1:57 صباحًا / 31 يناير، 2026
آخر الاخبار

“متحف الآثار الفلسطيني (روكفلر)… من معلم ثقافي إلى هدف للتهويد” ، بقلم: د. منى أبو حمدية

“متحف الآثار الفلسطيني (روكفلر)… من معلم ثقافي إلى هدف للتهويد” ، بقلم: د. منى أبو حمدية

لم يكن متحف الآثار الفلسطيني (روكفلر) مجرّد مبنى أثري قائم بمحاذاة السور الشمالي لمدينة القدس، بل شكّل على مدار عقود خزان الذاكرة المادية لفلسطين، وفضاءً جامعاً لتاريخها المتعدد الطبقات، من عصور ما قبل التاريخ، مروراً بالحضارات الكنعانية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، وصولاً إلى العهد العثماني. غير أنّ هذا الصرح الثقافي بات اليوم شاهداً على واحدة من أخطر سياسات الاستهداف الممنهج للتراث الفلسطيني.

عقب السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أقدمت ما تُسمّى بـسلطة الآثار الإسرائيلية على إغلاق متحف الآثار الفلسطيني (روكفلر) في مدينة القدس، وشرعت في نقل مقتنياته الأثرية إلى مقرات أخرى، في إجراء لا يمكن فصله عن سياسة مدروسة تهدف إلى تفريغ المكان من مضمونه التاريخي، وطمس الذاكرة الفلسطينية، وإعادة توظيف الموقع ضمن مشروع التهويد الشامل للمدينة. فالمتحف، الذي أُنشئ ليكون حاضناً للتراث الفلسطيني، جرى التعامل معه كحيّز قابل لإعادة الصياغة وفق سردية قسرية تُقصي أصحاب الأرض وتاريخهم.

ومنذ ما يزيد على عامين، يلفّ الغموض مصير متحف الآثار الفلسطيني (روكفلر)، القائم على أرض الشيخ الخليلي قرب سور القدس الشمالي. فقد عمل الاحتلال على تفريغه تدريجياً، ولا سيّما منذ أحداث السابع من تشرين الأول 2023، بالتوازي مع دراسة عدة سيناريوهات لإعادة استخدام المبنى، من بينها تحويله إلى مرفق سياحي أو تجاري كفندق أو مقهى، أو موقع ذي طابع أمني ورقابي. وتمثّل هذه الطروحات تحوّلاً خطيراً في وظيفة المكان، إذ يجري تفكيك دوره الثقافي والتاريخي، واستبداله بوظائف استثمارية أو أمنية تُفرغ المتحف من رسالته، وتعيد تعريفه خارج سياقه الحضاري الأصيل.

في ظل هذه الإجراءات، يواجه متحف الآثار الفلسطيني (روكفلر) مصيراً مجهولاً، لا يقتصر خطره على المبنى بوصفه معلماً معمارياً، بل يمتدّ إلى المجموعة الأثرية التي يحتضنها، والسردية التاريخية التي يمثلها، والحق الفلسطيني الأصيل في إدارة إرثه الثقافي وحمايته. فالمسألة هنا ليست مجرد نقل لُقى أثرية من مكان إلى آخر، بل اقتلاع للأثر من سياقه، ونزع لدلالته، وقطع للصّلة بين التاريخ وأصحابه.

إن ما يجري بحق متحف روكفلر يندرج بوضوح ضمن النهب الثقافي في سياق الاحتلال، وهو ما تحظره صراحة اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة لعام 1954، كما يتعارض مع مبادئ منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) التي تؤكد حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في حماية تراثها الثقافي، فضلاً عن مخالفته لمواثيق المجلس الدولي للمعالم والمواقع (ICOMOS)، والجمعية العالمية لعلم الآثار (WAC) التي تشدّد على رفض تسييس علم الآثار أو توظيفه في مشاريع الهيمنة والاستعمار.

وبهذا السياق هنالك عدة تساؤلات مفتوحة:


• بأي حق تُنقل مقتنيات متحف قائم في أرض محتلة إلى جهات تابعة لقوة الاحتلال؟
• وكيف يمكن تبرير تفريغ متحف فلسطيني وإعادة توظيفه خارج سياقه الثقافي والتاريخي؟
• وأين تقف المؤسسات الدولية المعنية بحماية التراث من هذا الانتهاك الصريح للقانون الدولي؟

لذا وانطلاقاً من المسؤولية القانونية والأخلاقية، نوجّه نداءً عاجلاً إلى:
• منظمة اليونسكو
• المجلس الدولي للمعالم والمواقع (ICOMOS)
• الجمعية العالمية لعلم الآثار (WAC)

للقيام بدورهم في:
• التدخل الفوري لوقف تفريغ متحف الآثار الفلسطيني (روكفلر)
• ضمان حماية مقتنياته ومنع نقلها أو تغيير سياقها التاريخي
• الحفاظ على وظيفة المتحف الثقافية بوصفه جزءاً أصيلاً من التراث الإنساني الفلسطيني

إن الصمت إزاء ما يتعرّض له متحف الآثار الفلسطيني (روكفلر) لا يمكن اعتباره حياداً، بل هو تواطؤ غير مباشر مع محو الذاكرة، وتفريغ المكان من تاريخه، والحجر من روحه.

  • – د. منى أبو حمدية – أكاديمية وباحثة – عضو في منظمة المتاحف الدولية ICOM

شاهد أيضاً

اللجنة الشعبية في الهمشري ووفد من أهالي حي الزيتون يلتقون سفير دولة فلسطين في لبنان

شفا – د. وسيم وني ، في إطار متابعة القضايا الإنسانية والقانونية لأبناء شعبنا الفلسطيني …