
تجلّيات الذّات: قراءة في هندسة الغياب الشّعريّ في ديوان ، “ظلال لا تشبهني” للشّاعرة سعاد بسناسي ، تقديم: د. دورين نصر – لبنان
إنّ تحليل ديوان “ظلال لا تشبهني” للشّاعرة سعاد بسناسي يهدف إلى استكشاف مفهوم “هندسة الغياب” باعتبارها أداة فنّيّة ومنهجيّة لبناء المعنى وتشكيل الذّات. فالغياب في الدّيوان ليس مجرّد ثيمة عابرة، بل هو بنية مهندسة بدقّة، وآليّة مركزيّة تلجأ إليها الشّاعرة لتفكيك الهويّات الجاهزة والسّائدة، ومن ثمّ إعادة تشكيل ذات شعريّة متفرّدة تتجلّى في عوالم الفقد والصّمت والظّلال، بالاستناد إلى أدوات من النّقد البنيويّ والتّفكيكيّ، والفلسفة الوجوديّة، تحلّل الدّراسة كيفيّة توظيف الشّاعرة للفراغ والصّمت والضّمائر الغائبة، باعتبارها عناصر معماريّة في القصيدة. وتخلص إلى أنّ “تجلّيات الذّات” لا تحدث على الرّغم من الغياب، بل بسببه وبواسطته.
يحتلّ مفهوم الغياب مساحة مركزيّة في الفكر الفلسفيّ والنّقديّ عند جاك دريدا (Jacques Derrida) الذي يؤكّد أنّ الحضور يتأسّس على أثر ما غائب. أما جورج شتاينر (George Steiner) فيتحدّث عن “بلاغة الصمت”، و يرى فيه لغة موازية تتجاوز قصور الكلام. بالتّالي لم يعد الغياب يُقرأ على أنّه فراغ سلبيّ، بل حضور من نوع آخر، بنية دالّة قادرة على إنتاج المعنى وتوجيهه.
في هذا السّياق، يقدّم ديوان “ظلال لا تشبهني” للشّاعرة سعاد بسناسي أنموذجًا شعريًّا ثريًّا لتطبيق ما يمكن تسميته بـ “هندسة الغياب” (The Poetics of Absence Engineering)؛ وهو ليس مجرّد توظيف ثيميّ للغياب، بل هو عمليّة بناء واعية ومقصودة، تستخدم الفراغ والفقد والظّلّ عناصرَ أساسيّة لبناء القصيدة .
بالتّالي، تنطلق هذه الدّراسة من إشكاليّة مركزيّة:
كيف تحوّل الشّاعرة سعاد بسناسي “الغياب” من حالة شعوريّة (الحنين، الفقد) إلى هندسة بنائيّة (أداة فنّيّة) قادرة على تفكيك الهويّات النّمطيّة، وتأسيس “تجلّيات” جديدة للذّات الشّاعرة؟
وتتفرّع عن هذه الإشكاليّة الأسئلة الآتية:
1-ما هي الأدوات اللّغويّة والبنيويّة والصّوَريّة التي تشكّل “هندسة الغياب” في الدّيوان؟
2-كيف تتفاعل “هندسة الغياب” مع ثيمات الظّلّ، والذّاكرة، والهويّة، لتشكيل معنى متعدّد الدّلالات؟
3-إلى أيّ مدى تنجح هذه الهندسة في تجاوز حالة “الذّات المنفيّة” (كما يوحي العنوان) للوصول إلى حالة “الذّات المتجلّية” عبر وعيها بهذا الغياب؟
ويفترض هذا البحث ما يلي:
1-الغياب في ديوان “ظلال لا تشبهني” ليس مجرّد غياب للآخر، بل هو غياب استراتيجيّ للمعنى المباشر والتّعريفات الثّابتة، ما يفتح مجالًا للتّأويل ولتجلّيات الذّات.
2-تستخدم الشّاعرة “الظّلّ” كبطل مركزيّ يجسّد هذه الهندسة، فهو كيان يُبنى من غياب الضّوء، لكنّه يمتلك فاعليّة وحضورًا. إنّه يمكّن الذّات من التّحاور مع نفسها بعيدًا من أعين الآخرين.
3-إن “تجلّيات الذّات” التي يصل إليها الدّيوان هي نتيجة مباشرة لوعي الذّات قدرتها على هندسة غيابها وفقدها، وتحويلها من تجربة سلبيّة إلى مصدر للقوّة والمعرفة الوجوديّة.
وقد تمّ الاعتماد في التّحليل على منهجين:
المنهج الوصفيّ، وهو أسلوب بحثيّ علميّ يهدف إلى وصف الظّواهر والمشكلات كما هي في الواقع، باستخدام أدوات لجمع لابيانات الكمّيّة أو النّوعيّة وتحليلها للوصول إلى فهم شامل وتفسيرات منطقيّة وعلاقات بين المتغيّرات من دون التّدخّل في تغييرها.
