1:53 صباحًا / 31 يناير، 2026
آخر الاخبار

الناقدة والأديبة الفلسطينية غدير حميدان الزبون تقرأ عن “حضور الدين والأسطورة في سياق الفاجعة” في ديوان “واختلطتْ عليكَ الخيلُ” للأديب الفلسطيني خالد جمعة

الناقدة والأديبة الفلسطينية غدير حميدان الزبون تقرأ عن “حضور الدين والأسطورة في سياق الفاجعة” في ديوان “واختلطتْ عليكَ الخيلُ” للأديب الفلسطيني خالد جمعة

كيف للكلمات أن تحتوي ارتجاف الروح وهي تُقاد عبر براري الألم والأمل معًا؟ بعد هذه الصفحات، لا نخرج كما دخلنا؛ نخرج مثقلين بما يشبه الغصّة، وبما يشبه الرجاء في آنٍ واحد.

لربما تسألونني عن الشعور بعد قراءة الديوان، في الحقيقة أيها الأصدقاءُ أظنُّ أنّهُ يمكنكم أنْ تشعروا معي كيف تضيقُ الأرضُ بما رحُبت، وكيف تبلغُ القلوبُ الحناجرَ عندما تختلطُ عليكم الخيولُ في لحظةٍ واحدة: خيولُ الحزنِ، وخيولُ الفقدِ، وخيولُ الصمودِ، وخيولُ الحُلْمِ.
قرأتُ الديوانَ على مدارِ ثلاثِ ليالٍ كريتة فكانت كلماتُه مؤلمة حتّى التعب، ويكأنّك الكنعانيُ الأخيرُ العائدُ من منفاه إلى ما يشبه البياراتِ والجبالَ والأنهارَ القديمةَ في فلسطينَ.

في “واختلطتْ عليكَ الخيلُ” يخبرُنا الخالد أنّ هذه الأرضَ لم تُكتبْ فيها النهايةُ بعدُ، فهي ما تزالُ في فصلها المفتوح، عصيّةً على الخَتْم، لا تعرفُ الصفحةَ الأخيرةَ فعلى ترابها ما يكفي من الحكاياتِ التي تؤجِلُ سقوطَها، وما يكفي من النبض ليُعادَ البَدءُ، ولأنَّ كلَّ جُرحٍ فيها كان دائمًا تمهيدًا لقيامةٍ أخرى، وهنا تكون قراءةُ الديوانِ رحلةً محفوفةً بالمخاطر لاستكشاف أعماقِ النفسِ والتاريخِ والذاكرة.

نبدأ مع قصيدة “دعاء الحرب” في الصفحة السادسة عشرة من الديوان، لطالما اعتدنا أنْ يكونَ الدعاءُ سكينةً وبلسمًا وتسريةً، بينما تحملُ هذه القصيدةُ دعاءً مربكًا على غير العادة ليصبحَ صوتُ الإنسانِ العاديِ، المحتاجِ محورَ الخطابِ الدينيِّ ومن ذلك:

“يا مَن أعطيتَ الإنسانَ القدرةَ على الكلام، وأريتَهُ كيف يزرعُ حِنطتَه كي يأكلَ.
يا مَن روّضتَ له الخيولَ، ووهبتهُ القدرةَ على دفنِ الموتى.
أعِدْ إلينا ضحكاتِ الشجرِ وطُمأنينةَ الليلِ”

يا مَن أعطيتَ الإنسانَ القدرةَ على الكلام”
تحمل استدعاءً دينيا واضحا: فالكلام هو النفخة الأولى كما في قوله تعالى {وعلّم آدمَ الأسماءَ كلّها} وهو في الوقت ذاته وعي الإنسان بنفسه كما تصوّره الأساطير القديمة عندما خرج من الصمت البدائي إلى اللغة، وفي سياق الفاجعة يصبح الكلام ألمًا؛ لأن المأساة أوسع من اللغة، فيعود الصوت إلى مَن منحه القدرة طالبًا تفسيرًا أو عزاءً.

وأريتَهُ كيف يزرعُ حِنطتَه كي يأكلَ”
الحنطة هي أسطورة الحياة الأولى: هي حنطة تمّوز/ إله الخصب الذي يموت ليحيا الناس.
وهي أيضًا رزقٌ سماويّ في المخيال الديني، مرتبط بالكدّ والعرق والخطيئة الأولى بعد الخروج من الجنّة.
والفاجعة تكمن في تحول الخبز من رمز للحياة إلى شاهدٍ على الخراب: نزرع، لكننا لا نأكل بسلام.

يا مَن روّضتَ له الخيولَ”
الخيول في الأسطورة هي قوة الحرب والمجد، وفي الدين رمز العزّة والكرامة والنفير.
هنا يُستدعى الماضي البطولي ليقف عاجزًا أمام الفاجعة الحديثة.
ووهبتَهُ القدرةَ على دفنِ الموتى”
هذه الجملة هي ذروة التناص الديني–الأسطوري: فدفن الموتى هو أول فعل إنساني بعد القتل كما في (قصة قابيل والغراب)، وهو في الأسطورة لحظة الاعتراف بالفناء وبقدسيّة الجسد.
لكن في الفاجعة الفلسطينية/الإنسانية يصبح الدفن حُلْمًا مؤجّلًا، فتتحوّل النعمة إلى وجع: فنحن نملك القدرة، لكن لا نملك الوقت ولا الأمان.

