4:08 مساءً / 17 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

قراءة نقدية في ديوان “سطور من دفتر الأيام” للشاعر عدنان الريماوي ، بقلم الكاتب: نصير احمد الريماوي

قراءة نقدية في ديوان "سطور من دفتر الأيام" للشاعر عدنان الريماوي ، بقلم الكاتب: نصير احمد الريماوي

قراءة نقدية في

ديوان”سطورمن دفتر الأيام” للشاعر عدنان الريماوي

قصائده جمعت بين أصالة الأسلوب القديم، وبين صدق العاطفة الثورية الحديثة – وتفيض بروح القومية والاعتزاز بالهوية الإسلامية والعربية لفلسطين،

بقلم الكاتب: نصير احمد الريماوي

لقد شدّتني قصائد ديوان”سطور من دفتر الأيام” للشاعر” عدنان عبد الله عثمان الريماوي”، وبخاصة قصيدة بعنوان “أشواق الغريب”، الأمر الذي دفعني لإضاءتها، واستخراج جواهرها ودُررها، ولتعريف القرّاء بشاعرنا المبدع، وبديوانه الأول، الصادر عن “دار البيروني للنشر والتوزيع” بعمان في عام 2016م، والذي يتكون من (123) صفحة تضم في طياتها (28 ) قصيدة من شعر التفعيلة “الشعر الحر”، والشعر العمودي.
بعد جهد جهيد، حصلت على نسخة منه بواسطة “م. نورس الريماوي” مشكورا، نجل شاعرنا الذي نحن بصدده، كما أتمنى لشاعرنا الصحة والعافية، ومزيدا من العطاء الأدبي الرَّاقي.
“عدنان الريماوي”، هو شاعر وكاتب قصصي، من مواليد عام 1942م في بلدة “بيت ريما”، بعد انتهاء الثانوية العامة عام1958، توجه للعمل في وزارة الصحة بالكويت حتى عام 1968، أثناء عمله هناك، بدأ مسيرته الأدبية بكتابة ونظم الشعر في سن مبكرة.
بعد ذلك، حصل على شهادة البكالوريوس إنجليزي من جامعة دمشق عام1972م بتفوُّق وحصوله على المرتبة الأولى، ثم ذهب إلى ” ليبيا” وعمل مدرسا للغة الإنجليزية، مضافا إلى ذلك، كان يعطي دروسا عبر شاشة التلفاز الليبي الرسمي حتى عام 1980، ومن هناك إلى المملكة العربية السعودية، وعمل في شركة “أرامكو”من عام 1981 حتى 2002م كمترجم للجنسيات الأجنبية، كما حصل على درجة الماجستير في الأدب الإنجليزي من جامعة فيلادلفيا بالأردن بدرجة ممتاز عام2008م.
بعد تقاعده من العمل في شركة أرامكو بالسعودية، عمل محاضرا في الجامعة الأردنية. وما زال يعيش في الغربة لغاية الآن، بعيدا عن الوطن.
كان لعيشه في الغربة، بعيدا عن الوطن، الأثر الكبير على حياته، فصارت الغربة دافعا له لقَرض الشِّعر، ولكتابة القصص القصيرة، فصدرت له مجموعة قصصيىة بعنوان” الرحيل نحو الشمس” عن دار البيروني أيضا في عام 2019م.
ومما يستحق الذكر، أنه أهدى الديوان إلى اصدقائه، وعائلته الكريمة، التي عملت على تجميع قصائده التي مرَّ نصف قرن على نشرها في صحف عربية عديدة ما بين الأعوام 1960م 2016م، ولم يكن تجميعها بالأمر السهل، لولا تشجيع كل أفراد عائلته، ومساعدتهم لإظهار هذه التحفة الشعريَّة إلى النور.
من خلال قراءتي لقصائد الدِّيوان، وجدت أن جمالية النص تكمن في قدرته على تحويل الذكريات العادية جداً إلى قيمة شعورية عليا، فصارت، التوتة، والجارة، والملابس أدوات لمقاومة الغربة، واستحضار الهوية والمكان الأول. يقول الشاعر في قصيدته “أشواق الغريب” (ص37):
لكل شبر فيك
للتوتة العتيقة
تمد ظلها الرقيق في فنائك
للصبية الصغار يمرحون ضاحكين
لوقع خطو جارة وراء بابنا
تقص ما رأته أمس في المدينة
وما اشترته من أساور فضية ثمينة
ومن ملابس بديعة النقوش والتزيين
يا بيتنا إليك شوقي الكبير
فكل شبر فيك ذكريات
مدارج الطفولة الغريرة
والجلسة النشوى على حصيرة
نلتم فوقها الصغير والصغيرة