والمنهج التّفكيكيّ، وهو اتّجاه نقديّ وفلسفيّ ارتبط أساسًا بأعمال جاك دريدا في ستّينيّات القرن العشرين. وهو لا يُعدّ منهجًا باملعنى التّقليديّ الضّيّق بل ممارسة نقيّة تسعى إلى زعزعة البنى اللّغويّة والفكريّة التي تقوم عليها، من خلال تبّع الانزياحات والمعاني المؤجّلة، بما يُظهر أنّ النّصّ ليس وحدة مغلقة، بل هو فضاء مفتوح لتعدّد القراءات والمعاني.
من بلاغة الغياب إلى هندسته
بين مفهوم الغياب فلسفيًّا وجماليًّا في الأدب، وتفكيكه عبر الغوص في أعماقه وفهم دلالاته المكنونة بين الكلمات وقدرتها على كشف الذّاتيّة الكاتبة، إلى بلاغة الصّمت التي ينطق بها الغياب، يتمّ بناء شعريّ وفق هندسة تخالف المألوف والقواعد وتستند إلى قوّة الدّلالة وأبعاد الصّمت النّاطق في حنايا الكلمات والنّقاط والبياض… وهذه الأمور هي ما سنلقي عليها الضّوء في هذا القسم انطلاقًا من آراء منظّرين ودارسين روّاد في هذا المجال.
1-الغياب :إشكالية فلسفيّة وجماليّة
لم يعد الغياب في الخطاب الفلسفيّ والنّقديّ المعاصر يُقرأ بوصفه عدمًا أو فراغًا سلبيًّا، بل تحوّل إلى إشكاليّة مركزيّة تكشف عن حدود اللّغة وطبيعة الوجود وآليات إنتاج المعنى. فمنذ أن طرح الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر (Martin Heidegger) فكرته بأنّ القلق هو الشعور الأساسيّ الذي يكشف للإنسان العدم، ومن خلال مواجهة هذا العدم (الغياب المطلق)، يدرك الكائن تفرّد وجوده، أصبح الغياب شرطًا ضروريًّا لتحديد الحضور. فالوجود، وفق هذا المنظور، لا يُدرَك إلّا في علاقته المتوتّرة باللّاوجود. وقد وجدت هذه الرّؤية الفلسفيّة صداها في النّقد الأدبيّ والجماليّ. إذ يرى المنظّر الأدبي فولفغانغ آيزر (Wolfgang Iser)، في نظريّته عن “استجابة القارئ”، أنّ قوّة النّصّ الأدبيّ لا تكمن فقط في ما يقوله، بل في ما يتركه عمدًا غير مكتمل. هذه الفجوات أو مواضع اللّاتحديد في النّصّ ليست ضعفًا بنيويًّا، بل هي دعوة استراتيجيّة للقارئ كي يشارك بفعاليّة في بناء عالم النّصّ وتأويله. وبذلك، يصبح الغياب (غياب المعلومة، غياب التّفسير) محرّكًا أساسيًّا لفعل القراءة نفسه، ويتحوّل القارئ من مستهلك سلبيّ إلى منتج شريك للمعنى.
2- التّفكيكيّة وبناء المعنى عبر “الأثر”
قدّم الفيلسوف الفرنسيّ جاك دريدا الإطار النّظري الأكثر جذرية لفهم حتمية الغياب داخل اللّغة ذاتها. من خلال مفهومه المركزيّ “الأثر” (Trace)، يقلب دريدا الأولويّة التّقليديّة للحضور على الغياب. ففي منظوره، لا يوجد مدلول حاضر بذاته، بل إن كلّ عنصر لغويّ يحمل بالضّرورة أثر ما هو غائب عنه؛ فمفهوم “النّهار” لا يكتمل إلّا بأثر غياب مفهوم “اللّيل”، ومعنى “الدّاخل” يتأسّس على أثر غياب “الخارج”. هذا يعني أنّ الغياب ليس مجرّد نقيض للحضور، بل هو شرط إمكانه. فاللّغة، وفقًا لدريدا، هي شبكة لانهائيّة من الإحالات التي لا تصل أبدًا إلى “حضور أصليّ” أو “معنى نهائيّ متعالٍ”، بل تبقى في حالة “لعب” (Play) دائم بين الحضور والغياب. هذا الفهم يحرّر النّصّ من سلطة المعنى الواحد، ويفتح الباب لقراءات متعدّدة تتأسّس على تتبّع آثار ما هو غائب ومسكوت عنه.
3-بلاغة الصّمت وجماليّات الفراغ
في سياق متّصل، حلّل مفكّرون مثل جورج شتاينر وسوزان سونتاغ (Suzan Sontag) “الصّمت” ليس بوصفه غيابًا للكلام، بل بوصفه لغة موازية، لها بلاغتها الخاصّة. يجادل شتاينر في كتابه “اللّغة والصّمت” (Language and Silence) بأنّ الصّمت يمكن أن يكون أكثر بلاغة من الكلام في مواجهة التّجارب القصوى التي تعجز اللّغة عن وصفها. بينما ترى سونتاغ في مقالتها “جماليّات الصّمت” (The Aesthetics of Silence) أنّ الصّمت في الفنّ الحديث هو أداة نقديّة لتطهير الحواسّ من ضجيج العالم، وشكل من أشكال الرّفض الرّاديكاليّ للّغة المستهلكة. هذه الرّؤية تتكامل مع ما يسمّيه الفيلسوف غاستون باشلار (Gaston Bachelard) في كتابه “جماليّات المكان” (The Poetics of Space) بـ “الفراغ المأهول” (Inhabited Space)، وهو مفهوم فلسفيّ لا يعني فراغًا خاليًا، بل مساحة يعيد العقل بناءها ويُنتج فيها معرفة علميّة جديدة تتجاوز المعارف القديمة. فالفضاءات الفارغة في المنزل، مثل الأدراج والأقبية، ليست مجرّد أماكن خالية، بل هي فضاءات مشحونة بالدّلالات النّفسيّة والخياليّة، ومسكونة بأحلام الذّاكرة. هذا “الفراغ المنتج” هو أساس فهم الغياب باعتباره بنية قادرة على احتواء المعنى وتوليده.
