1:57 صباحًا / 31 يناير، 2026
آخر الاخبار

من لظى الخناجر إلى عطر الغيب ، الجسد بوصفه فضاء كشفٍ أنطولوجي في شعر يوسف أبو ريدة ، بقلم : حنين الكرمي

من لظى الخناجر إلى عطر الغيب ، الجسد بوصفه فضاء كشفٍ أنطولوجي في شعر يوسف أبو ريدة

من لظى الخناجر إلى عطر الغيب ، الجسد بوصفه فضاء كشفٍ أنطولوجي في شعر يوسف أبو ريدة ، بقلم : حنين الكرمي

ملخص

تتناول هذه الدراسة التحوّل الأنطولوجي للجسد في شعر يوسف أبو ريدة، من خلال ثلاثة دواوين هي: غزل إبان الخناجر، ونمنمات على كف مولاتي، وامرأة من عطر الغيب. وتنطلق من فرضية مفادها أن الجسد في هذا المشروع الشعري لا يُوظَّف بوصفه موضوعًا جماليًا أو غزليًا تقليديًا، بل يتحوّل إلى فضاء كشفيّ للمعرفة والوجود. وتعتمد الدراسة منهجًا تحليليًا سيميائيًا–وجوديًا يربط بين الجسد، والأنثى، والعطر، بوصفها علامات كشفية تتدرّج من الجرح والغياب إلى الحضور والحلول. وتخلص إلى أن أبو ريدة ينجز كتابة شعرية تؤسّس أنطولوجيا للجسد، يُعاد فيها تعريف الوطن، والمعنى، والذات من الداخل.

الشعر كحدث كشف لا كوصف جمالي

لا يكتفي شعر يوسف أبو ريدة بتوليد المتعة الجمالية أو إعادة إنتاج خطاب الغزل المألوف، بل ينخرط في مشروع شعري ذي أفق أنطولوجي، يعيد مساءلة العلاقة بين الجسد، والأنثى، والغيب. فالشعر، في هذا السياق، لا يؤدّي وظيفة الوصف، بل يتحوّل إلى حدث كشف؛ أي إلى فعل وجودي يتيح للذات أن تعاين معناها من خلال الجسد، بوصفه وسيطًا أوليًا للمعرفة.

تشكل الدواوين الثلاثة بنية تحوّلية تصاعدية، لا تُقرأ بوصفها محطات زمنية متجاورة، بل باعتبارها أطوارًا دلالية يتغيّر فيها موقع الجسد من الاغتراب إلى الحلول، والأنثى من الغياب إلى الحضور الكشفي، والعطر من أثر حسّي إلى علامة أنطولوجية شاملة.

أولًا:
غزل إبان الخناجر
– الجسد المغترب وغياب الأنثى بوصفه جرحًا كاشفًا

يتشكّل الجسد في هذا الديوان بوصفه موقعًا للانكسار والاغتراب. الأنثى لا تحضر ككيان حسّي مباشر، بل تُستدعى من خلال الغياب، والجرح، والألم. ويغدو “الخنجر” علامة مركزية لا تُحيل إلى العنف فحسب، بل إلى قطيعة الجسد مع ذاته ومع مصدر المعنى:

«هنا الحب يا سيدي خنجر»
(غزل إبان الخناجر، ص 92)

الجرح هنا ليس معطًى عدميًا، بل شرطًا أوليًا للرؤية. فالجسد، رغم استباحته، يحتفظ بقدرة كشفية بدائية تظهر في لحظة اللمس:

«مدّي يديك برقة
فاللمس مثل الهمس ينطق»
(غزل إبان الخناجر، ص 91)

يتحوّل اللمس إلى فعل لغوي سابق على الكلام، وتغدو اليد “عضو خطاب”، والجسد سطح كتابة أولية. غير أن هذا الكشف يظلّ محدودًا ومشروطًا بالألم، إذ يبقى العطر أثرًا عابرًا لا يمتلك بعدُ طاقة أنطولوجية مستقلة.

السمات الدلالية لهذا الطور:
• الجسد: جسد مغترب، مجروح، منزوع السيادة.
• الأنثى: غياب مؤلم، يُستعاد عبر الألم.
• العطر: أثر حسّي عابر.
• الرؤية: رؤية عبر الجرح.

