
الإدارة العامة الجديدة… لماذا لم تعد البيروقراطية تكفي؟ بقلم : د. عمر السلخي
في عالم يتغير بسرعة، لم تعد المؤسسات تُقاس بعدد القرارات التي تصدرها، ولا بعدد الكتب الرسمية التي ترسلها، ولا بعدد الاجتماعات التي تعقدها، بل أصبحت تُقاس بقدرتها على حل المشكلات، وتحسين حياة المواطنين، وصناعة أثر ملموس.
وهنا يبرز السؤال: هل ما زالت الإدارة العامة الفلسطينية تعمل بعقلية البيروقراطية التقليدية، بينما يتغير العالم من حولها؟
البيروقراطية… عندما تصبح الوسيلة هدفًا
البيروقراطية نشأت أصلًا لضمان العدالة، وتوحيد الإجراءات، ومنع الفوضى. لكنها في كثير من الأحيان تتحول إلى غاية بحد ذاتها، فيصبح الاهتمام منصبًا على استكمال المعاملة أكثر من حل مشكلة المواطن، وعلى الالتزام الحرفي بالإجراء أكثر من تحقيق النتيجة.
وفي الواقع الفلسطيني، تزداد تعقيدات العمل العام بفعل الاحتلال، وتقييد الحركة، والأزمات المالية، وضعف الموارد، وتداخل الصلاحيات بين المؤسسات، لكن هذه التحديات لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر دائم لبطء الأداء أو غياب المبادرة.
الإدارة العامة الجديدة… فلسفة مختلفة
الإدارة العامة الجديدة (New Public Management) لا تسأل: كم معاملة أنجزنا؟ بل تسأل: ما الأثر الذي أحدثناه؟
ولا تسأل: كم كتابًا رسميًا أصدرنا؟ بل تسأل: كم مشكلة استطعنا حلها؟
وتنتقل من إدارة الإجراءات إلى إدارة النتائج، ومن التركيز على المدخلات إلى قياس المخرجات، ومن ثقافة تنفيذ التعليمات فقط إلى ثقافة الابتكار والمسؤولية والمساءلة.
ماذا يعني ذلك في فلسطين؟
في ظل الواقع الفلسطيني، لا تستطيع المؤسسات السيطرة على كثير من العوامل الخارجية، مثل القيود المرتبطة بالاحتلال أو الأزمات الاقتصادية، لكنها تستطيع تطوير ما يقع ضمن نطاق مسؤوليتها، مثل:
تبسيط الإجراءات وتقليل الزمن اللازم لإنجاز الخدمات.
التحول إلى الخدمات الرقمية حيثما أمكن.
اتخاذ القرارات بناءً على البيانات والمؤشرات، لا على الانطباعات.
قياس رضا المواطنين باعتباره مؤشرًا للأداء.
تمكين الموظفين من المبادرة والابتكار بدل الاكتفاء بالتنفيذ.
تعزيز التكامل بين الوزارات والمحافظات والهيئات المحلية لتقليل الازدواجية وتسريع الإنجاز.
المحافظات نموذجًا
في المحافظات الفلسطينية، يواجه المحافظ تحديات يومية تتعلق بالاقتصاد المحلي، والأمن المجتمعي، والاستثمار، والطوارئ، والخدمات، والتنسيق بين المؤسسات.
إذا ظل دور المحافظة مقتصرًا على التنسيق الإداري والاستجابة للأحداث، فإن أثرها سيبقى محدودًا، أما إذا أصبحت منصة للتخطيط، وتنسيق المبادرات، وحشد الشراكات، وتحليل البيانات، وقيادة التنمية المحلية، فإنها ستنتقل من إدارة الواقع إلى التأثير فيه.
وهذا التحول لا يتطلب دائمًا موازنات ضخمة، بقدر ما يتطلب رؤية واضحة، وأولويات محددة، وقيادة قادرة على تحويل الإمكانات المتاحة إلى نتائج ملموسة.
المواطن هو المعيار الحقيقي
نجاح المؤسسة الحكومية لا يقاس بعدد الموظفين ولا بحجم المبنى ولا بعدد الكتب الرسمية، وإنما بالإجابة عن أسئلة بسيطة:
هل أصبحت الخدمة أسرع؟
هل انخفضت تكلفة الحصول عليها؟
هل زادت ثقة المواطن بالمؤسسة؟
هل ساهمت المؤسسة في تحسين جودة الحياة أو دعم التنمية؟
إذا كانت الإجابة نعم، فهذا يعني أن المؤسسة تحقق رسالتها، حتى في ظل الظروف الصعبة.
فلسطين بحاجة إلى إدارة تصنع الأثر
الاحتلال يفرض قيودًا حقيقية، والأزمة المالية تؤثر في قدرة المؤسسات، لكنهما لا يمنعان تبني أساليب إدارية أكثر كفاءة ومرونة، فالتطوير الإداري اصبح ضرورة لتعظيم أثر الموارد المحدودة، وتعزيز ثقة المواطنين، وتحسين جودة الخدمات.
إن الإدارة العامة الجديدة لا تلغي أهمية النظام والإجراءات، لكنها تجعلها وسيلة لتحقيق نتائج أفضل، لا غاية بحد ذاتها.
فالسؤال الذي يجب أن يطرحه كل مسؤول اليوم ليس: “هل اتبعنا جميع الإجراءات؟”، بل: “هل أحدثنا فرقًا حقيقيًا في حياة الناس؟”
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.