4- نحو تعريف إجرائيّ
استنادًا إلى هذا التّأسيس النّظريّ ، ارتأينا صياغة تعريف للمصطلح المركزيّ في هذا البحث، ألا وهو: إنّ “هندسة الغياب الشعريّ” (The Poetics of Absence Engineering) هي: الاستخدام المنهجيّ والمقصود للفجوات اللّغويّة (الصّمت)، والفراغات البنيويّة (البياض)، والصّور القائمة على الغياب (الظّلّ)، والثّيمات القائمة على الفقد، ليس باعتبارها دلالة على النّقص، بل تقنيّة بنائيّة واعية لتوجيه القارئ نحو إنتاج معنى لا يمكن للغة الحضور المباشر أن تقوله. بالتّالي ،الفرق الجوهريّ الذي يقترحه هذا المصطلح بين “بلاغة الغياب” و”هندسة الغياب” هو الانتقال من كون الغياب يحمل أثرًا جماليًّا إلى كونه أداة بناء منظّمة. فالشاعر هنا لا يقع في الصّمت، بل يصمّمه؛ لا يعاني من الفراغ، بل ينظّمه ويوزّعه في بنية القصيدة كما يوزّع المهندس المعماريّ الكتل والفراغات في المبنى. هذه الهندسة هي التي تسمح بتفكيك “الهويّات النّمطيّة” التي تفرضها اللّغة السّائدة، وتفتح المجال لتجلّيات ذات أكثر تركيبًا وأصالة، وهو ما سيسعى القسم التّطبيقي من هذا البحث إلى إثباته في ديوان “ظلال لا تشبهني”.
ثانيًا- هندسة الغياب وتجلّيات الذّات في “ظلال لا تشبهني”
يسلّط هذا القسم الضّوء على هندسة الغياب بوصفها آليّة فنّيّة ومنهجيّة، في محاولة لإظهار كيف يصبح الأنا دالًّا لمدلولات غير محدّدة من جهة، وكيف يُبنى المعنى من خلال الغياب من جهة أخرى.
1-هندسة الظّلّ: بناء الأنا في عوالم الغياب
الظّلّ هو المهندس المعماريّ الأوّل في الدّيوان، وهو تجسيد مثاليّ للغياب المُنتَج. هو فيزيائيًّا غياب للضّوء، لكنّ الشّاعرة تحوّله إلى حضور فاعل. والدّيوان منذ عتبته الأولى (العنوان)، يعلن عن علاقة إشكاليّة بين الأصل (الذّات) والصّورة (الظّلّ)، حيث الظّلّ لا يشبه أصله، ما يفتح فضاء من الاختلاف والمسافة.
والواقع، إنّ هذا الفضاء ليس مجرّد فراغ، بل هو “فضاء حميميّ”تتكثّف فيه الذّات.
تقول الشّاعرة على سبيل المثال في قصيدة “في الضّدّ كان دربُها”:
“رأيتُها في مرايا النّاس مُنطفئةً
لكنّها من ضياءِ القلب مُكتملة”.
هذان البيتان يوضّحان وظيفة الظّلّ بوصفه فضاء بديلًا، إذ إنّ “مرايا النّاس” تمثّل الحضور الاجتماعيّ، والفضاء العامّ الذي يعكس هويّة جاهزة ومنطفئة للذّات. في المقابل، “ضياء القلب” هو النّور الدّاخليّ الذي لا يُرى إلّا في العزلة، في عالم الظّلّ. بالتّالي، تفكّك الشّاعرة سلطة المرآة الاجتماعيّة، وتؤسّس لمصدر بديل للرّؤية والمعرفة بالذّات، ما يذكّرنا ببحث سوزان سونتاغ عن الأصالة في الصّمت والدّاخل.
وفي قصيدة “أغمض بصرَك لترى”، تقول الشّاعرة:
“في الزّاوية القصيّة من روحي
ظلّ يمشي بلا رفيق”.
الظّلّ هنا يسكن أعمق نقطة في الرّوح، وهو يمشي وحيدًا. هذه ليست صورة للحزن، بل هي هندسة للمسافة الدّاخليّة، إذ تبني الشّاعرة فضاءً داخليًّا آمنًا (زاوية قصيّة)، حيث يمكن للذّات (ممثّلة في ظلّها) أن تكون على حقيقتها، بعيدًا من الآخرين. هذا الفضاء الدّاخليّ هو شرط التّجلّي، وهو ما يؤكّد عليه باشلار حين يرى “أنّ الوجود لا يمكن أن يكون إلّا مركزيًّا”.
