10:13 مساءً / 23 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

العملية وصندوق الاقتراع الإسرائيلي .. لماذا الآن؟ ، بقلم : الصحفي سامح الجدي

العملية وصندوق الاقتراع الإسرائيلي .. لماذا الآن؟ ، بقلم : الصحفي سامح الجدي

في السياسة، ليست الأحداث وحدها هي ما يستحق القراءة والتحليل، بل توقيتها أيضا، وما يترتب عليها من تحولات في موازين القوى، ومن فرص يستثمرها السياسيون لإعادة ترتيب أوراقهم. وعندما تقع عملية أمنية قبل أيام قليلة من الانتخابات الإسرائيلية، وتأتي في لحظة تشهد فيها الساحة السياسية نقاشات حول مستقبل العلاقة مع السلطة الفلسطينية، فإن السؤال عن التوقيت يصبح مشروعا، بل ضرورة سياسية لا يمكن تجاوزها.

في انتخابات الكنيست التي جرت في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2022، وبعد سلسلة من الجولات الانتخابية التي عجز خلالها بنيامين نتنياهو ومعسكر اليمين عن حسم الأغلبية بصورة مستقرة، تمكن نتنياهو من العودة إلى الحكم، مستندا إلى تحالف مع قوى اليمين القومي والديني المتطرف. وقبل الانتخابات بأيام، شهدت منطقة كريات أربع عملية إطلاق نار أدت إلى مقتل مستوطن وإصابة آخرين، في مشهد تزامن مع احتدام المنافسة الانتخابية وتصاعد الخطاب الأمني.

وبعد أيام، حسم نتنياهو الانتخابات وشكل حكومته التي ضمت إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة من التطرف السياسي، انتهت إلى حرب مدمرة على قطاع غزة، أوقعت عشرات الآلاف من الشهداء، وألحقت دمارا هائلا بالقطاع، وفتحت أبوابا واسعة أمام التصعيد في الضفة الغربية.

لم تكن تلك الحكومة مجرد تغيير في تركيبة الائتلاف الحاكم، بل مثلت صعودا أكثر وضوحا لتيار يرى في القوة العسكرية والاستيطان وفرض الوقائع على الأرض أدوات أساسية لإدارة الصراع، على حساب أي أفق سياسي أو تسوية تقوم على الحقوق الوطنية الفلسطينية.

واليوم، يبدو أن المشهد يعيد طرح الأسئلة ذاتها، وإن اختلفت الظروف والتفاصيل.

قبل الانتخابات الإسرائيلية بأيام، خرجت إلى العلن مواقف ونقاشات تتعلق بإمكانية العودة الأولية لعشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين، ومحاسبة إرهابيي التلال، وإبعاد بن غفير عن ملف الأمن، إلى جانب ترتيبات محتملة تتصل بالضفة الغربية وقطاع غزة، وأموال المقاصة، ومستقبل العلاقة مع السلطة الفلسطينية.

وفي لحظة كهذه، جاءت العملية الجديدة لتمنح اليمين المتطرف فرصة لتجديد خطابه الأمني، وإعادة تصدير السلطة الفلسطينية باعتبارها المشكلة التي ينبغي التخلص منها، بدلا من التعامل معها بوصفها طرفا سياسيا قائما في معادلات الأمن والإدارة ومستقبل التسوية.

فما إن وقعت العملية حتى تصاعدت التصريحات المطالبة بإنهاء السلطة الفلسطينية، وبرزت مجددا لغة التصعيد والتهديد، وكأن المشهد السياسي الإسرائيلي عاد إلى نقطة الصفر، وكأن كل حديث عن التفاهمات أو الترتيبات الاقتصادية والسياسية يجب أن يتوقف أمام حدث أمني، بصرف النظر عن ملابساته ومسؤولياته.

وهنا تكمن المسألة السياسية الجوهرية: هل نحن أمام استجابة أمنية لعملية ميدانية، أم أمام توظيف سياسي لنتائجها في معركة انتخابية محتدمة؟ وهل يدرك اليمين الإسرائيلي أن مثل هذه العمليات تعزز فرصه في استعادة زمام المبادرة الانتخابية، وإعادة تعبئة جمهوره حول خطاب القوة والانتقام، وإسكات الأصوات التي بدأت تتحدث عن مراجعة بعض السياسات القائمة؟

لا يعني طرح هذه الأسئلة أن هناك دليلا على تدبير العملية أو توجيهها لخدمة طرف سياسي بعينه، فذلك يحتاج إلى أدلة لا إلى استنتاجات. لكن السياسة لا تتوقف عند البحث عن الفاعل المباشر للحدث، بل تمتد إلى تحليل المستفيد من نتائجه، وكيفية توظيفه، والقرارات التي يجري تمريرها باسمه.

وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحا: لماذا الآن، وليس بعد الانتخابات؟

لماذا تقع العملية قبل أربعة أيام من موعد الاقتراع، في لحظة تتقاطع فيها الحسابات الأمنية مع المصالح الانتخابية، وتتصاعد فيها النقاشات بشأن العمال الفلسطينيين وأموال المقاصة ومستقبل السلطة الفلسطينية؟ ولماذا يتقدم خطاب إنهاء السلطة إلى الواجهة بهذه السرعة، وكأن العملية تحولت فورا إلى مظلة سياسية لتصفية حسابات تتجاوز الحدث نفسه؟

إن اليمين الإسرائيلي، الذي يواجه استحقاقا انتخابيا حاسما، يعرف جيدا أن الأمن يمثل أحد أكثر الملفات تأثيرا في سلوك الناخب الإسرائيلي. ولذلك، فإن تصاعد العمليات والمخاوف الأمنية قد يمنح القوى الأكثر تطرفا فرصة لتقديم نفسها باعتبارها الخيار الأكثر تشددا، حتى عندما تكون سياساتها السابقة قد أسهمت في تعميق الصراع وتوسيع دائرة العنف.

وبهذا المعنى، لا يمكن فصل الخطاب الداعي إلى إنهاء السلطة الفلسطينية عن المشروع السياسي الذي يتبناه اليمين المتطرف؛ مشروع يريد سلطة فلسطينية ضعيفة، بلا مقومات اقتصادية مستقلة، وبلا قدرة فعلية على التأثير في مستقبل الأرض الفلسطينية، فيما يرفض في الوقت نفسه أي مسار سياسي جاد يفضي إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد الحقوق الوطنية الفلسطينية.

إن استهداف السلطة الفلسطينية سياسيا واقتصاديا، أو الدفع نحو انهيارها، لا يعني بالضرورة تحقيق الأمن للإسرائيليين، بل قد يفتح الباب أمام فراغ سياسي وأمني أوسع، ويفاقم الأزمات المعيشية، ويضعف فرص أي معالجة سياسية للصراع. ومع ذلك، فإن بعض القوى الإسرائيلية المتطرفة تتعامل مع إنهاء السلطة باعتباره هدفا سياسيا، لا مجرد نتيجة محتملة لتصعيد أمني.

أما فلسطينيا، فالمطلوب قراءة المشهد بعيدا عن الانفعال، ومن دون الوقوع في فخ الاتهامات غير المدعومة بالأدلة.

المطلوب هو إدراك أن كل تصعيد قد يتحول إلى ورقة في الصراع السياسي الإسرائيلي، وأن الخاسر الأكبر من توظيف الدم في المزايدات الانتخابية هو شعبنا الذي يواجه الاحتلال والحرب والاستيطان والحصار والتهجير، فيما تتعامل أطراف إسرائيلية مع معاناته باعتبارها مادة لتنافسها الداخلي.

كما أن المرحلة تفرض موقفا فلسطينيا مسؤولا يحمي المصالح الوطنية، ويرفض استهداف المدنيين، ويواجه في الوقت ذاته محاولات تحويل أي عملية إلى تفويض مفتوح للعقاب الجماعي أو تدمير المؤسسات الفلسطينية أو مصادرة الحقوق الوطنية.
إن السؤال عن توقيت العملية ليس تفصيلا عابرا، ولا يجوز إسقاطه من الحسابات السياسية. لكنه لا يصبح حجة مكتملة إلا بقدر ما يستند إلى الوقائع والأدلة والتحليل المسؤول.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على المشهد كله: من يخدمه هذا التوقيت، ومن يدفع ثمنه؟

قد لا تتوافر اليوم إجابة حاسمة عن جميع الملابسات، لكن المؤكد أن المستفيد من تصاعد خطاب التطرف هو كل من يريد إعادة إنتاج الصراع بلا أفق سياسي، وتكريس معادلة القوة بديلا عن الحقوق، وتحويل الانتخابات الإسرائيلية إلى مناسبة جديدة للمزايدة على حساب الفلسطينيين.

فهل نحن أمام تكرار لسيناريو سياسي يعيد فيه اليمين الإسرائيلي ترتيب أوراقه على وقع الأحداث الأمنية، أم أن ما يجري مجرد تزامن بين مسارين مختلفين؟

السؤال مفتوح، لكن الإجابة لا يجوز أن تكون رهينة الدعاية الانتخابية الإسرائيلية، ولا أن تُدفن تحت ضجيج التصريحات. فحين يصبح توقيت الدم جزءا من الحسابات السياسية، يصبح من حق الفلسطينيين أن يسألوا، ومن واجب الجميع أن يبحثوا عن الحقيقة.

شاهد أيضاً

ياسر عباس يشارك في اجتماع هيئة رئاسة الاشتراكية الدولية برئاسة بيدرو سانشيز

ياسر عباس يشارك في اجتماع هيئة رئاسة الاشتراكية الدولية برئاسة بيدرو سانشيز

شفا – شارك نائب رئيس الاشتراكية الدولية، عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» والمفوض العام للعلاقات …