
غزة.. سيرةُ مدينةٍ بين الضوء والرماد، بقلم : أ. هداية عياش
غزة… حين كان البحر يبتسم، وكان يحرس الأحلام.. لم تكن غزة مدينة تُرى بالعين فحسب، بل وطنًا يسكن القلب. كان البحر يفتح ذراعيه كل صباح، فتتراقص أمواجه على ضحكات الأطفال، وتتنفس الأزقة عبق الخبز الطازج، وتورق الحكايات على عتبات البيوت. كانت الشرفات تتزين بالياسمين، والأمهات ينسجن من الدعاء ستارًا يحفظ أبناءهن، فيما كانت المآذن تعانق السماء بنداء الحياة.
كانت الأسواق تضج بالحياة؛ تختلط فيها أصوات الباعة برائحة الزعتر والتوابل والبرتقال والليمون والسمك الطازج القادم من البحر. وكانت أشجار الزيتون والصبّار والنخيل تقف شاهدة على علاقة الإنسان بالأرض، وعلى قدرة الغزيين على صناعة الفرح من القليل.
وفي المساء، كان البحر يجمع العائلات على شاطئه؛ يركض الأطفال فوق الرمال، ويضحكون كأنهم يوزعون الفرح على الموج، بينما يتبادل الآباء والأمهات الأحاديث، مؤمنين أن الغد، مهما تأخر، يحمل خيرًا.
ثم مرّت الحرب…
فغابت الضحكات، وصار الصمت أثقل من هدير البحر. تهدمت البيوت التي حفظت دفء العائلات، وتحولت الشوارع التي عرفت خطى الصغار إلى طرق مثقلة بالركام. تبدلت رائحة الخبز برائحة الدخان، وغاب الياسمين خلف الغبار، وصار الليل طويلًا، تتخلله صرخات الفقد وأنين الجرحى ودموع الأمهات.
وفي كل حجر مهدوم حكاية، وفي كل شارع جريح ذكرى، وفي كل أم تنتظر ابنًا غاب وجع لا تتسع له اللغات. حتى البحر بدا حزينًا، كأنه يحمل أنين المدينة مع الموج.
لكن غزة ليست مدينة تُقاس بما تهدم فيها، بل بما بقي حيًّا في أرواح أهلها. فمن بين الركام تنبت الإرادة، ومن بين الدموع يولد الرجاء، ومن قلب الألم يخرج شعب يؤمن أن الفجر لا بد أن يأتي، وإن طال الليل.
قد يُهدم الحجر، لكن الإرادة لا تُهدم، وقد يذبل الياسمين، لكنه لا ينسى كيف يزهر من جديد.
وسيأتي يوم تعود فيه النوافذ لتفتح على ضوء آمن، ويعود الأطفال إلى مدارسهم وملاعبهم، وتعود الأشجار لتصافح الريح، ويعود البحر شاهدًا على مدينة عرفت الألم، لكنها رفضت أن تتخلى عن الحياة.
غزة ليست مدينة من حجر، بل مدينة من قلوب. وستبقى حكاية وطن يرفض الموت، وقصيدة صبر كتبتها الأرض بدموع أبنائها، حتى يعود إليها البحر مبتسمًا، وتعود الحياة أجمل وأكرم.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.