وتقول في القصيدة عينها:
“ظلّ يتوضّأ بالحذر، ويصلّي على استحياء”. فالوضوء بالحذر والصّلاة على استحياء هما إشارة إلى أداء طقوس من دون اقتناع كامل. هذا الظّلّ يعيش حالة من الانفصال بين ما يظهره وما يخفيه، في ذاته الظّاهريّة وذاته الباطنيّة. بالتّالي، إنّ هذا الظّلّ هو تجلٍّ للظّلّ اليونغيّ، إذ يُشير يونغ (Jung) إلى الظّلّ على أنّه الجانب المكبوت وغير الواعي من الشّخصيّة، والذي يضمّ الصّفات والأفكار والرّغبات التي يرفضها الفرد في ذاته الواعية، أو التي يعتبرها غير مقبولة اجتماعيًّا.
بالتّالي، المعنى يبدو في حيّز الخطر، يأخذنا إليه الـمُنزَلَق الذي تؤسّسه الشّاعرة في لعبتها البارعة ودأبها للتّواري والإقامة في الظّلّ وأطر الغياب.
2-هندسة الفقد: تشييد الذّاكرة بالأثر
الفقد في الدّيوان ليس حالة سلبيّة، بل هو مادّة بناء؛ فالشّاعرة لا تصف الغائب، بل تبني أثره بدقّة، محوّلة الذّاكرة إلى ورشة بناء للحاضر.
تقول في قصيدة: “جذور تمسك بالرّوح”:
“مضى النّسيم ولم يترك على الكفّ سوى
أثرٍ من العطر… لا يُرى، ويُتّقى سدى”.
تستدعي الشّاعرة المعنى من خلال غيابه، إذ لم تعد اللّغة مجرّد أداة شفّافة لنقل تجربة مكتملة، بل أصبحت فضاء للصّراع والتّنكيل، فتتجاوز حدود ما يُقال لتشير إلى ما تريد قوله ضمنيًّا.
هذه الاستراتيجيّة التي تستلهم أدواتها من المنهج التّفكيكيّ، لا تهدف إلى تقديم معنى نهائيّ ومكتمل، بل إلى بناء بنى لغويّة تترك أثرًا للمعنى الغائب. فالحضور (النّسيم، العطر) يغيب تمامًا، وما تبقّى هو “أثر لا يُرى”.
لا تبني الشّاعرة المعنى من الحضور، بل من بصمته الغائبة، ما يجعل التّجربة أعمق، لأنّ المعنى لا يُعطى جاهزًا، بل يُستنتج عبر الفجوات، كما يرى آيزر.
وتقول الكاتبة في قصيدة: “رجع الغائب”:
“يناجي احتمالَه في مرايا الغياب
يُخبّئ بين الضّلوع سؤال التّمامْ
كأنّ به ظلّ من لم يَكُن..
الغائب ليس شخصًا محدّدًا، بل هو احتمال تتمّ مناجاته في “مرايا الغياب”، تبني الشّاعرة كيانًا كاملًا من “ظلّ لم يكن”، أي أنّها تُشيّد حضورًا من غياب مضاعف. هذه قمّة الهندسة الوجوديّة، حيث يتمّ بناء الكينونة من العدم المحض، لأنّ الذّات لا تبكي على ما فُقِد، بل تتجلّى في قدرتها على خلق ما لا يوجد أصلًا. وتنهي القصيدة بالجملة الآتية:
“بأنّ التّمامَ هو البدءُ في العَدَمْ”.
تقدّم الشّاعرة مفهوم “التّمام” ثمّ تفرّغه من معناه التّقليديّ باعتباره غاية مكتملة، وتحوّله إلى نقطة انطلاق جديدة نحو ما لا يمكن تحديده (العدم). من هنا، إنّ الأثر المتروك هو إحساس بالدّيمومة والانفتاح اللّانهائيّ للنّصّ والحياة، وهو معنى يُبنى عبر هدم معنى آخر.
وفي قصيدة “حنين لا يُترجم”، عندما سُئلت الشّاعرة عن وطنها، لم تقدِّم وصفًا جغرافيًّا أو تعريفًا سياسيًّا، بل قالت: “هو نسغُ النّخيل إذا ضحكت له الأرض/ وهو خبز أمّي حين يبرد في صمت القلوب”. الوطن هنا ليس شيئًا يمكن قوله أو الإشارة إليه مباشرة، بل هو أثر محسوس في الذّاكرة الحسّيّة (خبز أمّي)، وفي علاقة الجسد الحميمة بالأرض “نسغ النّخيل”. اللّغة هنا لا تعرف الوطن، بل تستدعي أثر حضوره الغائب في الحواسّ والوجدان.
وفي قصيدة “نشيد المدد”:
“هم ليسوا موتى، بل صدًى في داخلي يعلو إذا سقط الرّجاءُ إلى الأبد”.
ترفض سعاد بسناسي تعريف الموت كغياب مطلق، وتعيد تشكيل مفهوم الموت ليصبح صدًى داخليًّا. هذا الصّدى ليس مجرّد ذكرى، بل هو قوّة فاعلة (يعلو) تظهر في لحظات اليأس: “إذا سقط الرّجاء”.
