2:40 مساءً / 23 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

مرافئ الشجن والوجد: حوارٌ معمق مع الشاعر معمر السفياني حول اغتراب الذاكرة وجغرافيا الروح اليمنية

مرافئ الشجن والوجد: حوارٌ معمق مع الشاعر معمر السفياني حول اغتراب الذاكرة وجغرافيا الروح اليمنية

شفا – مرافئ الشجن والوجد: حوارٌ معمق مع الشاعر معمر السفياني حول اغتراب الذاكرة وجغرافيا الروح اليمنية


حوار: عطا درغام


من وعثاء الغربة ومنعطفات الفقد القاسية، تنبثق قصيدة الشاعر اليمني معمر السفياني كصلواتٍ خاشعة في محراب الكلمة، تلتمس الطمأنينة الروحية وتبحث عن ملامح الإنسان في تفاصيل الجغرافيا ومحطات الاغتراب. هو صوتٌ شعري لم تشغله الومضة الصوفية الوجدانية الخالصة عن الغوص في بحار الواقع والاشتباك مع ندوب المجتمع والوطن، بل طوّع لغته لتصير مرآةً لوعي جمعي مثقل بالخسارات والتطلعات.
في هذا الحوار الاستثنائي الموزع على خمسة محاور، نقتفي أثر خُطى السفياني الإبداعية؛ لنبحر في عوالمه الوجدانية الممتدة من “رسالته إلى الله” و”صلاة الفاقد”، ونقف عند تجربته الفنية المميزة في “يمننة” قوالب الهايكو والهايبون عبر “هايكو الظل”، متأملين ملامح الواقع الثقافي والاجتماعي المعاصر لليمن وسؤال الهوية والعزلة. نقترب من ينابيع تكوينه وفلسفته ليحدثنا عما تخبئه طقوس ولادة النص، وعما تبقّى في جعبته ولم تقله القصيدة بعد.
المحور الأول: عوالم القصيدة والموضوعات الكبرى

  1. تبدأ قصيدتك (رسالتي إلى الله) بنبرة وجدانية عالية؛ ما السعي الروحي الذي كنت تنشده خلف هذا النص؟
    السعي كان نحو “مكاشفة” وليس “طلب”. في (رسالتي إلى الله) لم أكن أبحث عن إجابة بقدر ما كنت أبحث عن حضرة. أردت أن أضع الإنسان العاري أمام ذاته أولاً، ثم أمام الله. النبرة العالية ليست صراخاً، بل هي محاولة لرفع اللغة من مستوى الشكوى إلى مستوى الاعتراف.
  2. كيف توازن في قصيدة (بقعة لله) بين البعد الإيماني الصوفي والوجع الإنساني اليومي؟
    التوازن يأتي من فكرة “التجلي في التفاصيل”. الصوفي عندي ليس هروباً من الأرض، بل هو أن ترى الإله في كسرة الخبز وفي طابور النزوح. جعلت الوجع اليومي هو المحراب: وجه الأم، رائحة البارود… هذه كلها “بقع” يمكن للقداسة أن تسكنها. فلا فصل بين السماء والشارع، لأن الإيمان الحقي هو أن تظل إنساناً في زمن قد تغرب الناس به.
  3. حضرت “المرأة” كرمز للخصوبة والملجأ في نص (في بحر أنثى)؛ كيف تصيغ مفهوم الأنوثة في مشروعك الشعري؟
    الأنوثة عندي ليست جسداً فقط، هي جغرافيا. هي الوطن الذي لم نخسره بعد. في (في بحر أنثى) المرأة هي البحر واليابسة معاً: تعطي الحياة وتحتوي الغرق. هي الذاكرة الأولى للخصوبة، للغة، للأمان. لذلك أتعامل معها كرمز للبدء المتجدد. في مشروعي الشعري، الأنثى هي الضد الموضوعي للحرب: حيث الحرب تشظي، هي تجمع. وحيث الحرب تيبس، هي تُنبت.
  4. في قصيدة (صلاة فاقد)، هل الفقد هنا تجربة شخصية ذاتية أم انعكاس لوعي جمعي بالخسارة؟
    الاثنان معاً. بدأت من فقد شخصي جداً، لكنني اكتشفت وأنا أكتب أن صلاتي تشبه صلاة آلاف. في بلادنا، الفقد لم يعد حالة استثنائية، صار طقساً يومياً. فـ (صلاة فاقد) هي محاولة لتحويل الحزن الفردي إلى طقس جمعي. عندما أقول “اللهم” في القصيدة، لا أتكلم باسمي فقط، بل باسم كل من رفع يديه ولم يعد لديه ما يخسره سوى الدمعة.
  5. ما الخيط الرابط الذي يجمع بين نصوصك الوجدانية الخالصة وقصائدك ذات البعد الاجتماعي والوطني؟
    الخيط هو “الإنسانية البحتة”. لا أكتب وجداناً معزولاً في برج عاجي، ولا أكتب وطناً بلا قلب. حتى في أكثر قصائدي شخصية، هناك شارع يمر. وحتى في أكثر قصائدي وطنية، هناك صدر يتنفس. عندي القصيدة الوجدانية هي خلية الوطن الأولى، والقصيدة الوطنية هي امتداد لوجع ذلك القلب. لا فصام بينهما.

