10:03 مساءً / 23 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

التحولات الهيكلية للمناصرة الدولية للقضية الفلسطينية ، بقلم : نسمة مختار

التحولات الهيكلية للمناصرة الدولية للقضية الفلسطينية ، بقلم : نسمة مختار

تدخل المناصرة الدولية للقضية الفلسطينية حقبة جديدة تُعيد رَسم خرائط التأثير ومعادلاته السياسية؛ إذ لم يعد التضامن حبيس الأروقة الدبلوماسية التقليدية أو الصيغ البروتوكولية الجافة، بل انصهر في شبكة معقدة من الحراكات الشعبية، والمنظومات الأكاديمية، والرافعات الحقوقية العابرة للقارات. وإنَّ قراءة هذا المشهد بعيون راصدة تفرض تفكيكاً عميقاً لمكامن القوة المستحدثة التي يتكئ عليها هذا الوعي الإنساني المتنامي، بالتوازي مع تشخيص التحديات البنيوية التي تقف حائلاً دون ترجمة هذا الزخم الشعبي إلى قرارات سياسية نافذة ومستدامه.

لقد ارتكزت الموجة المعاصرة للمناصرة على تحول استراتيجي في جوهر الخطاب، حيث تراجعت السرديات العاطفية المحضة لتحل محلها الأدوات الصارمة لـ القانون الدولي الإنساني وتشريعات حقوق الإنسان. وغدا الاستشهاد بالتقارير الحقوقية الموثقة، والاعتصام بمقررات المحاكم الدولية كـ محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، بمثابة لغة عالمية مشتركة تمنح الحق الفلسطيني حصانة فكرية وتقطع الطريق أمام محاولات تمييع الحقائق أو تسييسها. هذا النضج القانوني واكبه انزياح فكري استثنائي داخل المؤسسات الأكاديمية النخبوية الغربية؛ حيث تبنى الجيل الشاب مقاربات نقدية متطورة تربط العدالة في فلسطين بملفات العدالة الاجتماعية والتقاطعات النضالية العالمية، مكرسةً القضية الفلسطينية كمعيار أخلاقي قاطع للضمير الإنساني الحديث.

ومع ذلك، يصطدم هذا الاتساع بـجدار صلب من الواقعية السياسية ؛ إذ لا تزال هناك فجوة هيكلية عميقة بين الصحوة الأخلاقية للرأي العام العالمي وبين الحسابات البراغماتية الصارمة للدول الكبرى التي ترسم سياساتها الخارجية بناءً على المصالح الجيوسياسية والعسكرية المحضة. علاوة على ذلك، تواجه حركات التضامن تحديات بنيوية داخلية تتمثل في “موسمية الاحتجاج” والاتكال على الانفعال الرقمي اللحظي المرتبط بحدّة الأحداث الميدانية، دون وجود أطر مؤسسية تضمن النفس الطويل. يقابل ذلك كله استراتيجيات مضادة ممنهجة توظف خوارزميات التضييق الرقمي وتشريعات تجريم المقاطعة لمحاصرة هذا الصعود العابر للحدود.

إن العبور بالمناصرة الدولية من ضفة “التضامن الأخلاقي العاطفي” إلى فضاء “التأثير السياسي النافذ” يتطلب استراتيجية عمل مرنة تتجاوز ردود الفعل اللحظية. ويكمن المحور الأساسي لهذا التحول في مأسسة الحراك وعقلنته، عبر تشييد مجموعات ضغط ومؤسسات فكرية قادرة على مخاطبة المشرّعين بلغة المصالح والأنظمة المحلية لكل دولة، وتفعيل أدوات الضغط الاقتصادي والاستثماري الذكي كآليات لرفع كلفة الانتهاكات، مع الالتزام الحرفي بلغة القانون الدولي لتجريد حملات الشيطنة الإعلامية من أسلحتها.

المناصرة الدولية للقضية الفلسطينية اليوم ليست ترفاً تضامنياً أو ظاهرة عابرة، بل هي جبهة اشتباك معرفي وحقوقي متكاملة تملك القدرة على إعادة صياغة الوعي العالمي. غير أن الرهان على ديمومتها يظل معلقاً بقدرة نخبها وجماهيرها على تحويل العفوية إلى استراتيجية، والزخم العاطفي إلى عمل مؤسسي مستدام، لبناء بيئة دولية تجعل من العدالة السياسية مساراً إلزامياً لا خياراً قابلاً للتأجيل.

  • – الكاتبة نسمة مختار – كاتبة وصحفية فلسطينية

شاهد أيضاً

استطلاع: 9 مقاعد للمشتركة و54 للمعارضة الصهيونية مقابل 48 للائتلاف

استطلاع: 9 مقاعد للمشتركة و54 للمعارضة الصهيونية مقابل 48 للائتلاف

شفا – أشار استطلاع اليوم، الجمعة، إلى أن 81% من الناخبين سيتوجهون إلى صناديق الاقتراع، …