إذًا، غياب الموتى يتحوّل إلى حضور صوتيّ داخليّ، وهو شكل آخر من أشكال بناء المعنى من الفقد.
نستنتج ممّا سبق أنّ الكاتبة لا تهدف في ديوانها إلى التّصريح بالمعنى، بل إلى “نسج شبكة من الآثار اللّغويّة التي تجعل غياب المعنى محسوسًا ومُنتِجًا”.
3-هندسة الصّمت والفراغ: بناء المعنى باللّامنظور
تُعَدّ شعريّة الصّمت والفراغ من المباحث النّقديّة العميقة التي تتناول أبعادًا فلسفيّة ووجوديّة في النّصّ الشّعريّ. وفي ديوان الشّاعرة سعاد بسناسي، لا يتجلّى هذا المفهوم باعتباره غيابًا أو انقطاعًا عن الكلام، بل باعتباره بنية مهندسة ذات وظيفة دلاليّة عميقة، تتجاوز قصور اللّغة المنطوقة لتكشف عن معانٍ وأبعاد أكثر تجذّرًا في التّجربة الإنسانيّة. والجدير بالذّكر أنّ الصّمت في شعر بسناسي، لا يُنظر إليه على أنّه مجرّد توقّف عن الكلام، بل على أنّه فضاء يحتوي المعنى الحقيقيّ. ففي قصيدة “حفاوة لا تنطق لغتي”، تعبّر الشّاعرة عن هذا المفهوم بقولها: “كأنّه فهم أنّني لا أنصتُ للكلام/ بل لما يُقال”.
هذا يشير إلى أنّ المعنى لا يكمن في المنطوق فحسب، بل في الفراغ المحيط به، في غياب الكلام.
يتوافق هذا الطّرح مع رؤية الفيلسوف جورج شتاينر الذي يرى أنّ هناك تجارب إنسانيّة عميقة لا يمكن للّغة أن تحتويها، بل يمكنها فقط أن تحوم حولها”، فما تعجز الكلمات عن استيعابه، يصبح وعاء للتّجربة الوجوديّة المتمايزة.
ويتعمّق مفهوم الفراغ في شعر بسناسي ليتحوّل من مجرّد غياب إلى فضاء مقدّس، تتجلّى فيه الذّات وتتّصل بالوجود.
ففي قصيدة “الهلال الذي نسي الرّعد”، تقول الشّاعرة:
“وقفتُ على ضفّة الكينونة، وحدي أصلّي للفراغ، وأشرب احتمالي”.
إنّ هذا المقطع يمثّل ذروة التّجلّي الوجوديّ في الدّيوان. فالذّات هنا لا تصلّي للإله بالمعنى التّقليديّ للحضور المتعالي، بل “تصلّي للفراغ”. هذا الفراغ الذي هو في جوهره غياب، يتحوّل إلى مقدّس، إلى فضاء للتّأمّل وللاتّصال بالوجود. إنّها مواجهة للفراغ لا تقود إلى العدميّة، بل إلى شرب الاحتمال، أي الانفتاح على كلّ الإمكانيّات التي يتيحها التّحرّر من المعاني الجاهزة والمحدودة.
يلفتنا في قصيدة: “لم أخبر أحدًا” قولها:
“وكلّما اشتدّ بي الشّكّ تساءلت بها:
لِمَ تُبدي الوُدَّ لِمَن في الجرح تجاهل؟”.
السّؤال هنا هو شكل من أشكال هندسة الفراغ، وهو بطبيعته اعتراف بغياب الجواب، وهو يخلق فجوة دلاليّة في النّصّ؛ فالشّاعرة لا تقدّم إجابات، بل تبني قصيدتها على فراغ السّؤال، ما يُجبر القارئ على التّفكير والتّأمّل بدلًا من التّلقّي السّلبيّ. هذا الفراغ المُنتج هو جوهر ما يسميّه آيزر “فعل القراءة”.
وعليه، تتجاوز شعريّة الصّمت والفراغ في ديوان سعاد بسناسي مجرّد التّقنيّات الأسلوبيّة لتلامس أبعادًا فلسفيّة عميقة. ففي سياق النّقد الأدبيّ المعاصر، يُنظر إلى الصمّت كشكل من أشكال التّعبير. هذا المفهوم يجد جذوره في الفلسفات الوجوديّة التي تؤكّد على أهمّيّة التّجربة الذّاتيّة والفراغ كجزء لا يتجزّأ من الوجود الإنسانيّ. فالذّات في شعر بسناسي لا تخشى الفراغ، بل تحتضنه باعتباره وسيلة لتحقيق أقصى درجات الوعي والتّحرّر.