أرى هنا، أن النص الشعري المرفق، يقوم على جماليات تعبيرية وشعورية تنتمي إلى مدرسة شعر التفعيلية، حيث يمتزج الحنين بالواقعية السحرية لتفاصيل الحياة اليومية.
أثناء تحليلي لجماليات النص الشعري استطيع تقسيمها إلى أربعة محاور رئيسية:
أولا. جمالية العاطفة “الحنين والاغتراب”، ونلاحظ المفارقة الشعورية حيث يبدأ النص بكلمة “أشواق الغريب”، وهي عتبة نصية تؤسس لحالة الفقد. ويعقد النص موازنة خفية بين مرارة الغربة الحالية وعذوبة الذكريات الماضية. لا يشتاق الشاعر للوطن كشعار مجرد، بل يشتاق لـ “كل شبر”. هذا التعميم يتبعه تخصيص حميمي يبرز شدة التعلق وشغف التفاصيل .
ثانيا. جمالية الصورة الحركية والبصرية “أنسنة المكان”.
إن اختيار الشاعر لشجرة التوت العتيقة، يحمل دلالة على الأصالة والجذور العتيقة، ووصْفُ ظلها بأنه “يمد ظلها الرقيق في فنائك” يعطي الشجرة صفة الكائن الحي الذي يحنو على البيت ويمد ذراعيه لحمايته (أنسنة).
وكذلك، صورة “الصبية الصغار يمرحون ضاحكين” منحت النص حيوية وديناميكية تكسر جمود الغربة، وتنقل صدى الصوت والبهجة إلى وجدان القارئ.
ثالثا. جمالية المشهدية القصصية (السينوغرافيا الشعرية).
 يتحول النص في جزئه الثاني إلى مشهد قصصي قصير “لوقع خطو جارة… تقص ما رأته”. هذا الانتقال من بوح الوجدان إلى رصد الحكاية اليومية يعزز واقعية النص. إضافة إلى ذلك، نلمس مدى البساطة الآسِرة في تفاصيل الجارة “الحكايات، الشراء، الأساور الفضية، الملابس” تنقل لنا مظاهر الحياة البسيطة والترابط الاجتماعي في الحارة أو القرية القديمة، حيث تصبح الأخبار البسيطة حدثاً ممتعاً.
رابعا. البنية اللغوية والإيقاعية، لقد استخدم الشاعر في قاموسه اللغوي، ألفاظاً رقيقة وسهلة (الرقيق، يمرحون، ضاحكين، بديعة) تبتعد عن التقعير اللغوي لتناسب براءة الذكرى وموضوع الطفولة والمنزل.
اعتمد النص الشعري، على نظام السطر الشعري، وتداعي الأفكار “المونولوج الداخلي”، حيث تتدفق الصور وراء بعضها، كشريط سينمائي يمر في مخيلة المغترب دون قيود القافية الموحدة، مما يعطي الإيقاع عفوية تشبه عفوية التذكر.
لقد تركت جمالية الوصف و التدقيق في الأوصاف، مثل، “أساور فضية ثمينة” و”ملابس بديعة النقوش والتزيين” أثراً بصرياً ملوناً ومبهجاً ينعكس كإضاءة دافئة في نهاية النص.
أما في الجزء الثاني من القصيدة نفسها:

