
لن نقبل الإساءة والاستهداف ، بقلم : محمد علوش
القامات الوطنية لا تقاس بما يقال عنها في لحظة عابرة، ولا تختزل مسيرة المناضلين في حملة تشويه أو منشور تحريضي أو رواية ينسجها عابثون وحاقدون، فالتاريخ أكثر إنصافاً من حملات التشهير، والناس الذين عايشوا مسيرة المناضلين يعرفون جيداً الفرق بين من صنع حضوره بالنضال والعمل والمسؤولية، ومن يحاول صناعة حضوره بالإساءة إلى الآخرين.
ومن هذا المنطلق، فإن ما يتعرض له الرفيق الأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، د. أحمد مجدلاني، من حملات إساءة وتشويه واستهداف سياسي ومعنوي، لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد اختلاف في الرأي أو سجال سياسي عابر، بل بوصفه محاولة للنيل من شخصية وطنية كرّست عقوداً من حياتها للعمل السياسي والوطني والاجتماعي، وتحملت مسؤولياتها في مراحل بالغة التعقيد من تاريخ شعبنا، وظلت حاضرة في ميادين العمل الوطني، مدافعة عن حقوق شعبنا وثوابته ومشروعه الوطني.
لقد راكم د. مجدلاني، على امتداد مسيرته، تجربة سياسية وفكرية ووطنية ومجتمعية غنية، جعلته واحداً من الشخصيات الحاضرة في المشهد الفلسطيني، ليس فقط من موقعه الحزبي، وإنما أيضاً من خلال المواقع والمسؤوليات الوطنية والرسمية التي اضطلع بها، وما تركه فيها من إسهامات في خدمة المجتمع وتعزيز مؤسسات العمل الوطني، ومن الإنصاف، عند قراءة هذه التجربة، التوقف أمام مساهماته في بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية وتطوير العمل المؤسسي والاجتماعي، والدفاع عن قضايا الفئات والشرائح الاجتماعية، والمشاركة في صياغة السياسات العامة المرتبطة بالشأن الاجتماعي والوطني، فالدولة لا تبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالعمل اليومي والمؤسسات والتشريعات والسياسات، وبالقدرة على تحمل المسؤولية في الظروف الصعبة، وقد كان د. مجدلاني، في المواقع التي تولى فيها المسؤولية، جزءاً من هذا الجهد المتراكم لبناء مؤسسات وطنية فلسطينية قادرة على خدمة المواطن وتعزيز صموده وحماية حقوقه.
ولم يكن حضوره في العمل الوطني منفصلاً عن القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تمس حياة الناس مباشرة؛ فقد ظل منحازاً إلى قضايا العمال والفئات الأقل حظاً وإلى قيم العدالة الاجتماعية، مدافعاً عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، ومؤكداً أن المشروع الوطني لا يكتمل من دون بناء مجتمع أكثر عدالة، ومؤسسات أكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات المواطنين، وعلى المستوى السياسي، كان حاضراً في الدفاع عن منظمة التحرير الفلسطينية ومكانتها التمثيلية، وعن القرار الوطني المستقل، وعن وحدة النظام السياسي الفلسطيني، ورفض مشاريع الفصل والانقسام، وهي مواقف لم تكن مرتبطة بموسم سياسي عابر، وإنما شكلت جزءاً من رؤية سياسية واضحة ظل يعبر عنها في مختلف المحطات، حتى عندما كانت كلفتها السياسية عالية.
أما على المستوى التنظيمي، فقد أسهم خلال سنوات مسؤوليته في تعزيز حضور جبهة النضال الشعبي الفلسطيني وتطوير بنيتها ودورها، والحفاظ على استقلالية قرارها السياسي وهويتها الوطنية، وإبقائها حاضرة في الحياة السياسية الفلسطينية باعتبارها فصيلاً له رؤيته ومواقفه وخياراته.
