
واشنطن تُصفق بصمت وتل أبيب تقلق.. لماذا يعد “ميثاق مكة” ناتو الشرق الأوسط منخفض الكلفة؟ بقلم : نسيم قبها
تحالف الأضداد المتقاطعة
في مشهدٍ سياسي يعج بالتقلبات، وبين لهيب حرب أميركية-إيرانية تهدد أمن الخليج، وُلد “اتفاق مكة للدفاع المشترك” بين السعودية وتركيا وباكستان. هذا التحالف الثلاثي، الذي يجمع بين ثاني أكبر جيوش الناتو (تركيا)، والدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي (باكستان)، وأكبر اقتصاد عربي (السعودية)، ليس مجرد اتفاق دفاعي تقليدي، بل هو تحول إبستمولوجي في مفهوم الأمن الجماعي في الشرق الأوسط. فهو يعيد تعريف مفهوم “الآخر” و”العدو”، ويؤسس لـ سيادة جديدة تتجاوز حدود الدولة القومية نحو فضاء أمني عابر للحدود.
نحو “سيادة مشتركة” في مواجهة الفوضى
إن “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، التي وقّعها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، تنص على أن “أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع”. وهذا المبدأ، المستلهم من المادة الخامسة لحلف الناتو، يُحدث قطيعة مع المفهوم الوستفالي التقليدي للسيادة المطلقة، ليؤسس لـ “سيادة مشتركة” تقوم على نظرية “الأمن المتضامن” .
وتكمن عبقرية هذا التحالف في تنويع مصادر الردع:
· السعودية تبحث عن مظلة أمنية بديلة في ظل تذبذب الضمانات الأميركية وتعرض بنيتها التحتية لهجمات الحوثيين المدعومين من إيران.
· تركيا تسعى إلى توسيع سوق صناعاتها الدفاعية ونقل التكنولوجيا العسكرية، في إطار رؤيتها لأنقرة كقوة إقليمية مؤثرة.
· باكستان تعزز مكانتها الدولية وتستفيد من الثقل الاقتصادي السعودي والصناعي التركي، في وقت تواجه فيه توترات متصاعدة مع الهند.
إن هذا التكامل بين المال السعودي والتكنولوجيا التركية والردع النووي الباكستاني يخلق نظامًا بيئيًا أمنيًا فريدًا، يقوم على مبدأ “الاعتماد المتبادل” في آنٍ واحد.
إعادة تشكيل “التوازن الإقليمي”
هذا التحالف يحمل في طياته تبعات جيوسياسية عميقة:
أولاً: يخلق ثقلًا سنّيًا موازيًا للنفوذ الشيعي بقيادة إيران، مما يعيد إنتاج “التوازن الطائفي” في المنطقة، رغم النفي السعودي الرسمي لأي أبعاد طائفية. لكن في منطق “الواقعية السياسية” ، فإن التمثيل الرمزي للدول الثلاث بوصفها كبرى الدول السُنيّة يفرض نفسه.
ثانياً: يضع هذا التحالف حدودًا جديدة للردع، حيث يمنع أي طرف—سواء إيران أو (إسرائيل) أو غيرهما—من استهداف أي من الدول الثلاث دون مواجهة منظومة دفاعية متكاملة. وهذا ما عبّرت عنه مصادر إيرانية بالقول إن الاتفاق “لن يجلب الأمن للسعودية”، وهو اعتراف ضمني بفاعليته.
ثالثاً: يعيد تعريف دور القوى الإقليمية، حيث تنتقل تركيا من كونها طرفًا متنافسًا مع السعودية إلى حليف استراتيجي، في تحول دراماتيكي يعكس براغماتية السياسة التركية.
ثالثاً: لماذا غابت مصر؟ فينومينولوجيا الغياب
ربما كان السؤال الأكثر إثارة للدهشة: لماذا غابت مصر عن هذا التحالف، رغم مشاركتها في اجتماعات “المسار الرباعي” مع الدول الثلاث؟
الإجابة تكمن في فلسفة الدولة المصرية في التعامل مع الأمن القومي. فمصر تتبنى مقاربة “الواقعية الدفاعية” التي تقوم على:
- القيود الدستورية: المادة 152 من الدستور المصري تشترط موافقة مجلس النواب بأغلبية الثلثين لإرسال القوات في مهمات قتالية خارج الحدود، مما يجعل أي التزام دفاعي مشروط بشروط صعبة التحقق.
- الرؤية الإستراتيجية: مصر تفضّل الحفاظ على هامش مناورة استراتيجي، وعدم الانخراط في تحالفات دفاعية إلزامية قد تجرها إلى صراعات لا تخدم مصالحها المباشرة.
- التوازنات الإقليمية: انضمام مصر قد يمنح التحالف بُعدًا “عربيًا” صرفًا، مما قد يستفز إيران أو إسرائيل بشكل أكبر. كما أن لمصر علاقات معقدة مع تركيا ومع (إسرائيل) تجعل التزامها الكامل في هذا التوقيت أمرًا محفوفًا بالمخاطر.
بمعنى آخر، غياب مصر هو فعل سياسي إيجابي، يعكس وعيًا سياسيا عميقًا بحدود القوة ورهاناتها، وليس مجرد إغفال أو تجاهل.
التأثير على السياسة (الإسرائيلية) إشكالية الردع والمقاومة
هنا نصل إلى أخطر تبعات الاتفاق: تأثيره على السياسة الاستعمارية (الإسرائيلية).