يا بيتنا إليك شوقي الكبير
فكل شبر فيك ذكريات
مدارج الطفولة الغريرة
والجلسة النشوى على حصيرة
نلتم فوقها الصغير والصغيرة
نصغي لهمس أمنا
تحكي لنا عن غابر الأزمان
سوالف الفوارس الشجعان
وقصة الحسناء، نجم الصبح والعرسان الله!
كان العمر كالبستان
يقوم النص الشعري المرفق على دفقات وجدانية دافئة، يستحضر فيها شاعرنا “الريماوي” ذكريات الطفولة الآمنة في بيته القديم. يحمل النص جماليات فنية وشعورية تبرز من خلال عدة مستويات:
1- الجماليات العاطفية “المضمون والشعور”:
⦁ الحنين الجارف (النوستالجيا): حيث بدأ النص بـ “يا بيتنا إليك شوقي الكبير”، وهو استهلال مباشر يعكس ارتباطاً روحياً عميقاً بالمكان، حيث يتحول البيت من مجرد جدران إلى مخزن للذكريات “كل شبر فيك ذكريات”.
⦁ دفء العائلة وبساطتها: تجسد أبيات “والجلسة النشوى على حصيرة نلتم فوقها الصغير والصغيرة” جمال البساطة والترابط الأسري، حيث “الحصيرة” ترمز للزهد الممزوج بالسعادة والرضا.
⦁ الأمومة والتربية الروحية: يبرز دور الأم كمصدر للحنان والثقافة الفطرية “نصغي لهمس أمنا تحكي لنا”، مما يضفي أجواءً من السكينة والإنصات الشغوف
2- الصور البيانية:
⦁ التشخيص والمجاز: في قوله “مدارج الطفولة الغريرة”، وصف الطفولة بالغريرة (قليلة الخبرة،البريئة) يمنحها بعداً حياً ونقياً.
⦁ التشبيه البليغ المبدع، الختام بقوله “الله! كان العمر كالبستان” هو ذروة الصورة الجمالية في النص شبّه “العمر” في تلك الفترة بـ “البستان” المشحون بالخضرة، والجمال، والنماء، والتنوع، وهو تشبيه يختزل كل مشاعر البهجة والأمان.
3- من الجماليات اللغوية والأسلوبية التي استخدمها الشاعر، الأسلوب الندائي والإنشائي، حيث استخدم النداء “يا بيتنا” ليُعبِّر عن القرب والتحبب، والالتفات إلى صيغة التعجب والتلذذ في “الله!” يظهر شدة التأثر العاطفي ولذة التذكر.
كما لجأ في قصيدته إلى استخدام المعجم التراثي والقصصي مثل، كلمات “غابر الأزمان”، “سوالف الفوارس الشجعان”، و”قصة الحسناء” ينقل القارئ إلى عوالم الحكايا الشعبية القديمة التي تشكل وعي الأطفال وتغذي خيالهم.
⦁ الهمس والسكينة: اختيار كلمة “نصغي لهمس” يوحي بالهدوء التام والاندماج العاطفي للأطفال المستمعين .
4- الجماليات الإيقاعية (الموسيقى الداخلية والخارجية)، نجد مدى تنوع القوافي، حيث جعل النص يعتمد على نظام المقاطع المتنوعة في القافية (الكبير، الغريرة، حصيرة، الصغيرة) ثم الانتقال إلى (الأزمان،الشجعان، والعرسان)، هذا التنوع منح النص مرونة إيقاعية تشبه انسياب الذكريات وتدفقها دون قيود صارمة، مما يبعث على الراحة الموسيقية أثناء القراءة.
يحمل هذا النص الشعري دفقاً شعورياً صادقاً، ويعكس جماليات الحنين والارتباط بالجذور (الأهل والبيت والقرية) في مواجهة مرارة الغربة والضياع. تنبع جمالية النص من بساطة تعبيره وعمق دلالاته النفسية والمكانية.
ظل دفيئ عامر التحنان
يا بيتنا إليك شوقي جنون
لوالدي الحبيب
لقبلة على يديه مهجتي تذوب
لأمي الحنون
لغفوة في حضنها عمري فدى يهون
لإخوتي التي فرّقتهم الدروب
وباعدت ما بينهم
فأدمت العيون والقلوب
يا قريتي الصغيرة الخضراء
يجتاحني إليك ألف موج
الشوق والحنين والرجاء
الشوق للرفقة والأصدقاء
الطيبين الأوفياء
وللكروم والرعاة والحداء
وللجبال شامخات للعلاء وللدروب الضيقات
والشباب والبنات
اليوم يتلو اليوم
والعالم يطوي العام
وابنك المشتاق وحده بعيد
يحيا الضياع والوجوم والشرود
يحيا على انتظار أن يعود
في الأبيات آنفة الذكر من القصيدة، يمكن تفكيك جماليات هذا النص عبر المحاور التالية:

  1. البنية العاطفية (المحاور الثلاثة للحنين)، يتدرج النص في التعبير عن الشوق عبر دوائر تتسع شيئاً فشيئاً، الدائرة الأولى (البيت والوالدين)، يبدأ النص بأكثر الأماكن دفئاً “البيت”، وينتقل مباشرة إلى الوالدين. فالأب يمثل الأمان وقبلة يده تذوب معها المهجة، والأم تمثل الحنان والملاذ الآمل (الغفوة في حضنها) التي يهون لأجلها العمر. أما الدائرة الثانية فهي الإخوة، يلتفت النص إلى ألم واقعي، وهو تشتت الإخوة بـ “الدروب” وتباعدهم، مما يضفي مسحة حزن عميقة أدمت العيون والقلوب، والدائرة الثالثة هي القرية والوطن الصغير، وتتسع الرؤية لتشمل القرية “الخضراء”، بتفاصيلها الحيوية “الكروم، الرعاة، الحداء، الجبال، الدروب الضيقة، الرفاق”.
  2. الصور الفنية والتشبيهات البلاغية،
    لم يفت الشاعر إغناء نصه، بمجموعة من الصور التعبيرية الحية، عندما كتب” ألف موج الشوق” حيث شبّه الشوق بحر متلاطم الأمواج يجتاح الكيان، وهي صورة تدل على قوة الحنين وعنفوانه وعجز المغترب عن مقاومته، و”العالم يطوي العام” صورة مجازية تجعل من الزمن كتاباً أو ثوباً يُطوى سراعاً، تعبيراً عن مرور العمر في الغربة دون فائدة، و”فرّقتهم الدروب “، باعدت ما بينهم، لقد شخَّص الدروب (الطرق) وكأنها كائن حي يملك سلطة التفريق والابعاد.
  3. الثنائيات الضدية (المفارقة)، يقوم النص على مفارقة شعورية ومكانية حادة بين زمنين وحالتين: الماضي،القرية: يتسم بالخضار، الدفء، الحنان، الرفقة، والشموخ (الجبال شامخات). والحاضر، الغربة: يتسم بالضياع، الوجوم، الشرود، والوحدة (وحده بعيد).
  4. الموسيقى الشعرية والإيقاع، إن اعتماد النص على شعر التفعيلة الشعر الحر، منح الشاعر حرية التنقل بين الأحاسيس دون قيود الوزن الخليلي الصارم. و كذلك الاعتماد على القوافي الساكنة الممتدة “التحنان، الحنين، الطِيبين…”، وحروف المد “الواو والياء والألف”، مثل: “جنون، تذوب، يهون، الدروب، العيون، القلوب”، وهذا المد الصوتي ينسجم تماماً مع نبرة “الآه” والزفير الذي يخرج من صدر المغترب المشتاق.
    تنتهي القصيدة بنبرة تنوس بين اليأس والأمل؛ فرغم “الضياع والوجوم”، يظل المحرك الأساسي لاستمرار حياة هذا المغترب هو “انتظار أن يعود”. إن ختم القصيدة بكلمة “يعود” يفتح أفقاً مستقبلياً يكسر رتابة الوجوم والشرود، ويجعل للأمل كلمته الأخيرة.
    أشعاره نموذجاً لشعر المقاومة

