9:30 مساءً / 11 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

تل الزعتر خمسون عاماً وما زال الجرح ينزف ، بقلم : أحمد سليمان

تل الزعتر خمسون عاماً وما زال الجرح ينزف ، بقلم : أحمد سليمان

خمسون عاماً مرت وما زال تل الزعتر يسكن الذاكرة الفلسطينية كأن المجزرة حدثت بالأمس. تغير العالم ورحل كثير من الشهود وكبر الأطفال وشاخت الوجوه لكن المخيم الذي أريد له أن يمحى من الأرض بقي حاضراً في الوجدان الفلسطيني جرحاً لم يلتئم وحكاية لا يجوز أن تنتهي برحيل أصحابها.

في صيف عام 1976 كان تل الزعتر محاصراً بالموت. أسابيع طويلة من القصف والجوع والعطش والخوف عاشها آلاف البشر داخل بقعة صغيرة يبحثون عن الماء والدواء وشيء من الأمان. أمهات يحمين أطفالهن بأجسادهن وجرحى ينتظرون علاجاً قد لا يصل وعائلات لا تعرف إن كانت ستعيش حتى صباح اليوم التالي. وفي الثاني عشر من آب سقط المخيم ووقعت المجزرة لكن الحكاية لم تسقط معه.

وفي ذلك اليوم بقي القائد المناضل صالح زيدان حتى اللحظات الأخيرة وكان آخر من خرج من تل الزعتر. خرج من المخيم لكنه حمل حكايته معه وحمل شهادة الصمود والحصار والدماء التي قدمت في واحدة من أقسى مراحل التاريخ الفلسطيني في لبنان.

وما زال صالح زيدان حتى يومنا هذا يحدثنا هنا في السويد عن تلك المرحلة وعن الرفاق الذين رحلوا وعن العائلات التي فقدت أبناءها وعن رحلة طويلة من الألم والصمود امتدت من تل الزعتر إلى حصار الدامور إلى صبرا وشاتيلا وحرب المخيمات. وحين نستمع إليه لا نستمع إلى صفحات من كتاب تاريخ بل إلى شاهد عاش الأحداث ورأى بأم عينه حجم الثمن الذي دفعه شعبنا.

ولا يمكن أن نستذكر تل الزعتر من دون أن نستذكر الحاج حسن ورفاقه الشهداء الذين استشهدوا أثناء محاولتهم رفع الحصار عن المخيم في معركة شكا في شمال لبنان. أولئك الذين تحركوا باتجاه المحاصرين وهم يعرفون حجم الخطر ودفعوا حياتهم ثمناً لمحاولة كسر طوق الموت.

ورحم الله حنّا ميخائيل ورفاقه ورحم الله كل من رحل وهو يحمل فلسطين قضية للحرية والعدالة.

لم يكن تل الزعتر مجرد بيوت متواضعة وأزقة ضيقة. كان وطناً صغيراً بناه لاجئون اقتلعوا من فلسطين عام 1948 وحملوا معهم أسماء قراهم ومدنهم ومفاتيح بيوتهم وذكريات حيفا وعكا وصفد والجليل. اعتقدوا أن اللجوء محطة قصيرة وأن العودة قريبة لكن السنوات امتدت وتحولت الخيمة إلى بيت وكبر الأطفال وأنجبوا أطفالاً وبقي المفتاح معلقاً على الجدار وبقيت فلسطين معلقة في القلب.

ثم جاء تل الزعتر ليؤكد للاجئ الفلسطيني أن النكبة يمكن أن تلاحقه حتى إلى منفاه وأن من فقد بيته مرة قد يجبر على فقدانه مرة أخرى.

لكن ما لم يستطع أحد مصادرته هو الذاكرة.

نحن لا نستحضر تل الزعتر بحثاً عن الكراهية أو الانتقام بل بحثاً عن الحقيقة والعدالة. فالشعوب تستطيع أن تتصالح وأن تتجاوز الحروب لكنها لا تستطيع أن تبني مصالحتها فوق قبور مجهولة. المصالحة لا تعني النسيان والصفح لا يعني إلغاء الحقيقة والسلام الحقيقي لا يصنعه صمت الضحايا.

وحين أستعيد تلك الذاكرة تحضر أمامي صديقتي السويدية إيڤا حمد. امرأة بترت ذراعها لكن الألم لم يبتر موقفها ولم ينتزع فلسطين من قلبها. ما زالت حتى اليوم تناضل من أجل حرية الشعب الفلسطيني وما زالت تقف إلى جانب حقه في الحياة والحرية والعدالة.

إيڤا بالنسبة لي ليست مجرد صديقة سويدية متضامنة مع فلسطين. إنها واحدة من تلك الوجوه الإنسانية التي تعلمنا أن فلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحدهم وأن العدالة لا تحتاج إلى جنسية أو هوية حتى يؤمن بها الإنسان.

بترت ذراع إيڤا لكن إرادتها لم تبتر. مرت السنوات لكنها لم تقل إن فلسطين أصبحت قصة قديمة. لم تتعب من الوقوف إلى جانب شعب ما زال يبحث عن حريته. بقيت تحمل موقفها وذاكرتها وإيمانها بأن الإنسان لا يستطيع أن يكون حراً حقاً إذا قبل بحرمان إنسان آخر من حريته.

لها مني كصديق وكفلسطيني كل الوفاء والمحبة والتقدير.

خمسون عاماً مرت لكن السؤال الذي صنع المخيم ما زال قائماً. الفلسطيني الذي أصبح لاجئاً عام 1948 ما زال أحفاده يحملون صفة اللاجئ. ربما لم ير بعضهم فلسطين يوماً لكنه يعرف اسم قريته ويعرف حكاية بيت جده ويحفظ أسماء حيفا وعكا وصفد ويافا كما لو أنه عاش فيها بالأمس.

فالمخيم ليس وطناً بديلاً وقضية اللاجئين ليست كيس طحين أو بطاقة إعاشة أو خيمة تستبدل ببيت من الإسمنت. إنها قضية شعب اقتلع من وطنه وما زال ينتظر حلاً عادلاً لقضيته وحقه في العودة.

وفي الذكرى الخمسين ننحني أمام أرواح شهداء تل الزعتر ونستذكر شهداء آل كروم وآل شمس وآل الدوخي وآل عبادي وآل عيادي وكل العائلات التي فقدت أبناءها وكل الشهداء دون استثناء. نستذكرهم بشراً كانت لهم أسماء ووجوه وعائلات وأحلام لا مجرد أرقام تضاف إلى سجل طويل من الضحايا.

ويبقى السؤال الذي لا يجوز الهروب منه بعد نصف قرن. عندما قدمنا الاعتذار عن الحرب الأهلية اللبنانية وتحدثنا عن المصالحة وطي صفحة الماضي ألم يكن من الأجدر أن تبدأ المصالحة بكشف الحقيقة كاملة. ألم يكن من حق عائلات شهداء تل الزعتر أن تعرف أين دفن أبناؤها وآباؤها وأمهاتها وأطفالها. ألم يحن الوقت للكشف عن المقابر الجماعية وتحديد أماكنها والعمل على التعرف إلى رفات الضحايا حتى يكون لكل شهيد اسم وقبر تستطيع عائلته أن تقف أمامه وتقرأ الفاتحة على روحه.

الاعتذار مهم لكنه لا يكفي عندما تبقى عائلة بعد خمسين عاماً لا تعرف أين يرقد ابنها. والكشف عن المقابر الجماعية ليس دعوة للانتقام ولا محاولة لإعادة اللبنانيين والفلسطينيين إلى زمن الحرب. إنه واجب إنساني وأخلاقي وحق للعائلات وخطوة ضرورية نحو مصالحة حقيقية تقوم على الحقيقة والكرامة.

نريد أن تلتئم الجراح لا أن تبقى مفتوحة ونريد مصالحة بين الفلسطينيين واللبنانيين تحمي مستقبل أبنائنا لكن المصالحة الأقوى هي التي لا تخاف من الماضي ولا تدفن الحقيقة معه.

ولهذا علينا أن نوثق وأن نكتب وأن نستمع إلى من بقي من الشهود وأن ننقل شهاداتهم إلى الأجيال الجديدة قبل أن يرحل آخر من يستطيع أن يقول كنت هناك ورأيت ما حدث.

بعد خمسين عاماً يبقى تل الزعتر سؤالاً عن العدالة وذاكرة شعب وعن لاجئ ما زال ينتظر حقه.

ويبقى من حق شهدائنا أن تكون لهم أسماء وقبور ومن حق عائلاتهم أن تعرف أين يرقدون ومن حق الأجيال القادمة أن تعرف الحقيقة كاملة.

الرحمة لشهداء تل الزعتر وللحاج حسن ورفاقه ولحنّا ميخائيل ولكل الشهداء والوفاء لمن بقي يحمل الشهادة وفي مقدمتهم القائد المناضل صالح زيدان والتحية لكل أحرار العالم الذين ما زالوا يحملون فلسطين في قلوبهم.

تل الزعتر سيبقى في الذاكرة وفلسطين ستبقى في القلب وحق العودة سيبقى حقاً لا يسقط بالتقادم.

  • – أحمد سليمان – رئيس المركز السويدي الفلسطيني

شاهد أيضاً

خلال لقائه السفير الاسباني .. محافظ بيت لحم المحافظ ابو عليا يشكر اسبانيا على دعمها لفلسطين

خلال لقائه السفير الاسباني .. محافظ بيت لحم المحافظ ابو عليا يشكر اسبانيا على دعمها لفلسطين

شفا – استقبل محافظ محافظة بيت لحم محمد طه أبو عليا السفير الاسباني خوسي خافيير …