المحور الثاني: التقنيات الفنية وتجربة الهايكو

  1. انتقلت بين الشعر العمودي وقصيدة النثر، ما الذي تمنحه لك النثرية ولا تجده في قالب الخليل؟
    الخليل يمنحني الموسيقى والانضباط، والنثر يمنحني النَفَس. في العمودي أكون نحاتاً أشتغل على الحجر. في النثر أكون سارداً أركض في الصحراء. النثرية تسمح لي باقتناص اللحظة العابرة، الجملة التي تُقال مرة واحدة ثم تهرب. تمنحني حرية كسر الإيقاع لصالح المعنى، ومساحة لاستيعاب اليومي والتفاصيل التي لا تستقيم على تفعيلة.
  2. خضت تجربة مميزة في (هايكو الظل)؛ ما الذي جذبك لـ “الهايكو” الياباني كقالب شديد التكثيف؟
    جذبني عنفه الناعم. لأني أجدني من أصحاب الصمت المكثف الذي يقطع أنفاسه بيده، لينفجر بالدهشة.
  3. كيف استطعت “يمننة” الهايكو والهايبون ليصبحا معبرين عن بيئة ووجدان الشاعر العربي؟
    في الهايكو الياباني نتكئ على الطبيعة والفصول. “زهر الكرز” استبدلتها بـ “شجرة البن”، وغيرها من الصور التي تحتويها اليمن بطبيعتها الجميلة. أما في الهايبون، فجعلت السرد يحمل لهجة اليومي اليمني، وصور الغربة والنزوح والحصار. “اليمننة” لم تكن تجميلاً، بل كانت ضرورة. أي قالب عالمي يجب أن يشرب من ماء بئرك حتى يصبح لك.أستخدم البياض في الصفحة كحدود لبلاد مفقودة. أنادي الأطلال أن تأتي لتكون شاهدة على حضارة أقلامنا التي مرت من هنا.
  4. يرى النقاد في نصك (نبي الشعر) حمولة رمزية عالية؛ من هو نبي الشعر في نظرك؟
    نبي الشعر ليس شخصاً. هو اللحظة التي ينطق فيها الصمت. هو ذلك الصوت الداخلي الذي يأمرك أن تكتب رغم الخوف، رغم المقصلة، رغم أن لا أحد سيقرأ. هو الذي يحمل رسالة ولا يضمن وصولها. في نظري، نبي الشعر هو كل شاعر اختار أن يكون شاهداً في زمن الشهود فيه جريمة.

المحور الثالث: الهوية، الاغتراب، والواقع الاجتماعي

  1. كتبت عن (العيد في عيون) محملاً بملامح المغتربين؛ كيف صهرت تجربة الغربة داخل نصوصك؟
    الغربة في نصي بمثابة “الحضور المنسي”، الذي يعني نزوح الصمت من حرف إلى حرف داخل وطن اسمه الكلمة. و”العيد في عيون” رمز لكل ما تبقى لنا من فرح معلق.
  2. كيف يحضر “اليمن” بجغرافيته وإرثه وتفاصيله اليومية القاسية في ثنايا مجموعاتك الشعرية؟
    اليمن حاضر في تراب ظني، وفي جغرافيا أوراقي التي تطل برائحة البن على العالم من مدرجات القصائد.
  3. هل ترى أن الشاعر الحديث تقع على عاتقه مسؤولية توثيق الندوب الاجتماعية، أم أن الفن يتجاوز ذلك؟
    نعم.
    مسؤولية الشاعر هي ألا يكون بمثابة “الحضور المنسي” في أوراق الأحداث وأزقة الأزمنة. لا بد أن يكون شاهداً، حتى على ظله لو اختبأ على الجدران.
  4. كيف انعكست التحولات الراهنة في المنطقة العربية على قاموسك اللغوي وصورك الشعرية؟
    دخلت إلى قاموسي كلمات جديدة: حظر، نزوح، حصار، مسيرة، انقطاع. وصوري صارت أكثر خشونة وأقل زخرفة. لم يعد هناك وقت للاستعارة المترفة. الصورة الآن يجب أن تصل بسرعة الرصاصة. لكن في المقابل، صار الحنين أكثر شراسة. كلما قسا الواقع، صارت اللغة تبحث عن نافذة ضوء، عن مفردة قديمة من التراث تعيد لنا التوازن.
  5. هل تبحث في نصوصك عن ملاذ آمن للهروب من الواقع، أم أنها أداة للمواجهة والاشتباك معه؟
    أجيب على هذا السؤال في آخر نص لي، بعنوان:
    شاعر في بلاط القصيدة
    أيها الزمان، إني قادمٌ إليك..
    و الحرفُ سيفٌ
    فوق عنقك..
    أكتبُ حتى لا أتشرد
    على أرصفة الكتب!
    الكلمةُ مأواي..
    شاعرٌ في بلاط القصيدة..!
    وهذه هي ملاذي في الهروب

شاهد أيضاً

قراءة في قصيدة" ذكريات" للشاعر هيثم الريماوي ، بقلم الكاتب: نصير أحمد الريماوي

قراءة في قصيدة” ذكريات” للشاعر هيثم الريماوي ، بقلم الكاتب: نصير أحمد الريماوي

قراءة في قصيدة” ذكريات” للشاعر هيثم الريماوي تتمحور القصيدة حول فكرة “الذكريات” لكن ليس بمعناها …