7:32 مساءً / 27 فبراير، 2026
آخر الاخبار

كانتونات الضفة الغربية : هندسة العزل بين السيطرة الأمنية ومشروع الضم ، بقلم : سالي أبو عياش

كانتونات الضفة الغربية: هندسة العزل بين السيطرة الأمنية ومشروع الضم ، بقلم : سالي أبو عياش


لم تعد الحواجز في الضفة الغربية إجراءً أمنياً عابراً أو استجابة ظرفية لأحداث ميدانية، بل تحولت إلى بنية دائمة تعيد تشكيل الجغرافيا الفلسطينية وتعيد تعريف العلاقة بين الأرض والسكان. بوابات حديدية تُغلق مداخل المدن، سواتر ترابية تقطع الطرق، ونقاط تفتيش تتحكم في الزمن اليومي للفلسطينيين. بهذا المشهد، تتكرس صورة الضفة الغربية كأرخبيل من الجزر السكانية المعزولة، فيما يمكن توصيفه بنظام “الكانتونات”، وهو نظام تجمعات سكانية معزولة عن بعضها البعض، تتحكم إسرائيل في مداخلها ومخارجها، وتُخضع حركة سكانها لإدارة عسكرية مباشرة.


بعد السابع من أكتوبر، تسارعت وتيرة الإغلاقات بشكل لافت. تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى وجود أكثر من مئة كانتون معزول بفعل الحواجز الإسرائيلية، يتم التنقل بينها عبر نحو 165 بوابة حديدية، إضافة إلى قرابة 600 حاجز وساتر عسكري. هذه الأرقام لا تعكس فقط قيوداً على الحركة، بل تعبر عن إعادة تنظيم شاملة للحيز المكاني، حيث تتحول المدن والبلدات إلى وحدات منفصلة، ويصبح الانتقال بينها خاضعاً لقرار عسكري.


في بلدة بيت أُمّر شمال الخليل، أُغلقت بوابتا الحواور وجسر العروب، وهما المنفذان الرئيسيان اللذان يربطان البلدة بمدينة الخليل جنوباً وبيت لحم شمالاً. ومع استمرار الإغلاق لأيام متواصلة، تتحول البلدة فعلياً إلى مساحة شبه معزولة، يُجبر سكانها على سلوك طرق ترابية بديلة، وعرة ومحفوفة بالمخاطر، كثيراً ما تمر بمحاذاة مستوطنات أو عبر طرق داخلية تربط بين قرى ومدن فلسطينية مجاورة. هذا الواقع لا يضاعف المسافة والزمن فحسب، بل يفرض أعباء يومية ثقيلة على الحركة والعمل والتعليم والعلاج.


وفي السياق ذاته، يتردد الحديث عن إنشاء بوابة عسكرية جديدة في المنطقة الفاصلة بين بيت أُمّر وقرية صوريف المجاورة، التي تُعد المتنفس شبه الوحيد المتبقي لأهالي البلدة للخروج منها. وبذلك يتكرّس نمط الإغلاق بوصفه أداة ضبط مكاني مستمرة.


هذا المثال ليس حالة استثنائية، بل هو نموذج يتكرر في مناطق واسعة من الضفة الغربية، حيث تتحول الجغرافيا إلى شبكة من البوابات والحواجز التي تعيد تشكيل المجال الفلسطيني وفق منطق السيطرة والتقييد.


وفي مدينة الخليل، التي تمثل نموذجاً مكثفاً لنظام الفصل المكاني، توثق منظمة بتسيلم وجود شوارع يُمنع الفلسطينيون من استخدامها بشكل كامل، إضافة إلى حواجز ثابتة مثل حاجز “الجعبري/العين الحمرا” شمال الحرم الإبراهيمي، حيث يُقيد العبور بشكل شبه دائم. ويُقدَّر طول الشوارع التي يُحظر على الفلسطينيين استخدامها في الضفة بنحو 40 كيلومتراً، منها نحو 7 كيلومترات داخل الخليل وحدها. في المقابل، تبقى هذه الطرق مفتوحة أمام المستوطنين، ما يعكس بنية قانونية وأمنية مزدوجة داخل الحيز ذاته.


غير أن نظام الكانتونات لا يقتصر على العزل الجغرافي، بل يمتد إلى البعد الاقتصادي. فقيود الحركة تنعكس مباشرة على سوق العمل والإنتاجية. في دراسة صادرة عن معهد الأبحاث التطبيقية -أريج تشير إلى أن الفلسطينيين يخسرون نحو 60 مليون ساعة عمل سنوياً نتيجة الحواجز وقيود التنقل، بما يوازي خسائر مباشرة تقارب 270 مليون دولار، إضافة إلى استهلاك وقود إضافي يُقدّر بنحو 80 مليون لتر سنوياً، بتكلفة تصل إلى 135 مليون دولار. هذه المعطيات تكشف أن العزل المكاني يُترجم إلى استنزاف اقتصادي منهجي.