أما في قصيدته العمودية بعنوان” فلسطين” (ص63)، فتفيض هذه القصيدة بروح القومية والاعتزاز بالهوية الإسلامية والعربية لفلسطين، وتعد نموذجاً لشعر المقاومة والتمسك بالأرض والمقدسات.
لقد اخترت لكم جزءا منها، إقرؤوا ماذا يقول الشاعر فيها:
صخرة المصطفى وأرض البراق
لك منِّي عهد على الدهر باق
أن نصون الأقصى الشريف ونفدي
حرم الطهر بالدم المهراق
ونضم الأقصى إلى الصدر نحميه
بجفن العيون والأحداق
فابشري بالنهار من بعد ليل
وامسحي الدمع عن جميل المآقي
يا ديار السلام مهما تناءت
شقة البعد في دروب الفراق
ستعود الجموع من كل فج
هادرات بموجها الدفاق
يغسل الرجس عن ثراك شباب
كالأبابيل هائج الاصطفاق
يا فلسطين رغم كيد الأعادي
رغم غور الجراح في الأعماق
سوف يحميك ألف ألف شهيد
يفتدون الديار بالأعناق
يعشقون الممات من أجل عينيك
فانعم بأشرف العشاق
وإذا ما ادلهم ليل الليالي
وتمادى الظلام في الآفاق
عهدنا عهد صادقين أباة
يتبارون للردى باشتياق
يتنادون كالرعود تدوي
ساحقات كالمارد العملاق
كي تظلي فوق الشموس منارا
للرسالات باهر الاشراق
ولتبقى الله أكبر في الأجواء
تعلو كالبيرق الخفاق

من وجهة نظري، تمتاز هذه القصيدة بالجزلة، حيث نظمها الشاعر ملتزما بخصائص الشعر العمودي التقليدية “بالأسلوب القديم” البلاغي الذي يعتمد نظام الشطرتين، مع الالتزام بالوزن والقافية الموحدة مع جزالة اللفظ.
أقدم لكم إضاءة شاملة لجماليات ، وأسلوب الشاعر، وبنائها الفني:
تدور القصيدة حول قدسية فلسطين وعروبتها، والعهد التاريخي والديني بحمايتها وتحريرها مهما طال ليل الاحتلال أو عظمت التضحيات، و تتمازج في القصيدة عاطفة الفخر والاعتزاز بالمقدسات والشباب المقاوم مع عاطفة الأمل والتفاؤل بالفجر والتحرير، وتجلّت فيها روح التضحية والفداء.

