات المعاصرة- جامعة الاستقلال / فلسطين
- Professor of Islamic Thought and Contemporary Ideologies – Al-Istiqlal University, Palestine
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.