10:53 صباحًا / 20 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

حين يرفع المواطن جنسيته فوق الحصار ، بقلم : مريم شومان

حين يرفع المواطن جنسيته فوق الحصار ، بقلم : مريم شومان


لم يكن العلم الأميركي فوق منزل لؤي أبو ريدة في قرية قصرة جنوب نابلس مجرد قطعة قماش ترفرف فوق سطح بيت محاصر، لأنه في لحظة تحول العلم إلى رسالة، وربما سؤال أكبر “مَن صاحبه”.


أبو ريدة مواطن فلسطيني يحمل الجنسية الأميركية، عاد من الولايات المتحدة إلى بلدته، ترك زوجته وبناته وعمله ومنزله الكبير هناك، في محاولة لحماية منزله في مواجهة البؤرة الاستيطانية المحيطة به، ثم رفع العلم الأميركي في مشهد كان كافيا لإشعال نقاش واسع على وسائل التواصل الاجتماعي.


فلسطيني يرفع علم دولة أخرى فوق منزله في أرضه، البعض رأى في هذه الخطوة تصرفا ذكيا، والبعض رآها مساسا بالهوية الوطنية، وبين الرأيين ظهرت أسئلة أعمق تتعلق بالهوية والحماية والسيادة وحدود استخدام الجنسية في الدفاع عن الحقوق.
أما أبو ريدة فلا يرى في الأمر تناقضا، يقول بوضوح إن رفع العلم الأميركي لا ينتقص من فلسطينيته، وأن الأرض أرضه والبيت بيته، لكنه يريد أن يقول للدولة التي يحمل جنسيتها: أنا موطن أميركي محاصر، وهنا تبدأ القصة الحقيقية.


لم يرفع أبو ريدة العلم الأميركي احتفالا بالولايات المتحدة، ولم يقدمه بديلا عن العلم الفلسطيني، رفعه كوسيلة ضغط، هو يريد نقل قضية منزله من حدود القرية إلى مساحة سياسية أوسع، يريد أن تصبح القضية قضية مواطن أميركي يطلب من حكومته أن تحميه ما يجعل هذه الخطوة أكبر من مجرد اختيار رمز وطني.
إنها محاولة لاستخدام الجنسية كأداة سياسية وقانونية ودبلوماسية، والرسالة هنا ليست موجهة للفلسطينيين فقط، بل موجهة أساسا إلى واشنطن؛ إذا كانت الجنسية الأميركية تمنحني الحقوق، فأين حقوقي عندما أكون محاصرا؟ وهذا هو جوهر خطوته.
ففي السياسة الرموز لا تعمل دائما بالطريقة التي يقصدها أصحابها، العلم الأميركي فوق منزل فلسطيني يمكن أن يُقرأ فلسطينيا بوصفه تنازلا عن رمز وطني، لكنه يمكن أن يُقرأ أميركيا بطريقة مختلفة تماما، وهذه هي المفارقة.


أبو ريدة لا يحاول أن يجعل البيت أميركيا، هو يحاول أن يجعل القضية مرئية داخل الولايات المتحدة، إنه يخاطب الدولة التي يحمل جنسيتها بلغتها السياسية، وبهذا المعنى يتحول العلم إلى أداة دبلوماسية شعبية فردية، وهو هنا لا ينتظر فقط أن تتحدث عنه المؤسسات الرسمية، بل يحاول أن يصنع قضية يستطيع نقلها بنفسه إلى الرأي العام الأميركي، وهذه نقطة تستحق التوقف.
فالقضايا السياسية لا تتحرك دائما عبر الحكومات، أحيانا يبدأ الضغط من فرد، ثم ينتقل إلى الإعلام ومنه إلى الرأي العام، ومنه إلى الكونغرس أو الإدارة، وأبو ريدة يحاول بناء هذا المسار.


وعلى المنصات الاجتماعية لم يحصل أبو ريدة على قراءة واحدة؛ هناك من دافع عنه ورأى هؤلاء أن الرجل يستخدم آخر ما يملكه من أدوات، جنسيته الأميركية ليست عيبا بل يمكن أن تكون وسيلة للدفاع عن منزله.


وبالنسبة لهذا الفريق فالقضية ليست أي علم رفع، بل ماذا يريد أن يحقق، وهو يريد إزالة البؤرة الاستيطانية وحماية منزله.
ومن هذا المنظور، تصبح الجنسية أداة ضغط، ويصبح العلم وسيلة للفت انتباه الحكومة الأميركية والرأي العام الأميركي.


لكن فريقا آخر رأى في الخطوة تجاوزا للخط الوطني، وبعض التعليقات ذهبت أبعد من ذلك؛ اتهمت الرجل باللاوطنية، وبعضها وصف ما فعله بأنه عمالة، وهناك من قرأ رفع العلم باعتباره تنصلا من فلسطينيته.