استنادًا إلى ما سبق، يتّضح لنا أنّ هندسة الغياب في “ظلال لا تشبهني” ليست مجرّد تقنيّة جماليّة، بل بنية دلاليّة تؤسّس لعقل الكتابة ذاته، إذ يتحوّل الغياب إلى عنصر بنائيّ يوازي الحضور ويُعيد تشكليه. وعلى هذا الأساس، فإنّ تجلّيات الذّات في النّصوص تأتي مرتبطة بعمليّة إعادة بناء متواصلة، حيث يتقاطع الشّعريّ مع الفلسفيّ في رؤية تستثمر ما يسمّيه بول ريكور (Paul Ricoeur) ديناميكيّة الذّاكرة والنّسيان، أي تلك القدرة على تحويل الفقد إلى دلالة، والغياب إلى خطاب. إنّ هذا التّحويل الجماليّ يجعل من النّصوص بنية مفتوحة تستوعب تناقضات الذّات وتحوّلاتها، لتغدو الكتابة فعلًا من أفعال الحضور المؤجّل.
بالتّالي، إنّ النّصّ الأدبيّ يقوم على توتّر خفيّ بين ما يُقال وما يُسكت عنه، أي بين الحضور والغياب، حيث “لا يمكن للخطاب أن يتحقّق إلّا بقدر ما يترك من بياضات وفراغات تجعل القراءة فعل إكمال”.
وفي هذا السّياق، يأتي إسهام هانس أولريش غومبريشت (Hans Ulrich Gumbrecht) ليؤكّد على أهمّيّة المساحات الفارغة كعلميّة إنتاجيّة. وليس مجرّد نقص. بالتّالي، إنّ التّوتّر في الدّيوان يتجلّى من خلال ما تحمله القصائد من مساحات صمت توازي اللّغة، وتستدعي القارئ إلى ملء الغياب بتأويلاته.
وعليه، فإنّ الانتقال إلى الإيقاع لا يُفهم بوصفه تحوّلًا شكليًّا في بنية الدّيوان، بل بوصفه تطوّرًا عضويًّا في سيرورة الذّات، إذ يغدو الإيقاع اللّغة البديلة التي تُعيد إنتاج الغياب عبر موسيقى القول، مؤكّدًا أنّ حضور الذّات لا يكتمل إلّا في إيقاع غيابها.
ثالثًا- إيقاعات الغياب: موسيقى التّجلّي في “ظلال لا تشبهني”
تقتضي دراسة هندسة الغياب في دويان “ظلال لا تشبهني” لسعاد بسناسي ألّا نكتفي بالتّحليل الدّلاليّ أو الصُّوَريّ، بل أن ننتقل إلى تفكيك البنية الإيقاعيّة بوصفها بُعدًا أنطولوجيًّا يُجسّد حضور الذّات وغيابها في آن. فالإيقاع هنا ليس مجرّد انتظام وزنيّ، وإنّما هو استراتيجيّة صوتيّة جسديّة تعكس توتّر الوجود نفسه، إنّه يتبدّى كائنًا زمنيًّا، يطلّ ثمّ يتوارى، ما يجعل الموسيقى وسيطًا بين الذّات وتجربتها الوجوديّة.
1-الإيقاع فضاء أنطولوجيّ: من االموسيقى إلى التّجربة
أكّد ت. س. إليوت (T. S. Eliot) أنّ “موسيقى الشّعر ليست شيئًا يمكن فصله عن المعنى”. وهذا ما يؤكّد عليه بول فاليري (Paul Valérie) الذي اعتبر الإيقاع “حالة من الفكر تتجسّد عبر تواتر منتظم أو مختلّ”. في ضوء ذلك، يمكن القول إنّ الإيقاع في قصائد بسناسي ليس زخرفة صوتيّة، بل أفق وجوديّ يوازي فعل التّنفّس والتّردّد.
تقول الشّاعرة في قصيدة: “طيّب… ولكن مرّت سحابته”:
“كان يخفي من اللّطف ابتسامتَه
كأنّه خائفٌ أن يُبدّد الأمَلا
يعبُرُ القومَ، لا يمتد ظلّه
لكن إذا ما انطوى، افتقدته الطّلَلا”.
نلاحظ التّفاوت بين السّطرين الأوّلين الممتدّين، والسّطر الثّالث المنقطع. هذا ما يُجسِّد جدليّة الامتلاء والفراغ، إذ إنّ الانسياب الصّوتيّ للأوّل يجسّد لطف الشّخصيّة وامتداد أثرها. الموسيقى هنا لا تصف بل تؤدّي تجربة الغياب. ما يدفعنا إلى القول إنّ التّفاوت بين السّطرين يعكس انتقالًا من البنية المركّبة إلى إيقاع أكثر صفاء، كما يجسّد عمق الصّمت.
والواقع أنّ الإيقاع في الشّعر الحديث لم يعد مجرّد زخرف خارجيّ، بل أصبح جزءًا لا يتجزّأ من تشكيل الدّلالة. تقول الشّاعرة في قصيدة “هواء يهدّد القلب”:
“هواء يهدّد القلب…
ويمسك بالخطى كأنّها رجع حلم”.
السّطر الأوّل: “هواء يهدّد القلب….” يتّسم بوزن قصير ومفاجئ ينتهي بنقاط حذفت الامتداد الإيقاعيّ المتوقّع. ثمّ يأتي السّطر الثّاني: “ويمسك بالخطى كأنّها رجع حلم” أطول وأكثر انسيابًا.
هذا التّباين بالوزن يجسّد ما يمكن تسميته بالإيقاع الوجوديّ: انقباض/ انفراج، غياب/ حضور.