تاريخيًا، اعتمدت (إسرائيل) على تفوقها النوعي والتفكك العربي كركائز لأمنها القومي. اتفاقية مكة تكسر هذه المعادلة:
· أولاً: الردع النووي الباكستاني، وإن لم يكن موجّهًا ضد (إسرائيل) بشكل مباشر، يخلق منطقة رمادية في أي صراع مستقبلي، حيث لا تستطيع (إسرائيل) استبعاد احتمال تدخل باكستان—النووية—في أي حرب إقليمية.
· ثانياً: القدرات العسكرية التركية، كعضو في الناتو، تمنح التحالف شرعية دولية وقدرات تقنية متطورة، مما يحد من هامش المناورة (الإسرائيلي).
· ثالثاً: الثقل السياسي السعودي، الذي كان يمكن أن يتجه نحو التطبيع، أصبح الآن جزءًا من منظومة دفاعية جماعية قد تعيد تعريف مفهوم “المقاومة” بمعناها الاستراتيجي لا الأيديولوجي.
المفارقة أن (إسرائيل)، التي كانت تراهن على “الاستثناء (الإسرائيلي)” في الشرق الأوسط، تجد نفسها أمام تحالف يوازن قوتها، ليس بالضرورة لمواجهتها، بل لخلق توازن ردع يعيد ضبط قواعد اللعبة الإقليمية. وهذا قد يدفع (إسرائيل) إلى إعادة حساباتها تجاه السعودية، وربما تسريع مسار التطبيع كوسيلة لتفكيك هذا التحالف من الداخل.
نحو “نظام أمني إقليمي” جديد
“اتفاق مكة” ليس مجرد وثيقة عسكرية، بل هو بيان سياسي-فلسفي يعكس تحولًا في الوعي الجمعي للدول الموقّعة. إنه ينتقل من “الأمن الفردي” إلى “الأمن الجماعي” ، ومن “التوازن التقليدي” إلى “الردع الشبكي” .
الرضا الأميركي الخفي: سيمياء تقاسم الأعباء وإعادة تموضع الردع
في المفارقة الأكثر دهشة، لا تنظر واشنطن إلى “ميثاق مكة” بوصفه تهديداً لنظامها العميل في المنطقة، بل ترى فيه، بانبراء واقعي، ترجمة عملية لاستراتيجيتها الجديدة القائمة على “التوزيع الذكي للأعباء”. ففي ظل انشغال البنتاغون بمحور الصين-روسيا، يُعد هذا التحالف بمثابة “ناتو الشرق الأوسط منخفض الكلفة” الذي يحقق ثلاث غايات أميركية جوهرية:
- تثبيت الردع بتكلفة صفرية: فانخراط عضو الناتو (تركيا) والقوة النووية (باكستان) في حماية البنية التحتية السعودية، يمنح واشنطن فرصة لإعادة توجيه حاملات طائراتها نحو المحيطين الهندي والهادئ، دون التخلي عن استقرار أسعار النفط أو تعريض القواعد الأميركية في الخليج لخطر الصواريخ الإيرانية المباشرة.
- تأمين الحدود الجنوبية لروسيا والصين: بإبقاء أنقرة وإسلام آباد ضمن إطار دفاعي غربي-سعودي، تحبط واشنطن أي محاولة لتشكيل محور قاري معادٍ يمتد من بحر الصين إلى البحر المتوسط، مما يحافظ على “عزلة جيوسياسية” ضمنية للمشروع الإيراني، دون أن تتحمل الولايات المتحدة وطأة العداء المباشر مع طهران.
- ضبط الفضاء النووي الباكستاني: بدلاً من ترك الترسانة النووية الباكستانية أسيرة للتوترات الثنائية مع الهند أو للجماعات غير الدولة، فإن إدماجها في منظومة دفاع جماعي تعاقدي (بموجب بنود واضحة) يخلق “منطقة رمادية مضبوطة” تمنح (إسرائيل) ضمانات غير مباشرة بأن الردع النووي سيُستخدم فقط ضمن سياقات ردعية محددة، لا في إطار عدائي أيديولوجي.
وهذا ما يفسر “الصمت الغربي الحذر” إزاء الاتفاق، بل وتلميحات إدارية أميركية متفرقة عن ترحيبها بـ”أي جهد إقليمي يعزز الأمن الجماعي”، ذلك أن واشنطن ترى في هذا الميثاق تطبيقاً عملياً لفلسفة “الاعتماد على الأطراف المحلية” التي طالما نادت بها المدارس الواقعية الجديدة في العلاقات الدولية. فالمفارقة أن التحالف الذي وُلد في مواجهة لهيب المناوشة الأميركية-الإيرانية، صار اليوم أداةً أميركية غير مباشرة للحفاظ على الاستقرار، بأقل قدر من الوجود العسكري المباشر.
وأخيرا ، ومع غياب مصر، يظل هذا التحالف ناقصًا لكنه فاعل. ومع نظرة (إسرائيل ) القلقة، يظل هذا التحالف تحديًا استراتيجيًا يحتاج إلى قراءة متأنية. في النهاية، يبقى السؤال المفتوح: هل سيكون “ميثاق مكة” نواة لنظام أمني إقليمي جديد، أم أنه سيظل طموحًا يصطدم بواقع التشرذم العربي والإسلامي؟
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.