وهنا ربما كان النقاش أكثر قسوة من الحدث نفسه، لأن تحويل كل اختلاف في الوسيلة إلى اتهام بالخيانة يغلق باب النقاش قبل أن يبدأ.
أبو ريدة لم يقل إنه أميركي بدلا من أن يكون فلسطينيا، بل قال العكس؛ أنا فلسطيني، هذه أرضي، وهذا بيتي.


هناك بُعد آخر في القصة ربما لم يحظَ بالاهتمام الكافي؛ ما فعله أبو ريدة يمكن النظر إليه باعتباره نموذجا صغيرا للدبلوماسية الشعبية، ليس لأنه يمثل الدولة الفلسطينية، بل لأنه يحاول استخدام موقعه كمواطن للتأثير في دولة أخرى.
هذه الدبلوماسية لا تحتاج دائما إلى سفير أو مسؤول، يمكن أن تبدأ من مواطن يحمل قصة قابلة للوصول إلى الإعلام والرأي العام، وهنا تكمن فرصة أكبر من قضية منزل واحد.


إذا نجح أبو ريدة في تحويل قضيته إلى قضية رأي عام داخل الولايات المتحدة، فقد تصبح البؤرة المحيطة بمنزله جزءا من نقاش أوسع حول الاستيطان وحماية المواطنين الأميركيين في المناطق المهددة بالاستيطان.
لكن ذلك يحتاج إلى أكثر من علم، يحتاج إلى توثيق، وإلى إعلام، وإلى رواية واضحة، وإلى مخاطبة مؤسسات أميركية بلغة القانون والحقوق، وإلى تحويل القصة الشخصية إلى قضية عامة يمكن للصحفي وعضو الكونغرس والمنظمات الحقوقية والمواطن الأميركي فهمها.


هنا يصبح العلم بداية، وليس نهاية.
في النهاية، القضية في قصرة لا تتعلق بعلم أميركي فقط، بل تكشف تحولات أكبر في علاقة الفلسطيني بهويته وبالعالم.


فالفلسطيني لا يعيش فقط داخل حدود جغرافية، يعيش أيضا داخل شبكات قانونية وإعلامية ورقمية عابرة للحدود، قد يحمل جنسية أخرى، قد يتحدث لغة أخرى، قد يمتلك علاقات سياسية خارجية، وقد يستخدم هذه الأدوات للدفاع عن قضية مرتبطة بأرضه.
وهذا لا يلغي هويته بالضرورة، بل قد يمنحه أدوات جديدة للدفاع عنها.


لكن الخطر المقابل موجود أيضا؛ فإذا أصبح كل دفاع عن الحق الفلسطيني مشروطا بامتلاك جواز سفر أجنبي فنحن أمام مشكلة أكبر، لأن صاحب الحق لا ينبغي أن يحتاج إلى جنسية أميركية أو أوروبية كي يصبح المحاصر جديرا بالحماية.


هنا تتحول قصة أبو ريدة من حالة فردية إلى سؤال أوسع: لماذا يحتاج الفلسطيني إلى جواز أجنبي كي يسمع العالم صوته؟


قد يبقى الجدل حول العلم أياما أو أسابيع، لكن القضية الحقيقية أكبر، فمن حق أبو ريدة أن يبحث عن كل وسيلة قانونية وسياسية لحماية منزله، ومن حق الفلسطينيين أن يناقشوا رمزية هذه الوسيلة وأن يختلفوا معها.


لكن بين الأمرين مساحة واسعة لا تحتاج إلى تخوين، إذ يمكن رفض الوسيلة دون نزع الوطنية عن صاحبها، ويمكن الدفاع عن الوسيلة دون تحويلها إلى نموذج عام يتبعه الفلسطينيون.


الأهم أن تتحول هذه القصة إلى قضية واضحة، وإذا كان العلم قد نجح في شيء حتى الآن فهو أنه نقل المشهد من سطح منزل في قصرة إلى مساحة أوسع من النقاش.
وهنا تكمن المفارقة


العلم الذي أثار سؤالا حول الهوية قد يتحول إلى أداة للحديث عن الأرض، والجنسية التي رأى فيها البعض تناقضا مع الوطنية قد تصبح وسيلة لمساءلة دولة كبرى.
أما الحكم على الرجل، فيبقى أقل أهمية من السؤال الذي رفعه معه فوق سطح منزله وهو: هل تتحرك الدولة التي يحمل جنسيتها لحماية مُواطنها، أم يبقى العلم مجرد رمز فوق بيت محاصر؟

شاهد أيضاً

الاحتلال يقتحم مخيم بلاطة شرق نابلس

شفا – اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الخميس، مخيم بلاطة شرق نابلس. وأفادت مصادر محلية، …