أعِدْ إلينا ضحكاتِ الشجرِ وطمأنينةَ الليلِ”
لاحظوا كيف تنسحبُ السماءُ من العلوّ إلى الأرض الجريحة، فالشجر كائن أسطوري حيّ، شاهد، وأخ أخضر للإنسان، والليل في الدين سكنٌ ورحمة، وفي الفاجعة يتحوّل إلى مسرح خوف.
فالأمر الطلبي هو عودة البديهيات: كأنْ يضحكُ الشجرُ، وأنْ ينامَ الإنسانُ دون أنْ يُحصي الموتى.

وفي قصيدة “زاوية فارغة” في الصفحة التاسعة والثلاثين من الديوان يستدعي الشاعرُ نبيَ اللهِ يعقوبَ عليه السلام ليجعل من الحزن الإنساني لوحةً رمزيةً للفقد المتكرر فيقول:

“يجلسُ يعقوبُ النبيُ بعينين مُبيَضّتينِ من الحزنْ
ويَعُدّ الذئابَ التي تأكلُ أولادَهْ
قال: ليتهم ألقوهم في البئرْ
لعلّ قافلةً تمرُ”

يجلسُ يعقوبُ النبيُ بعينين مُبيَضّتينِ من الحزن”
هذا تناصّ قرآني صريح من قوله تعالى: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ} ، لكنّ الجلوس هنا جلوسَ العجز، فيعقوب عليه السلام يقف أبًا مكسورًا على عتبة الرجاء، فالنبوّة أُنهكت من تكرار الفقد.

والفاجعة تكمن في تحوّل يعقوب عليه السلام إلى أيقونة لكل أبٍ يرى أبناءه يُختطفون من الحياة ولا يملك سوى الحزن الصامت.

ويَعُدّ الذئابَ التي تأكلُ أولادَه”
هنا يحدث الانزياح الأخطر: ففي القصة الأصلية الذئب كذبة الأبناء، أمّا هنا فالذئاب حقيقية، متعدّدة، قابلة للعد لكثرة الشهداءّ، فالشرّ منظومة افتراس مستمرة.

قال: ليتهم ألقوهم في البئر”
هذه جملة صادمة، لأنها تتمنى الشرّ القديم، فالبئر في القصة القرآنية كان قاع الخيانة،
لكنّه أيضًا مكان النجاة المؤجّلة.

والفاجعة هنا بأنْ يصبح البئر أرحم من الذئاب، وأقلّ وحشية من القتل المفتوح، فتنقلب الموازين الأخلاقية: لأنّ ما كان مأساة في الماضي، صار حلمًا في الحاضر.

لعلّ قافلةً تمرُ”
القافلة هي الأمل الهشّ، والقَدَر الذي لا يُخطّط له، والنجاة التي تأتي صدفة دون وعد.

في الدين: القافلة رحمة إلهية متأخرة، وفي الأسطورة: العابر المنقذ الذي يظهر من الفراغ.
والفاجعة تتمثّل في انتظار العالم أنْ يمرّ ولا يشيح بوجهه.

أما في قصيدة “ممحاة” في الصفحة الثانية والعشرين من الديوان، فيربط الشاعر الحرب الأولى بالحرب الحالية عبر سطرٍ صريح فيقول:

“لأنه كان يمكنُ ألا يولدَ أصلاً
لو لم يقتلْ قابيلُ أخاهْ
ولو لم يقلدْهُ الآخرون”

لأنه كان يمكنُ ألا يولدَ أصلًا”
الضمير هنا غائم ومقصود غموضه: فهل هو القاتل؟ أم القتل؟ أم هذا العالم المشوَّه الذي صار يرى الدم قَدَرًا؟ والفاجعة تظهر من خلال كائن وُلِد وكان يمكن منعُه.

لو لم يقتلْ قابيلُ أخاه”
في هذا عودة إلى الجرح الأول في التاريخ الإنساني، فقابيل يمثّل اللحظة التي فكّر فيها الإنسان أن يرفع يده على شبيهه، فالقتل إعلان أنّ الأخوّة قابلة للكسر.

وفي هذا السياق، يصبح قابيل الأب المؤسِّس للعنف، وتتحوّل الجريمة إلى سابقة قابلة للتكرار.

ولو لم يقلدْهُ الآخرون”
هذه أخطر جملة في المقطع؛ لأنها تنزع عن الشرّ حُجّة الغريزة، وتضعه في خانة الاختيار والتعلّم.

فالقتل يستمر لأن الآخرين تعلموا الدرس الخطأ، ونقلوه، وشرعنوه، وورّثوه كحرفة.

وهنا تتحوّل الفاجعة من خطيئة فردية إلى ثقافة، وإلى سلالة.