فالقصيدة لا تكتفي بالتّصوير الدّلاليّ لمشهد الهواء كقوّة مهدّدة، بل تعيد بناء التّجربة عبر الزّمن الإيقاعيّ نفسه: سرعة متوتّرة في السّطر الأوّل، يليها بطء ممتدّ في السّطر الثّاني. هكذا يغدو الإيقاع ترجمة صوتيّة لحالة شعوريّة، لا مجرّد إطار تقنيّ.
هذا يلتقي مع ما أكّده أدونيس في كتابه زمن الشّعر، حين رأى أنّ الإيقاع في الشّعر الحديث “ليس نظامًا خارج الذّات، بل هو تجلّ لتوتّرها الدّاخليّ، يتغيّر بتغيّر حالتها، وبذلك ينسجم ديوان بسناسي مع هذا التّصوّر، إذ يجعل الإيقاع انعكاسًا مباشرًا لتحوّلات الذّات بين القلق واالانخطاف.
كذلك تقول الشّاعرة في قصيدة: “نبض بلا جسم”:
“لأنّ الرّوح لا تُحتَوى
بل تعاش، تستنشق،
كأنّك تمشي وسط الغيم،
تبتلّ ولا تدري أأنتَ الذي أمسك الماءَ
أم الماء الذي احتواك”.
الإيقاع هنا يُبنى عبر حركة الشّعور. السّطران الأوّلان قصيران ومتقطّعان، يحاكيان عمليّة التّنفّس (تُعاش، تستنشق). ثمّ يأتي سطر طويل يمتدّ ليجسّد حالة الضّياع والامتداد في “الغيم”. الذّروة الإيقاعيّة تكمن في التّوازي البنيويّ العكسيّ في السّطرين الأخيرين. هذا التّوازي ليس مجرّد حيلة بلاغيّة، بل هو إيقاع فكريّ يعكس حالة الاندماج الكامل بين الذّات (أنت) والعالم (الماء)، حيث تُمحى الحدود بين الفاعل والمفعول. ما تريد الشّاعرة قوله “ليس مجرّد سؤال فلسفيّ، بل هي تريد من القارئ أن يشعر بحالة الذّوبان هذه من خلال بنية اللّغة وإيقاعها. الإيقاع هنا لا يصف التّجربة بل يؤدّيها.
من هنا، يربط الإيقاع في الدّيوان الصّوت الشّعريّ بكيان التّجربة الإنسانيّة ذاتها، فلا تعود الموسيقى مقياسًا عروضيًّا محايدًا، بل جسدًا سمعيًّا للتّجربة الشّعريّة.
2-موسيقى الصّمت: البياض والإيقاع الخفيّ للنّصّ الشّعريّ
يشير جوهاني بالاسما (Juhani Pallasmaa) إلى أنّ المعماريّ لا يبني الكتلة وحدها، بل يبني الفراغ أيضًا. وبالمثل، فإنّ الشّاعرة تبني نصّها عبر الصّمت بقدر ما تبنيه عبر الصّوت، إذ تحوّل المسافات البيض والنّقاط والفجوات إلى إيقاعات صامتة ذات قيمة موسيقيّة.
تقول بسناسي في قصيدة “لم أخبر أحدًا”:
“تركتُ للألم أبوابًا توارى خلفَها
ذكريات ما شَكت يومًا…
وكلّما اشتدّ بها الشّكّ تساءلتُ: ما بها”.
النّقاط هنا ليست علامة حذف فحسب، بل هندسة صمتيّة، تفرض وقفة زمنيّة يتردّد فيها القارئ بين المعنى المنطوق والمعنى المؤجّل. هذا ما يحيلنا إلى ما تحدّث عنه المؤرّخ السّويسريّ بول زومتور (Paul Zumitor) في “الحرف والصّوت” (La lettre et la voix)، حين عدّ الصّمت عنصرًا فيزيائيًّا من عناصر الموسيقى الشّعريّة.
وفي قصيدة “رجع الغائب”، تقول الشّاعرة:
“ضباب… ونورٌ يناديه: “قُم واستدِم”
بأنّ التّمامَ هو البدء في العدم”.
الوقفة عند كلمة “ضباب…” وما يليها من فراغ زمنيّ، ليست مجرّد علامة ترقيم، بل هي لحظة صوتيّة صامتة تعيد تنظيم الإيقاع الدّاخليّ للقصيدة. هذا التّقطّع يعكس تردّد الذّات لأنّه لا يُقابل المعنى بل يُنتجه، لأنّه يخلق ما يسمّيه زومتور: “العنصر الفيزيائيّ للموسيقى الشّعريّة. بالتّالي، الصّمت هو جزء من البنية السّمعيّة للقصيدة، وليس مجرّد فراغ بصريّ على الصّفحة.
وإذا استحضرنا ما يقوله موريس بلانشو (Maurice Blanchot) في “الفضاء الأدبيّ” (L’Espace littéraire)، نجد أنّ الصّمت هو “الكلمة الأخرى التي تسكن النّصّ وتمنحه عمقه غير القابل للاختزال”.
