7:04 مساءً / 18 سبتمبر، 2019
آخر الاخبار

المرايا تعكس واقع الوجوه ومخاوف القلوب بقلم : دلال جويد

لم تتوقف دهشة الانسان بالمرآة منذ ان رأى انعكاس صورته في صفحة الماء الساكن، وما زالت المرايا تحظى بسطوة خاصة، فهي الأكثر حضورا في المنازل والغرف والقاعات، وأغراضها المتعددة جعلتها جزءا أساسا من مستلزمات الحياة خاصة حين يتعلق الأمر بالمرأة التي ترافقها المرآة اينما حلت ولا تخلو حقيبتها من قطعة او قطعتين من المرايا الانيقة.
وهوس الناس بالمرآة سببه حبهم لأنفسهم حتى يكادوا لا يفوتون سطحا عاكسا لصورهم من دون ان يلتفتوا اليه، فرغبة النظر في المرآة لا تقاوم عند معظم الناس، ولو حدث الانسان نفسه وهو يمر امام المرآة لقال لها توقفي لنر هذا الكائن المميز الذي أحبه ولا أمل من النظر اليه، انا أراني في المرآة. ولو سنحت لنا الفرصة لمشاهدة شخص وحده امام المرآة بعيدا عن أعين الآخرين لوجدناه يؤدي حركات تثير الضحك والاستغراب فهو تارة يدور حول نفسه وتارة يمد لسانه ومرة يضحك وأخرى يعبس او يغمز بعينه او يرقص او يقوم بكثير من الحركات التي لا يأتي بمثلها امام الناس، وكل ذلك ليرى نفسه في حالاتها المختلفة.
والمرآة قد تصيب بعض الناس بالخبل لهوسهم بالتطلع اليها وأقرب ما يتبادر الى اذهاننا الاسطورة اليونانية التي تروي حكاية نرسيس المعجب بوسامته وشكله، فكان يتطلع كل يوم في ماء البحيرة الى ان سقط في الماء وتحول الى زهرة النرجس الجميلة ومن هذه الاسطورة اخذ مصطلح النرجسية المعروف.
وما يثير الدهشة ليس اهتمام الإنسان وتعلقه بالمرآة فقط وانما ما احيط بها من أساطير وخرافات ومعتقدات واستخدام الشعوب القديمة لها في السحر والتكهن بالمستقبل وغيرها من الامور التي اخرجت المرآة من مهمتها العاكسة الى اطار غرائبي يختلف باختلاف المجتمعات.
وقد ذكرت المرآة بمعناها السحري في كتب التراث العربي في وصف بابل القديمة فذكر القزويني في كتابه »آثار البلاد وأخبار العباد« ان في بابل القديمة سبعة مدن تتميز كل منها بميزة سحرية، فالمدينة الرابعة كان فيها مرآة من حديد، فإذا غاب رجل عن اهله وأرادوا ان يعرفوا حاله التي هو فيها أتوا بالمرآة ووضعوا امامها اسمه ونظروا فيها فرأوه على الحالة التي هو فيها.
فالقزويني هنا يذكر ان اهل بابل كانوا يستخدمون المرآة السحرية لمعرفة احوال الغائبين عن أهلهم ويضاف الى سحر المرآة سحر اسم الشخص الذي يذكر فيستحضر صاحب الاسم وينظر اليه اهله في مرآة بابل العجيبة.

عجائب مرايا المدن

ويبدو ان مرايا المدن لا تكف عن عجائبها في التراث القديم حيث تروي الكتب الاخبار العجيبة عن مدينة الاسكندرية ومنارتها التي تعد من عجاب الدنيا السبع، وقد كان في اعلى المنارة مرآة يمكن ان »يرى فيها كل مركب اقلع من سواحل البحر كله« وذكرها القزويني والمقريزي في كتبهما وقد كان الهدف منها رؤية العدو القادم من البحر فيستطيعون الاستعداد له ودفعه. وذكرت مبالغات كثيرة في وصف تلك المرآة وكيف انها كانت تثير قلق الروم فيقال ان من يجلس تحت المنارة وينظر في المرآة يمكنه ان يرى من هو بالقسطنطينية!
وبقيت منارة الاسكندرية العجيبة الى عهد الوليد بن عبدالملك بن مروان الذي قام بهدمها المنارة طمعا في الكنوز التي تحتها كما زين له احد اتباع الروم، واختفى بعدها كل أثر للمنارة ما عدا ما نقرأه من أوصاف عجيبة لها في كتب التراث.
والمرايا ليست حديثة العهد فقد استخدمت المرايا النحاسية في مصر منذ عهود السلالات المصرية الاولى، واستعملت بأشكال وتصميمات مختلفة وكانت المرآة ذات المقبض تصنع من عدة مواد مثل البرونز او العاج او الخشب، وكانت المرايا تحفظ في علب لحمايتها وعثر على عدة مرايا بقرص نحاسي مصقول يعود زمنها الى عهد السلالة الثانية عشرة.