وتفاقم الوضع مع منع أكثر من 200 ألف عامل فلسطيني من العمل داخل إسرائيل بعد الحرب، بعدما كانت إيراداتهم الشهرية تصل إلى نحو مليار شيكل. وقد انعكس ذلك في تراجع الناتج المحلي الفلسطيني بنسبة 24% خلال العام الماضي، وارتفاع معدلات البطالة إلى 28% في الضفة الغربية ونحو 80% في قطاع غزة. بذلك يتداخل العزل المكاني مع الضغوط الاقتصادية، ليشكلا معاً بيئة انكماشية عميقة.


في موازاة ذلك، احتجزت إسرائيل عائدات المقاصة التي تشكل نحو 70% من إيرادات السلطة الفلسطينية، وواصلت اقتطاعات بدأت منذ عام 2019. كما تواجه السلطة مئات الدعاوى القضائية المطالِبة بتعويضات مالية ضخمة، ما يضعها أمام أزمة مالية غير مسبوقة. وبحسب تصريحات رسمية، بلغت المديونية العامة أكثر من 15 مليار دولار، ما حدّ من قدرة السلطة على الاقتراض، وأدى إلى تقليص الرواتب والخدمات، وتقليص أيام الدوام في المدارس والعيادات.


هذا المسار المالي يتقاطع مع رؤية سياسية أوسع تتبناها الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو، ويضطلع فيها وزير المالية ووزير الإدارة المدنية بتسلئيل سموتريتش بدور محوري في إدارة ملف الضفة الغربية. يطرح سموتريتش ما يُعرف بـ“خطة الحسم”، التي تهدف إلى فرض سيطرة إسرائيلية كاملة على معظم مساحة الضفة، ومنع قيام كيان سياسي فلسطيني مستقل، مع تكثيف الاستيطان وخلق وقائع قانونية جديدة.


خلال السنوات الأخيرة، رُخّصت عشرات المستوطنات والبؤر الاستيطانية، وشُقت طرق التفافية تربط الكتل الاستيطانية ببعضها، في مقابل تفتيت التواصل الجغرافي الفلسطيني. كما اتخذت الحكومة قرارات تتعلق بتسجيل الأراضي في الضفة، وفتح سجلات الملكية أمام المستوطنين، وإخضاع مواقع وموارد للقانون الإسرائيلي، في خطوات يراها مراقبون تمثل ضماً فعلياً تدريجياً دون إعلان رسمي.


ضمن هذا الإطار، تبدو الكانتونات أداة عملية لإدارة واقع الضم غير المعلن. فبدلاً من ضم السكان الفلسطينيين ومنحهم حقوقاً سياسية، يتم حصرهم داخل تجمعات مكتظة، مع إبقاء السيطرة الأمنية والموارد والأراضي خارج هذه التجمعات بيد إسرائيل. النتيجة هي فصل بين الأرض والسكان: الأرض تُدمج تدريجياً في المنظومة الإسرائيلية، بينما يُدار السكان عبر نظام حكم ذاتي محدود الصلاحيات.


هذا المسار يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل السلطة الفلسطينية ووظيفتها. فمع استمرار الضغوط المالية واحتجاز الإيرادات، وتزايد الدعوات داخل إسرائيل لإعادة تعريف دور السلطة ليقتصر على إدارة الخدمات المدنية، تبرز مخاوف من تحولها إلى كيان إداري منزوع البعد السياسي. في مثل هذا السيناريو، تصبح الكانتونات الإطار الجغرافي المقابل لكيان سياسي محدود السيادة.


الضفة الغربية، التي لا تتجاوز مساحتها ستة آلاف كيلومتر مربع، تشهد اليوم إعادة رسم فعلية لحدودها الداخلية. المدن والبلدات لا تُفصل بخطوط على الخرائط فقط، بل ببوابات وحواجز تتحكم في تدفق البشر والبضائع والوقت. ومع أن هذه الإجراءات تُبرر عادة باعتبارات أمنية، إلا أن تراكمها وتزامنها مع توسع استيطاني وتشريعات جديدة يشير إلى مسار استراتيجي أوسع.


وتترافق هذه الإجراءات مع مخاوف متزايدة من إعادة تعريف وظيفة السلطة الفلسطينية لتقتصر على إدارة الخدمات المدنية، في ظل الضغوط المالية والسياسية المتواصلة. في حال تحقق هذا السيناريو، تصبح الكانتونات الإطار الجغرافي المقابل لكيان إداري محدود، منزوع البعد السياسي والسيادي.


في المحصلة، لا يمكن النظر إلى نظام الكانتونات بوصفه استجابة مؤقتة لظرف أمني، بل كجزء من عملية إعادة هندسة شاملة للحيز الفلسطيني، جغرافياً واقتصادياً وسياسياً. إنه نموذج لإدارة الأرض والسكان بشكل منفصل، بما يقلص فرص قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وقابلة للحياة، ويفتح الباب أمام واقع دائم من التجزئة المكانية والسيادة غير المتكافئة.
.

شاهد أيضاً

اسعار الذهب اليوم

اسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت أسعار الذهب اليوم الجمعة 27 فبراير كالتالي : سعر أونصة الذهب عالمياً …