من حيث جماليات الصورة الشعرية والأسلوب البلاغي، استخدم الشاعر صوراً شعرية بيانية مستمدة من الموروث: الديني، والتاريخي، والطبيعي لتعميق المعنى في قوله  “صخرة المصطفى وأرض البراق” ربط مباشر بين فلسطين والمعراج النبوي، مما يضفي صبغة قدسية لا تقبل التنازل. كما استدعى صورة “كالأبابيل” المستوحاة من القرآن الكريم ليدل على القوة الإلهية والهلاك الحتمي للمعتدين على يد الشباب المقاوم.
إن توظيف شاعرنا للتشابيه و الاستعارة المكنية هو جوهر الإبداع، وعَمِد إلى استخدامها من أجل المساعدة على تحويل المشاعر والأفكار الغامضة إلى أشياء مادية، يمكن للقارئ رؤيتها ولمسها، وتقريب المعاني البعيدة عن طريق ربطها بأشياء مألوفة من الطبيعة والحياة اليومية، وتحويل الصور البلاغية في القصيدة من مجرد كلمات تقريرية إلى تجربة إنسانية بصرية وعاطفية عميقة.
 ففي قوله “فابشري بالنهار من بعد ليل” و”وامسحي الدمع”، شخّص فلسطين في صورة امرأة حزينة يواسيها ويبشرها بانتهاء الظلم (الليل) وبزوغ الحرية (النهار). ونلاحظ هنا في التشبيه المرسل المجمل: “يتنادون كالرعود” و”ساحقات كالمارد”، لبيان شدة صوت الحق وقوة المقاومين وبأسهم في وجه الأعداء. وفي التشبيه البليغ: “تعلو كالبيرق الخفاق” لبيان علو راية التوحيد (الله أكبر).
أما فيما يتعلق بأسلوب الشاعر والخصائص اللفظية، فقد تميز أسلوب الشاعر بالجزالة والقوة، والتنويع بين الإنشاء والخبر، حيث ظهر الأسلوب الإنشائي في النداء المحمل بالحب والتعظيم “يا فلسطين”، “يا ديار السلام”، وفي الأمر الذي يحمل معنى البشارة والطلب “فابشري”، “وامسحي”، والأسلوب الخبري ظهر في استخدمه لتقرير الحقائق وتأكيد العهد “عهدنا عهد صادقين”، “ستعود الجموع”، مما يمنح النص صبغة اليقين الحتمي بالتحرير. والتكرار الصوتي والمعنوي المؤكد مثل، تكرار لفظ “رغم” “رغم كيد الأعادي، رغم غور الجراح” لتأكيد الإصرار والتحدي أمام الصعاب. وتكرار “ألف ألف شهيد” للمبالغة الرقمية التي تعكس عظمة التضحية وسخاء العطاء من أجل الأرض.
امتاز أسلوبه أيضا، بالقاموس اللغوي الحماسي مستندا  إلى مفردات قوية ذات جرس حاد يناسب جو الحماسة والفداء، مثل: “المهراق، هادرات، الدفاق، الرجس، الردى، تدوي”.
كتب الشاعر هذه القصيدة على نظام الشعر العمودي، والتزم فيها بـقافية القاف المطلقة المسبوقة بالألف “الأشواق، البراق، الأعناق، الآفاق”. وقد جاء اختياره لهذه القافية، نابع من إدراكه بالأثر الموسيقي للقافية، لأنه حرف شديد ومَجهور، وكرويٍّ للقصيدة، يعطي صدىً صوتياً يشبه “القرع” أو “التدوي”، وهو ما يتناسب تماماً مع أجواء المعركة، والزحف، والوعيد للاحتلال.
هذه القصيدة، تُعد وثيقة عهد وفداء بامتياز، نجح الشاعر من خلالها في تحويل المشاعر الوطنية والدينية إلى لوحة شعرية حماسية متحركة، جمعت بين أصالة الأسلوب القديم (الجزالة والقافية الموحدة) وبين صدق العاطفة الثورية الحديثة، لتظل فلسطين فيها هي المنارة الباهرة للرسالات مهما ادلهمّ ليل الظالمين.

شاهد أيضاً

وفد من محافظة أريحا والأغوار يشارك في دورة تدريبية حول صيانة المركبات الكهربائية في الصين

وفد من محافظة أريحا والأغوار يشارك في دورة تدريبية حول صيانة المركبات الكهربائية في الصين

شفا – يشارك وفد من محافظة أريحا والأغوار، في دورة تدريبية بعنوان “صيانة المركبات الكهربائية …