المرايا والخرافات

عرف التكهن بالمرايا منذ زمن بعيد، فقد استخدمت المرايا بشكل واسع من العصور الوسطى الى القرن التاسع عشر في اوروبا، وعرف هنري ملك فرنسا باستعانته بالمرآة السحرية في اغلب الاحيان، وكان الساحر الملكي للملكة اليزابيث الاولى يستخدم بيضة ومرآة سوداء من الزجاج البركاني للتكهن،
وكانت المرايا من الاساليب الشعبية للتكهن في الهند، وتتضمن طقوسها الصوم وتعطير المرايا وقراءة التعاويذ.
واعتقد في المجتمعات البدائية ان الانعكاس يعني الروح، وتعريض شخص لانعكاس المرآة او أي سطح عاكس يجعلانه مهددا بالخطر والموت، وكان الاعتقاد السائد ان الشخص الذي يرى انعكاس صورته في المرآة سيموت قريبا.
ومن العادات الفلكلورية العالمية رفع المرايا من غرف المرضى خشية ان تسرق ارواح الاشخاص الضعفاء، وفي الغالب تزال المرايا من البيت بعد موت احد افراد العائلة طبقا لخرافة تذهب الى ان من ينظر في المرآة بعد موت صاحبها سيموت قريبا.
وقد ارتبطت المرايا بالشر ففي الفلولكلور الروسي اعتقد انها من صنع الشيطان والغرض منها اخذ الارواح من اجسام البشر.
وفي الخرافات الاخرى انه اذا نظر احدهم مدة طويلة من الليل في المرآة فإنه سيرى الشيطان، لذا فمن المستحسن تغطية المرايا في غرف النوم اثناء الليل.
ويقال ان الساحرات ومصاصي الدماء ليس لصورهم انعكاس في المرآة. وان نظرة الحسد او العين الشريرة من الممكن ان تحطم المرآة او تشوه سطحها.
ومع كل ما قيل عن المرآة من خرافات لا يفارق مضمونها الشر، فقد انتشرت خرافات معاكسة استخدمت فيها المرايا للحماية من الشر، حيث يعتقد ان المرايا يمكن ان تعكس العين الشريرة او انتشرت تلك المعتقدات في اوروبا خاصة، فبحلول القرن السابع عشر الميلادي، كان الناس يلبسون مرابا صغيرة في قبعاتهم لصد الحسد.
وكان الحفاظ على المرآة من الامور المهمة فقد سادت الخرافات التي تحيط بأضرار المرايا حيث اعتقد ان كسر المرآة يكسر الحظ لمدة سبع سنين او يحدث كارثة او موتا، والمرآة التي تسقط من الحائط من دون تدخل احد هي نذير بالموت.