وفي قصيدة “في الأساطير” في الصفحة السادسة والسبعين من الديوان يقول الخالد:

“في الأساطيرْ
كلما ماتَ بطلٌ فكّرتُ:
ماذا فعلوا بحصانِهْ؟
التاريخُ مزيفٌ لأسبابٍ كثيرةٍ،
منها: أنه لا يتذكرُ الأحصنة”

في الأساطيرْ / كلما ماتَ بطلٌ فكّرتُ:”
الأسطورة لا تبدأ بالسؤال عن البطل؛ لأنّ موتَه مُكرَّس سلفًا كقدرٍ بطولي.
لكنّ التفكير هنا فعلٌ أنثوي/إنساني/شكوكي، هو صوت خارج السرد الرسمي يسأل عمّا تُهمله الملاحم عمدًا، وهذا التفكير هو بداية التمرّد على الحكاية الجاهزة.

ماذا فعلوا بحصانِهْ؟”
سؤال يبدو بسيطًا؛ لكنه قاتل، فالحصان في الأساطير هو ظلّ البطل، ورفيق المعركة، وذاكرة الجسد، والكائن الذي حمله إلى المجد ولم يُمنح اسمًا في الغالب.

فعندما تموت البطولة يُنسى الحصان، لأنه لا يدخل في خطاب المجد، والسؤال عن كلّ مَن قاتل ولم يُخلَّد.

التاريخُ مزيفٌ لأسبابٍ كثيرةٍ”
هذه جملة تقريرية، شبه محايدة؛ لكنها تمهّد للطعنة الذكية، فالشاعر يمنح التاريخ فرصة الدفاع عن نفسه،ـ ثم يسحبها

منها: أنه لا يتذكرُ الأحصنة”
وهنا ينكشف كل شيء، فالتاريخ يكذب لأنه يختار ذاكرة ناقصة.

هو يتذكّر القادة، والتواريخ، والخرائط، وينسى الكائنات التي دفعت الثمن بلا خطاب.

والأحصنة هنا رمز:

للجنود المجهولين، وللأمهات، وللأطفال، وللأرض، ولكل من حمل العبء ولم يُنسب إليه النصر.

ويبلغ التداخل بين الدين والأسطورة والفاجعة ذروته في قصيدة “إذا اختلطت عليك الخيل” في الصفحة الستين، فتتحول البطولة إلى عبءٍ أخلاقي يومي، والنجاة تصبح عملاً بسيطًا ملموسًا، يربط الإنسان بأرضه وبأطفاله ومن ذلك:

“إذا اختلطتْ عليكَ الخيلُ
وأعياكَ صهيلُها المُرُّ
فلا تطلقْ عليها النارْ…
لكنْ عليك أولاً
أنْ تُعِدَّ الفطورَ للأطفال الجالسين في الظلِ اللاهب”

إذا اختلطتْ عليكَ الخيلُ”
الخيل هي قوى متشابكة من: حقّ وباطل، خوف وغضب، عدوّ وضحية.
والاختلاط يعني فقدان البوصلة الأخلاقية، عندما لا يعرف السيف في أي اتجاه يُرفع.

وأعياكَ صهيلُها المُرُّ”
الصهيل صوت الحرب عندما يطول، والمرارة هنا نفسية تمثّل تراكم ضجيج الدم.

فلا تطلقْ عليها النارْ…”
هذا نهيٌ أخلاقيّ حاسم، فعندما تعجز عن فهم المشهد لا يحقّ لك أن تقتل.

لكنْ عليك أولاً”
كلمة أولًا هي قلب المقطع، وهي إعادة ترتيب القيم قبل البندقية،

أنْ تُعِدَّ الفطورَ للأطفال الجالسين في الظلِ اللاهب”
وهنا تسقط الأسطورة، ويهبط النص إلى الأرض الساخنة، فالأطفال لا يشاركون في الصهيل، ولا يعرفون الخيل؛ لكنهم يدفعون ثمنها، فالفطور أمر بسيط، بدائي، يلعن الحرب، والظل اللاهب مفارقة موجعة: أي حتى الحماية صارت حارقة، ومع ذلك الأطفال جالسون ينتظرون.

يا رفاق الحرف، ها أنذا أرفع القلم عن أوراقي دون أنْ أضع النقطة، فالخيول مختلطة، كما اختلطت الرموز في ديوان خالد جمعة، صهيلها نغمةٌ من نبض الوطن، وصدى الفاجعة، وخيوط الأسطورة والدين.

دعوا هذه الرموز تصعد وتهبط، فتصنع صدىً في جدران الخزان، صدى يردد: فلسطين حيّة… حيّة في الأسطورة، وحيّة في الصلاة، وحيّة في كل حُلْم نحمله، وفي كلّ دمعة نحفرها في القلب لتكبر، وتغدو نورًا، لتصبح وطنًا لا يزول، وطنًا خالدًا، لا تنطفئ شمسُه، ولا يختلط صهيلُه إلا بحبنا لها.

شاهد أيضاً

اللجنة الشعبية في الهمشري ووفد من أهالي حي الزيتون يلتقون سفير دولة فلسطين في لبنان

شفا – د. وسيم وني ، في إطار متابعة القضايا الإنسانية والقانونية لأبناء شعبنا الفلسطيني …