ثانيًا:
نمنمات على كف مولاتي
– الجسد بوصفه مساحة تكوين وحضور الأنثى كمبدأ كشف

يمثّل هذا الديوان تحوّلًا نوعيًا في البنية الدلالية. لم يعد الجسد مجرّد موضع للألم، بل صار مساحة لتكوين العالم. الأنثى تحضر بوصفها “مولاة”، أي مبدأ توجيه وجودي، لا موضوعًا للنظر. وتغدو “الكف” العلامة الجسدية المركزية التي تتكثّف فيها دلالات المعرفة والاحتواء:

«استوطنت روحي وكل خلية
وبكفّها الوردي تمسح خافقي»
(نمنمات على كف مولاتي، ص 15)

العطر هنا يتجاوز كونه إحساسًا ليغدو طاقة كشفية تسبق الإدراك الحسي، وتعيد تنظيم الوعي. الجسد يتحوّل إلى وسيط بين المحسوس والغيب، بين الذات والمطلق، وتغدو الرؤية شهادة وجودية لا مجرّد انفعال عاطفي:

«وقبضتُ في كفّي حكاية نورس»
(نمنمات على كف مولاتي، ص 40)

السمات الدلالية لهذا الطور:
• الجسد: جسد تكويني، فاعل في إعادة بناء المعنى.
• الأنثى: مبدأ كشفيّ وتكويني.
• العطر: طاقة إدراك قبل–حسية.
• الرؤية: شهادة حضور.

ثالثًا:
امرأة من عطر الغيب
– الجسد محلّ حلول والأنثى حضور داخلي شامل

في هذا الديوان يبلغ المشروع الشعري ذروته. الأنثى لم تعد مبدأً متعاليًا، بل حضورًا داخليًا يسكن الجسد والروح معًا. ويتحوّل العطر إلى علامة كشفية شاملة تعيد تعريف الوطن والمعنى:

«أنتِ عطر الغيب
لا تُمسكين
لكنكِ تملئين الهواء»
الجسد هنا يصير فضاءً مقدّسًا للكشف، كما في قوله:

«ورقيم عطرك في ضلوعي مسجدي»
(امرأة من عطر الغيب، ص 112)

اللغة، التي كانت عاجزة في الديوان الأول، تستعيد قدرتها بوصفها أداة رؤية. ويتحوّل الوطن من مكان جغرافي إلى حالة وجودية تتحقّق حين يصير الجسد موضع حلول:

«خذني إلى كفّيك يا وطني»
(امرأة من عطر الغيب، ص 97)

العطر يتجاوز اللغة، ويكشف حدودها:

«في الحب شيء لا يُقال
فلتغفري عجز اللغات»
(امرأة من عطر الغيب، ص 154)

السمات الدلالية لهذا الطور:
• الجسد: جسد حلولي، فضاء أنطولوجي مقدّس.
• الأنثى: حضور داخلي شامل.
• العطر: علامة كشفية كلية.
• الرؤية: وعي وجودي داخلي.

حين يصير الجسد وطنًا

يكشف المسار التحليلي أن شعر يوسف أبو ريدة يؤسّس أنطولوجيا للجسد، يتحوّل فيها من موضع اغتراب إلى وطن للوجود، ومن سطح للوصف إلى فضاء للكشف. الأنثى تتحرّر من كونها موضوعًا للرغبة أو التمثيل، لتغدو فاعلًا كشفيًا يعيد تشكيل العالم من الداخل. وهكذا يتحقّق في هذا المشروع الشعري انتقالٌ دلالي عميق: من لظى الخناجر إلى عطر الغيب، حيث يصبح كل ألم كشفًا، وكل غياب شكلًا من أشكال الحضور.
المراجع:
يوسف أبو ريدة (2025)، امرأة من عطر الغيب، دار أزرق ودار الأرض الواسعة، تركيا.
يوسف أبو ريدة (2025)، غزل إبان الخناجر، دار أزرق ودار الأرض الواسعة، تركيا.
يوسف أبو ريدة (2025)، نمنمات على كف مولاتي، دار أزرق ودار الأرض الواسعة، تركيا.

  • – حنين الكرمي- طولكرم- فلسطين.

.

شاهد أيضاً

اللجنة الشعبية في الهمشري ووفد من أهالي حي الزيتون يلتقون سفير دولة فلسطين في لبنان

شفا – د. وسيم وني ، في إطار متابعة القضايا الإنسانية والقانونية لأبناء شعبنا الفلسطيني …