ومن حق أي فلسطيني أن يختلف مع د. مجدلاني، وأن يناقش مواقفه وينتقد أداءه؛ فهذا حق أصيل في الحياة السياسية، بل إن النقد والمراجعة والنقاش ضرورة لأي تجربة وطنية، لكن الفارق كبير بين النقد المسؤول والتشهير، وبين الاختلاف السياسي والتحريض، وبين المساءلة والاغتيال السياسي والمعنوي، وحين تتكرر الإساءة، وتتقاطع حملات التشويه، ويجري اجتزاء المواقف وقلب الحقائق وتوظيفها للنيل من شخصية وطنية، فإن الأمر يتجاوز حدود الاختلاف الطبيعي ليصبح استهدافاً لا يمكن السكوت عنه.
إن الذين يحاولون التقليل من قيمة هذه المسيرة لن يستطيعوا إلغاءها؛ فالإنجازات التي تحققت في العمل الوطني والمؤسساتي والاجتماعي لا تمحوها حملات التواصل الاجتماعي، ولا تغيرها أصوات الحاقدين، ولا تعيد كتابة التاريخ وفق رغبات العابثين، وهناك من يعرف د. مجدلاني من خلال سنوات العمل والمسؤولية، ويعرف مواقفه في اللحظات الصعبة، ويعرف حجم ما تحمّل من أعباء وما بذل من جهد، والأوفياء لا يحتاجون إلى حملات للدفاع عن الحقيقة؛ لأن الحقيقة تفرض نفسها حين تقرأ المسيرة كاملة، لا حين تقتطع منها لحظة أو موقف أو عبارة، أما الذين يسعون إلى اختزال رجل قضى عقوداً في العمل الوطني في رواية تشهيرية ضيقة، فإنهم لا يسيئون إليه بقدر ما يكشفون عن مستوى الخطاب الذي يريدون جرّ الحياة السياسية إليه.
إن فلسطين اليوم أحوج ما تكون إلى الارتقاء بمستوى النقاش السياسي، وإلى حماية الحياة الوطنية من الشخصنة والتشهير وتصفية الحسابات، فشعبنا يواجه الاحتلال والاستيطان والحصار والانقسام وتحديات اقتصادية واجتماعية هائلة، وما يحتاجه هو المزيد من المسؤولية والوحدة والحوار، لا المزيد من حملات الاستهداف التي تستنزف الطاقات وتضعف الجبهة الداخلية، ولذلك نقول بوضوح، أننا لن نقبل الإساءة، ولن نقبل التشويه، ولن نقبل الاغتيال السياسي والمعنوي، وسنختلف حين يكون الاختلاف ضرورياً، وننتقد حين يكون النقد واجباً، لكننا لن نقبل أن تتحول السياسة إلى ساحة للنيل من المناضلين أو تشويه تاريخهم أو مصادرة حقهم في العمل الوطني.
أما جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، فستواصل القيام بدورها ومسؤولياتها، متمسكة بهويتها الوطنية والديمقراطية واستقلالية قرارها، ووفية لتاريخها ومناضليها وخياراتها الوطنية، ولن تكون حملات التشويه سبباً للتراجع أو الصمت أو التخلي عن المسؤولية.
لقد علمتنا التجربة أن الضجيج عابر، أما العمل الحقيقي فيبقى، وأن الحملات تنتهي، بينما تبقى المواقف شاهدة على أصحابها، ولذلك فإننا لا نقيس مسيرة الرفيق د. أحمد مجدلاني بما يكتبه العابثون أو يردده الحاقدون، وإنما بما قدمه خلال عقود من العمل الوطني والسياسي والمؤسساتي والمجتمعي، وبما يشهد به له كل من عرفه وعمل معه وأنصف تجربته، وسنبقى نقوم بدورنا ونضطلع بمسؤولياتنا، بثبات ووعي وإصرار، دفاعاً عن شعبنا وقضيته الوطنية، وعن حق المناضلين في أن تحترم مسيرتهم، وأن تقرأ أدوارهم وإنجازاتهم بميزان الحقيقة والإنصاف، لا بأقلام التشويه والتحريض.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.