زوج المستقبل في المرآة

فارس الاحلام او العريس المرتقب شكل هاجسا ملازما لمعظم النساء في اوروبا قديما، كونه يظل مجهولا قبل ان يصبح حقيقة وأصبح البحث عن هذا المجهول ديدناً للنساء يحاولن معرفته بشتى الطرق ومنها التكهن بالمرايا، فقد كان يعتقد ان البنت التي تحدق في انعكاس القمر في المرآة ستعلم يوم زفافها.
وكانت الشابات في اوروبا يمارسن بعض الطقوس لمعرفة زوج المستقبل ومن تلك الطقوس ان تأكل الفتاة تفاحة حمراء وتمشط شعرها عند منتصف الليل امام المرآة وحينها سترى زوج المستقبل في احلامها.
ويعتقد السحرة ان التحديق بالمرآة يمكن ان يكشف الهالة المحيطة بالانسان، وان المرايا السود هي ادوات جيدة للتكهن. واستبدلت المرايا بطاسات الماء الصغيرة او الكرات البلورية التي كان يعتقد انها قادرة على كشف المستقبل، او يمكنها كشف الاماكن البعيدة ومن بينها ارض الموتى.
وهناك أساطير تتحدث عن معرفة المرآة لخفايا الامور، ولعل اشهر القصص التي تحولت الى عمل كارتوني جميل قصة »بياض الثلج« الفتاة الجميلة التي تعيش مع زوجة أبيها الساحرة التي تمتلك مرآة سحرية تخبرها دائما ان »بياض الثلج« اجمل منها وهكذا تتعرض الفتاة للخطر بسبب أقوال المرآة وغيرة زوجة الاب.
ولا تقف الحكايات الخرافية عند هذا الحد فمنها ما يثير الرعب في النفوس وأشهرها في بريطانيا حكاية وجه ماري الدامي في المرآة التي يتناقلها الناس بينهم. وتقول الحكاية: انه قبل نحو مائة سنة تعرضت امرأة لحادث فظيع خدش وجهها بشكل سيئ، فنزفت حتى الموت متأثرة بجراحها ووجهها المشوه. لكنها اصبحت تظهر في شكل شبح شرير يطارد الناس في المرايا، فما ان يقف الشخص امام المرآة ويكرر اسمها ثلاث مرات حتى يرى وجهها المشوه في الظلام، فإن لم يهرب بأقصى سرعة فستحاول ماري الشريرة ان تشوه وجهه.
وهذا نموذج لقصص الخوف من المرايا التي يتداولها الناس ويخوفون بها الاولاد، وتتعدد نماذج القصص التي تعزز الخوف ويؤمن بها بعض الناس.
وفي احصائية بريطانية عن الخرافات الأكثر تأثيرا في حياة الناس وجد ان وجه ماري المشوه في المرآة هو الاكثر شيوعا بين الناس، فقد ربط بينها وبين السحرة والمشعوذين اضافة الى ان اسمها ارتبط باسم الساحرة ماري ماجدولين التي تم احراقها في القرون الوسطى.

احلام المرايا

يبدو ان أثر المرايا في حياتنا يتجاوز حدود الواقع لنجد كتب تفسير الاحلام تذكر تفسيرات مختلفة لرؤية المرآة في الحلم، فقد ذكر ابن شاهين في كتابه »الارشادات في علم العبارات« ان من »ينظر في مرآة من حديد او ما اشبه ذلك فإن كان متزوجا يأتيه ولد غلام وان لم ينتظر ولداً فإنه يفارق امرأته ويخلفه غيره وان كان عازبا فإنه يتزوج«.
ويذكر ابن سيرين ان المرآة تدل على الجاه والولاية بقدر عظمها وصفائها فمن رأى انه اعطاها لأحد فإنه يدل على ايداع ماله.

أنواع المرايا

السطوح العاكسة او المرايا ليست دائما على شاكلة واحدة ولا تعكس بالضرورة الصورة الحقيقية للأشياء، فهناك المرآة العادية التي تعكس الاشياء بشكلها الطبيعي، والمرآة المحدبة التي تضخم الاشياء والمرآة المقعرة التي تصغر الاشياء وهناك المرايا المتوازية التي تعكس صورا لا نهائية لشيء واحد.
وعرف الآن نوع من المرايا يسمى المرآة المزدوجة التي تعكس صورة الشخص من جهة بينما تكون من جهة اخرى زجاجا يمكن مشاهدة ما خلفه. وقد استخدمت تلك المرايا بشكل سيئ، في أماكن مختلفة من العالم حيث يتم الاطلاع على النساء في محلات الزينة والملابس من دون علمهن، وهذا واحد من اغراض المرايا الشريرة التي تضاف الى معتقدات الشعوب.
اما اطرف ماروي عن المرايا فهو ما ذكره ول ديوارنت في كتابه »قصة الحضارة« عن اسطورة تروي ان فلاحا اشترى مرآة لاول مرة ونظر اليها فظن انه يرى فيها وجه ابيه الميت، فأخفاها على انها كنز ثمين، لكنه كان يتسلل اليها من وقت الى آخر، فارتابت زوجته في أمره وأخرجت المرآة يوما من مكمنها فما كان أشد فزعها حين رأت امرأة في مثل سنها وقد رجحت ان تكون تلك المرأة خليلة زوجها.
ولعل اشهر المعتقدات بين الناس ان المجرم يعتم المرآة اذا نظر فيها، فكم من المرايا يجب ان تكون معتمة في زمننا هذا؟

دلال جويد

شاهد أيضاً

ابو عمار … الأب الذي حمل على كاهله مسؤولية القضية بقلم : مروان جودة

ابو عمار … الأب الذي حمل على كاهله مسؤولية القضية بقلم : مروان جودة ‏لستُ …