1:46 مساءً / 30 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

حين تصغي الأرض إلى الشاعر ، قراءة في «الإصغاء لصوت الأرض» للشاعر د. جمال سلسع ، بقلم : محمد علوش

حين تصغي الأرض إلى الشاعر ، قراءة في «الإصغاء لصوت الأرض» للشاعر د. جمال سلسع ، بقلم : محمد علوش

حين تصغي الأرض إلى الشاعر ، قراءة في «الإصغاء لصوت الأرض» للشاعر د. جمال سلسع ، بقلم : محمد علوش

ثمة شعراء لا تكون فلسطين عندهم موضوعاً للقصيدة، بل شرطاً لوجودها، وحين يأتي الشعر من بيت ساحور، من مدينة المهد التي تتقاطع في ذاكرتها طبقات المكان والكتاب والاقتلاع والمقاومة، فإن الأرض لا تدخل النص باعتبارها خلفية جغرافية، وإنما باعتبارها ذاكرة تتنفس في اللغة، ففي تجربة جمال سلسع، الشاعر والناقد والمناضل الذي رافقته فلسطين في مسارات حياته، تبدو القصيدة امتداداً لذلك التوتر القديم بين المكان والإنسان، بين ما يرى وما يخفى، وبين الصوت الذي يصل والصمت الذي يترك ندبته.
في «الإصغاء لصوت الأرض» لا تبدأ القصيدة من الأرض، بل من سؤال:
«أسألُ كيفَ تعيشُ همومكَ،
والهمُّ الوطنيُّ يعيشُ الموتْ؟»


كأن الذات لا تستطيع أن تصل إلى وطنها إلا عبر السؤال عن المسافة الفاصلة بينها وبينه، وما يبدو سؤالاً عن «همومك» سرعان ما ينفتح على «الهم الوطني»، فيذوب الحد الفاصل بين السيرة الشخصية والجرح الجماعي.
ثم تأتي كلمة «الإصغاء» لتعيد ترتيب العلاقة كلها، وليست الأرض هنا صامتة كي يتكلم الشاعر عنها؛ إنها تتكلم، والشاعر يضع نفسه في موضع المستمع، وهذه إزاحة لافتة في زاوية النظر: الصوت ليس ملك الشاعر، بل ملك الأرض، والقصيدة ليست امتلاكاً لصوتها بقدر ما هي محاولة لالتقاطه، ومن هنا تتكرر:


«تسمعُ…!
تقرأُ…!
فترى…!»
كأن القصيدة تنتقل من حاسة إلى أخرى، لكنها في الحقيقة تنتقل من طبقة إلى طبقة من الوعي، فالسماع هنا ليس نهاية الطريق، والقراءة ليست تفسيراً لما سمع، والرؤية ليست مجرد اكتمال للحواس، فهناك شيء يتشكل بين هذه الأفعال الثلاثة، شيء يشبه انكشاف المعنى تدريجياً.
والشاعر لا يقول إن العين ترى الأرض، بل يجعل الروح تسمع «آهَ الوقت»، والقلب يقرأ، والعين ترى «وجع الصمت».
في هذه الانزياحات تحديداً تكمن إحدى جماليات النص، فـ«الوقت» الذي لا يسمع يصبح له أنين، والصمت الذي لا يرى يصبح له وجع، واللغة تخرق قوانين الحواس كي تستعيد شيئاً من حقيقة لا تستطيع اللغة العادية الوصول إليها.
ثم:
«تاريخاً مسروقاً…
يبكي مسلوبَ الصوتْ.»


ربما هنا يبلغ النص إحدى طبقاته الأكثر كثافة، فالتاريخ لا يسرق فقط، بل يسلب صوته أيضاً، وكأن السرقة لا تستهدف المكان وحده، وإنما تستهدف روايته، وذاكرته، ومن يملك حق الكلام عنه، لذلك يبدو «الصوت» في القصيدة أكثر من عنصر سمعي؛ إنه أثر الوجود نفسه.
ومن اللافت أن الشاعر لا يضع «التاريخ» في مواجهة «الراهن»، فالماضي واللحظة الراهنة يتداخلان في صورة واحدة: طفل، أم، أرض، نار، طلقة، ليل. الذاكرة هنا ليست وراءنا؛ إنها شيء يحدث الآن.
«لما تسمعُ دمعةَ طفلٍ
لا تُطفِؤها الكلماتُ
الساكنةُ اليأسْ.»
الصورة لا تحتاج إلى كثير من الشرح، يكفي أن تتحول الدمعة إلى شيء يسمع حتى ينقلب ترتيب العالم، فالدمعة، وهي أكثر الأشياء صمتاً، تصبح صوتاً، والكلمات، وهي أدوات التعبير، تبدو عاجزة عن إطفائها.
ثم تأتي الأم:
«لما تقرأُ صرخةَ أمٍ
لا تُسكتُها طلقةُ ليلٍ…»
هنا يتجاور «القراءة» و«الصرخة»، كما لو أن ما لا يمكن قراءته بالعين يمكن قراءته بالوجع، والليل لا يعود زمناً؛ يصبح حاملاً للطلقة، وفي هذا التركيب تنفتح الصورة على فضاء فلسطيني كثيف دون أن تسمي المكان أو الحادثة، ويكفي الليل والطلقة والأم كي تستدعي الذاكرة بقية المشهد، ولعل هذا أحد وجوه قوة القصيدة: أنها حين تقترب من المأساة لا تحتاج دائماً إلى تسميتها.
لكن النص لا يبقى في عتمته.
«الإصغاءُ لصوتِ الأرضِ،
يقودُكَ نحو طريقِ الشمس.»
الشمس هنا لا تبدو خاتمة تفاؤلية بقدر ما تبدو نتيجة بعيدة لمسار بدأ بالإصغاء، فثمة شيء يتحول داخل الإنسان كلما أنصت، ولذلك فإن «طريق الشمس» لا يأتي من خارج القصيدة، وإنما يخرج من داخلها، بعد الليل والدمعة والصرخة والنار.
ومن أجمل مفارقات النص أن الأرض، كلما ازداد حضورها، أخذت تغادر معناها الجغرافي، ففي البداية هي صوت، ثم تصبح تاريخاً، ثم تصبح طفلاً وأماً، ثم تصبح ناراً، ثم تصبح «محراب الوطن»، وأخيراً تستقر في الداخل:
«ينطلقُ الجبلُ النائمُ فيكَ
فيمحو أعمدةَ المحنِ.»
هنا تنقلب علاقة الإنسان بالمكان، فلم يعد الجبل شيئاً يقف أمام الإنسان أو خلفه؛ إنه نائم فيه، وهذه الـ «فيكَ» ربما تكون أكثر الكلمات دلالة في المقطع كله، فالجبل الذي بدا خارجياً طوال تاريخ فلسطين يتحول إلى كتلة كامنة في الداخل.
الجبل لا يأتي، الجبل يستيقظ، وما يستيقظ ليس حجراً، وإنما ذاكرة وقوة وإرادة، لهذا تبدو «أعمدة المحن» في الطرف الآخر من الصورة أكثر من مجرد استعارة للألم، فالأعمدة شيء يقوم عليه البناء، وكأن المحنة نفسها أصبحت بناءً ثقيلاً يحتاج إلى قوة مقابلة كي ينهار.
وفي المقطع:
«يشتعلُ الإحساسُ بدمعِ الوجعِ
الساكنِ محرابَ الوطنِ»
تتجاور النار والدمع والمحراب في صورة واحدة، فالنار تشتعل، والدمع يسكن، والمحراب يحتضن الوجع، وليست فلسطين هنا أرضاً فحسب، ولا قضية سياسية فحسب؛ إنها فضاء تتداخل فيه القداسة والألم والذاكرة.
وربما من هنا يمكن فهم خصوصية الحساسية الشعرية لدى سلسع، إنه لا يكتب الوطن من خارجه، ولا يحوله إلى صورة مكتملة ومغلقة؛ يتركه في حالة توتر دائم بين المقدس والمجروح، بين الصمت والصوت، بين الموت والشمس.
حتى التكرار في القصيدة لا يعمل دائماً بوصفه تأكيداً للمعنى، إنه أشبه بعودة الصوت إلى نقطة البداية:
«تسمع…
تقرأ…
فترى…»
ثم تعود الأسئلة، ثم يعود «الإصغاء»، ثم تعود الأرض، كأن القصيدة لا تريد أن تصل إلى خاتمة نهائية، بل أن تضع القارئ داخل دائرة الإصغاء نفسها، ومن هنا يمكن النظر إلى التكرار بوصفه جزءاً من البنية الدلالية للنص: الأرض تكرر صوتها لأن الإنسان لم يتعلم بعد كيف يصغي إليها.
وقد تبدو بعض المواضع أقرب إلى الخطاب المباشر، وهو أمر مألوف في الشعر الوطني الذي يضع القضية في مقدمة حساسيته، لكن النص يصبح أكثر توهجاً كلما ترك الصورة تتولى الكلام، وكلما تراجعت اللغة التقريرية خطوة إلى الوراء، فـ «وجع الصمت»، و«التاريخ المسروق»، و«الجبل النائم فيك» تظل صوراً مفتوحة، لا تستنفدها القراءة الأولى، وهذا تحديداً ما يمنحها قابلية البقاء.


في النهاية، لا تبدو القصيدة وكأنها تريد أن تقول لنا ما هي الأرض، إنها تسألنا إن كنا ما زلنا قادرين على سماعها، وهذه مسافة مهمة بين قصيدة تتحدث عن الوطن وقصيدة تجعل الوطن اختباراً لحواس الإنسان وضميره وذاكرته.


جمال سلسع لا يضع الأرض أمامنا بوصفها صورة مكتملة؛ يتركها تتسرب من بين الكلمات: في آه الوقت، في وجع الصمت، في دمعة الطفل، في صرخة الأم، في النار، في محراب الوطن، وفي الجبل الذي لم يستيقظ بعد، وحين تصل القصيدة إلى آخرها، يبقى السؤال الأول معلقاً في الهواء، كيف تعيش همومك؟ ربما لأن الجواب ليس في الكلام، وربما لأن على الإنسان، قبل أن يتكلم عن الأرض، أن يصغي إليها، فالأرض في هذه القصيدة لا تمنح سرها لمن ينظر إليها من بعيد، بل إنها تمنحه لمن يضع أذنه على جرحها.

⦁ شاعر وناقد فلسطيني

شاهد أيضاً

الخليلي خلال إطلاق مشروعي «استعادة الحيّز» و«شَمل»: بناء منظومة حماية وطنية شاملة تضمن ألا تُترك أي امرأة خلف الركب

الخليلي خلال إطلاق مشروعي «استعادة الحيّز» و«شَمل»: بناء منظومة حماية وطنية شاملة تضمن ألا تُترك أي امرأة خلف الركب

شفا – شاركت وزيرة شؤون المرأة، أ. منى الخليلي، اليوم الأربعاء، في فعالية إطلاق مشروعي …