بهذا المعنى، الصّمت في شعر بسناسي ليس انقطاعًا عن اللّغة، بل هو لغة بديلة تؤسّس لتجربة “التّمام في العدم”، حيث يكتمل الحضور عبر الغياب.
فموسيقى الصّمت ليست غيابًا عن الموسيقى، بل هي موسيقى الغياب نفسها، حيث يتحوّل الفراغ إلى زمن، والسّكوت إلى جرس داخليّ، والغياب إلى أقصى مراتب التّجلّي.
وعليه، يصبح الإيقاع الدّاخليّ في ديوان “ظلال لا تشبهني” هو الحامل الأساسيّ للمعنى. هذا الإيقاع لم ينبع فقط من جرس الحروف، بل من بنية الجملة، وطول الأسطر، والتّكرار والتّوازي، هذا ما جعل الوزن يتلاشى، وجعل السّطر يتحرّر من أسبقيّة الوزن، ومن ضغطه على بناء البيت – الجملة؛ كما يتحرّر من اشتراطات الوزن وإملاءاته على باقي مستويات القصيدة.
من هنا، فإنّ قصائد بسناسي، حين تتخفّف من الوزن لتدخل فضاء النّثر، تحقّق ما يمكن تسميته بـ “إيقاع الغياب”، أي ذلك الطّور الذي يتلاشى فيه الإيقاع الخارجيّ ليتيح للمعنى أن يتجلّى في حضوره الأعمق. إنّها لحظة يتجاور فيها الامتلاء والفراغ، الصّوت والصّمت، الوزن والنّثر، لتصبح القصيدة فضاء وجوديًّا متحرّكًا يلامس حدود الشّعر نفسه.
الخاتمة
توصّلت هذه الدّراسة من خلال مساراتها النّظريّة والتّطبيقيّة، إلى إبراز أنّ هندسة الغياب الشّعريّ في ديوان “ظلال لا تشبهني” ليست مجرّد ثيمة جماليّة عابرة، بل هي بنية تأسيسيّة تنظّم علاقة النّصّ بالذّات والآخر.
فالغياب لم يعد في الفلسفة والنّقد الأدبيّ مجرّد نفي للحضور، بل صار شرطًا من شروط وجوده. من هايدجر الذي أظهر انكشاف الوجود عبر العدم، إلى دريدا الذي جعل الغياب أثرًا ملازمًا لكلّ دالّ، إلى آيزر الذي حوّل الفجوة إلى استراتيجيّة لإشراك القارئ في إنتاج المعنى.
هذه الأسس النّظريّة مهّدت لفهم الغياب بوصفه قوّة مولّدة للمعنى.
وقد بيّنت قراءة نصوص بسناسي أنّ الغياب يتجلّى عبر صور الظّلّ، والمرآة، والفراغ…، ليصبح علامة وجوديّة على هشاشة الحضور وتحوّله. الذّات في هذه النّصوص لا تُبنى إلّا عبر أثير الآخر الغائب، ولا تكتمل إلّا في استدعاء ما ينقص. بذلك يتأكّد أنّ هندسة الغياب ليست انكماشًا على العدم، بل فتحًا لمساحات دلاليّة تتجاوز المباشر إلى ما ورائه.
كما اتّضح لنا أنّ الإيقاع نفسه يخضع لمنطق الغياب والحضور: من غياب التّفعيلة إلى بياض الصّمت، وصولًا إلى التّلاشي في الوزن، ما يجعل من غياب الإيقاع الخارجيّ مجالًا لحضور الإيقاع الدّاخليّ. هنا يتجلّى التّجديد عند الشّاعرة في تحويل الصّمت والبياض إلى زمن شعريّ، والفراغ إلى موسيقى بديلة، محقّقة ما يمكن تسميته بـ “إيقاع الغياب” الذي يفتح القصيدة على التّجربة الوجوديّة.
في الواقع، إنّ النّتائج التي توصّلت إليها هذه الدّراسة تؤكّد أنّ ديوان “ظلال لا تشبهني” يعيد التّفكير في الشّعر العربيّ الحديث من زاوية الغياب، لا بوصفه نقصًا، بل باعتباره أداة بناء شعريّة واستراتيجيّة وجوديّة. فالغياب هو ما يسمح للحضور أن يتجلّى، وهو ما يتيح للقصيدة أن تقول ما لا يُقال عبر هندسة الصّور والإيقاع والصّمت.
بذلك يمكننا أن نخلص إلى أنّ هندسة الغياب هي إحدى أهمّ آليات التّجديد في الشّعر الحديث، لأنّها تكسر مركزيّة الحضور، وتمنح الغياب شرعيّة جماليّة وفلسفيّة، تجعل من النّصّ فضاء مفتوحًا للمعنى، متعدّدًا في دلالاته، متجدّدًا في إمكاناته.
فهل يمكن، ونحن في عصر يبرز فيه بشكل جليّ أدب الومضة، أن تصبح الكلمة مغيّبة لصالح الفراغ، وينشأ نوع أدبيّ جديد يعتمد الكلمة بدل الجملة، والغياب بدل الحضور، فتُترك المساحة خالية لتحريك المشاعر وانسيابها فتخطّ أحرفها الذّاتيّة على الورق؟.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .