2:36 مساءً / 8 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

حين يبقى الأثر ويهدأ الألم: الفقد بين علم النفس الاجتماعي والإيمان ونعمة النسيان ، بقلم: د. لؤي زعول

لؤي زعول

حين يبقى الأثر ويهدأ الألم: الفقد بين علم النفس الاجتماعي والإيمان ونعمة النسيان ، بقلم: د. لؤي زعول

ملخص المقال:

  • الفقد تجربة إنسانية واجتماعية عميقة تؤثر في مشاعر الفرد وعلاقاته، ويختلف أثرها باختلاف طبيعة العلاقة والثقافة والدعم الاجتماعي.
  • الإيمان بالله وحقيقة الموت يمنح الإنسان القوة على الصبر والتكيف، ويحول الألم إلى احتساب وأمل بلقاء الآخرة.
  • نعمة النسيان والدعم الاجتماعي يمثلان آليتين أساسيتين لاستعادة التوازن النفسي، مع بقاء الذكرى الطيبة والوفاء للراحل من خلال الدعاء والعمل الصالح.

هناك لحظات في حياة الإنسان لا تغيّر أيامه فقط، بل تعيد تشكيل نظرته إلى الحياة كلها. ولعل فقدان الوالد من أكثر هذه اللحظات عمقًا، لأنه لا يعني غياب شخص نحبه فحسب، بل يعني غياب جزء من الذاكرة، والسند، والتاريخ الشخصي الذي رافق الإنسان سنوات طويلة.

أكتب هذه السطور بعد أربعين يومًا من رحيل والدي، رحمه الله، وقد أدركت أن بعض الطرق لا تُقاس بالكيلومترات، بل بما تحمله من مشاعر وذكريات. كانت رحلة العودة من مستشفى بيت جالا إلى قريتي حوسان، وأنا برفقة إخوتي وأهلي وجثمان والدي، أطول رحلة عرفتها في حياتي، رغم أنني سلكت هذا الطريق مرات كثيرة من قبل. تمنيت في داخلي ألا تنتهي، لأن نهايتها كانت تعني مواجهة حقيقة لم يكن قلبي مستعدًا لتقبلها.

كانت عيناي تتابعان الطريق والبيوت والوجوه من حولي، بينما كان عقلي يحاول استيعاب ما حدث، أما قلبي فكان يرفض التصديق. شعرت وكأن هناك مسافة تفصل بين ما يدركه العقل وما يعجز القلب عن قبوله. عندها أدركت أن الفقد ليس مجرد لحظة رحيل، بل تجربة إنسانية عميقة تعيد ترتيب علاقة الإنسان بنفسه وبمن حوله، وتغير الكثير من تفاصيل حياته اليومية.

وعندما وصلنا إلى منزل والدي، كان المشهد أكبر من أن تصفه الكلمات. كان في استقبالنا الأهل والأصدقاء والجيران وأبناء البلدة وكل من حمل في قلبه محبة لوالدي ولعائلتنا. رأيت في تلك اللحظة صورة حقيقية لمعنى التماسك الاجتماعي؛ فلم يكن الحضور مجرد تأدية واجب عزاء، بل كان مشاركة إنسانية خففت من ثقل الألم، ورسالة تؤكد أن الإنسان لا يواجه مصابه وحيدًا.

يُعد فقدان شخص عزيز من أكثر التجارب الإنسانية تأثيرًا في حياة الفرد، فهو لا يغيب شخصًا فقط، بل يترك فراغًا عاطفيًا واجتماعيًا يعيد تشكيل الأدوار والعلاقات داخل الأسرة والمجتمع. ومن منظور علم النفس الاجتماعي، لا يقتصر أثر الفقد على المشاعر الداخلية، بل يمتد إلى شبكة العلاقات الاجتماعية، وطريقة تفاعل الإنسان مع محيطه، ومدى حصوله على الدعم والإسناد خلال مرحلة الحزن.

ومن خلال دراستي لعلم النفس الاجتماعي، ثم معايشتي الشخصية لتجربة فقد والدي، أصبحت أكثر إدراكًا بأن النظريات العلمية تفسر جانبًا مهمًا من تجربة الحزن، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصف كل ما يعيشه الإنسان من مشاعر حين يفقد شخصًا كان يمثل له مصدر أمان ومحبة وسند.

وتختلف طرق التعبير عن الحزن من إنسان إلى آخر؛ فهناك من يعبر بالبكاء، وهناك من يلجأ إلى الصمت، وهناك من يجد في العمل أو العبادة وسيلة للتكيف. وهذه الاختلافات لا تعني اختلافًا في مقدار الحب أو الوفاء، بل تعكس طبيعة الشخصية والخبرات السابقة والقدرة الخاصة لكل إنسان على التعامل مع الألم.

وفي المجتمع الفلسطيني، ولا سيما في محافظة بيت لحم وبلداتها وقراها، يكتسب الفقد بعدًا اجتماعيًا خاصًا. فما زالت العائلة الممتدة، وروابط الجيرة، وقيم التكافل والتعاضد تشكل جزءًا أصيلًا من البناء الاجتماعي. ففي لحظات المصاب لا يقف الإنسان بمفرده، بل يجد حوله شبكة واسعة من الأقارب والأصدقاء والجيران الذين يشاركونه الحزن ويمنحونه القوة على الاستمرار.

وقد تجلى ذلك بوضوح في مراسم تشييع والدي، رحمه الله، وفي أيام بيت الأجر التي امتدت عدة أيام، وكذلك خلال الأسابيع التالية، حيث استمر التواصل من الأصدقاء والإخوة من مختلف محافظات الوطن، سواء بالحضور المباشر أو الاتصال أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لقد كان ذلك الالتفاف الإنساني مصدر طمأنينة كبيرة، وأكد أن الإنسان يترك بعد رحيله رصيدًا من المحبة لا يُقاس إلا بما زرعه في قلوب الآخرين.

كما كان لدور الشباب في استقبال المعزين وتنظيم مراسم العزاء وتقديم الضيافة وتقاسم المسؤوليات أثر عميق في نفسي. فهذا السلوك لا يمثل مجرد عادة اجتماعية، بل يعكس قيمة التماسك الاجتماعي الذي يمنح المجتمع قدرته على مواجهة الأزمات. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن الآخرين، والمجتمع القوي هو الذي تتكامل فيه أدوار أفراده، حيث تصبح قوة كل فرد جزءًا من قوة الجماعة.

ومن هنا أدركت أن الدعم الاجتماعي ليس مجرد حضور جسدي في لحظات الحزن، بل هو احتواء نفسي ومعنوي يساعد الإنسان على استعادة توازنه. فالكلمات الطيبة، والدعاء، والمساندة الصادقة، والشعور بأن الآخرين يحملون جزءًا من الألم، كلها عوامل تخفف من وطأة الفقد، وتمنح الإنسان قدرة أكبر على التكيف والاستمرار.

ورغم قسوة تجربة الرحيل، فإن الإيمان بالله يمنح الإنسان إطارًا روحيًا ونفسيًا يساعده على تقبل حقيقة الموت. فالموت سنة إلهية لا تستثني أحدًا، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.

هذا الإيمان لا يلغي الحزن ولا يمنع الاشتياق، لكنه يمنح الألم معنى أعمق، ويحول الحزن من حالة انكسار إلى مساحة من الصبر والاحتساب والرجاء بلقاء الله. كما أن الإيمان بأن أثر الإنسان لا ينقطع بعد رحيله يمنح القلب السكينة، فقد قال رسول الله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له».

ومن نعم الله العظيمة على الإنسان نعمة النسيان، فهي ليست ضعفًا في الذاكرة، بل رحمة تحفظ التوازن النفسي. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش أسيرًا للحظة الألم الأولى، ومع مرور الأيام تخف حدة المشاعر القاسية، وتبقى الذكريات الجميلة أكثر حضورًا. وقد تعيد بعض الأماكن أو المناسبات أو الكلمات مشاعر الحنين، وهذا أمر طبيعي لا يعني العودة إلى نقطة البداية، بل يعكس عمق العلاقة والمحبة التي كانت موجودة.

إن تجاوز الفقد لا يعني نسيان من رحلوا، بل يعني إعادة بناء العلاقة معهم بصورة جديدة؛ فلم يعودوا حاضرًا ماديًا، لكنهم يبقون حاضرًا في القيم التي تركوها، وفي السلوك الذي تعلمناه منهم، وفي المواقف التي نستحضر فيها كلماتهم ونصائحهم.

واليوم، وبعد مرور أربعين يومًا على رحيل والدي، رحمه الله، أجد أن الحزن أصبح أكثر هدوءًا، بينما أصبحت الذكريات أكثر وضوحًا. ما زلت أتذكر مواقفه الإيجابية، وكلماته التي كانت ترافقني في مراحل حياتي المختلفة، وتشجيعه المستمر لي على طلب العلم، والاستمرار في النجاح، وحب العمل التطوعي، ومساعدة الآخرين، وعدم الاستسلام للظروف مهما كانت صعبة.

لقد كان والدي يؤمن بأن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن في علاقته بالناس، وفي أثره الطيب بينهم، وفي حسن تعامله مع الآخرين، والثقة بالله وحسن الظن به. وهذه القيم التي زرعها في داخلي أصبحت اليوم جزءًا من رسالتي في الحياة، أحاول أن أحملها معي في عملي وخدمتي لمجتمعي.

وعندما أسترجع مشهد تشييع جثمانه، وأيام بيت الأجر، وحجم المحبة التي أحاطت بنا، أشعر بالامتنان لأن الله أنعم عليّ بأب ترك خلفه سيرة طيبة وذكرًا حسنًا. لقد أدركت أن أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس ما يمتلكه من أشياء، بل ما يتركه من أثر في قلوب الناس.

لقد علمني والدي أن الإنسان قد يغيب بجسده، لكنه يبقى حاضرًا من خلال ما غرسه في الآخرين. فالأب لا ينتهي حضوره بالرحيل، بل يستمر في دعاء أبنائه، وفي القيم التي نقلها لهم، وفي كل موقف يجعلهم يشعرون بأن كلماته ما زالت ترافقهم.

إن الفقد، رغم ألمه، يحمل درسًا عميقًا في معنى الحياة وقيمة العلاقات الإنسانية. فالتوازن بين الفهم العلمي لآثار الحزن، والإيمان بحكمة الله، والدعم الاجتماعي الذي يحيط بالإنسان، يساعد الفرد على تجاوز المحنة دون أن يفقد الوفاء لمن أحب.

وفي النهاية، فإن الحب لا ينتهي بالموت، بل يتغير شكله. يتحول إلى دعاء، وإلى عمل صالح، وإلى استمرار للقيم التي تركها الراحلون. ويبقى الأثر الطيب هو الإرث الحقيقي الذي لا يزول؛ فالأشخاص الذين نحبهم قد يغيبون عن أعيننا، لكنهم يبقون في ذاكرتنا، وفي قيمنا، وفي الدعاء الذي لا ينقطع لهم.

  • – . لؤي زعول – دكتوراه في علم النفس الاجتماعي والعملي – عضو المجلس الأكاديمي الفلسطيني.

شاهد أيضاً

القوى الوطنية والاسلامية لمحافظة رام الله والبيرة

قوى رام الله والبيرة تدعو لحوار وطني شامل يضم الجميع ويضع استراتيجية كفاحية لمواجهة الاحتلال ومستوطنيه

شفا – تطالب القوى الوطنية والإسلامية لمحافظة رام الله والبيرة بعقد لقاء وطني عاجل يضم …