
المجلس الوطني الفلسطيني… بين التجاذبات وضغوط المرحلة واستحقاق إنقاذ المشروع الوطني ، بقلم : احمد سليمان
لم يعد انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني مجرد موعد تنظيمي أو استحقاق إداري يمكن تأجيله أو ترحيله، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها أخطر مرحلة تمر بها القضية الفلسطينية منذ عقود. ففي ظل حرب الإبادة على قطاع غزة، والتوسع الاستيطاني غير المسبوق في الضفة الغربية، وتهويد القدس، واستهداف قضية اللاجئين، يجد الشعب الفلسطيني نفسه أمام تحديات وجودية تتطلب إعادة بناء القوة الوطنية وتعزيز مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وفي مقدمتها المجلس الوطني الفلسطيني بوصفه المرجعية التشريعية والسياسية العليا للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
تتعرض القضية الفلسطينية اليوم لضغوط دولية وإقليمية متصاعدة، تسعى إلى فرض وقائع سياسية جديدة وإعادة صياغة مستقبل القضية بما ينسجم مع مصالح الاحتلال وحلفائه. وفي المقابل، لا تقل الضغوط الداخلية خطورة، حيث ما زالت التجاذبات التنظيمية، وحسابات النفوذ، والخلافات الفصائلية، تلقي بظلالها على هذا الاستحقاق الوطني، وتؤخر تجديد المؤسسات في وقت يحتاج فيه الشعب الفلسطيني إلى قيادة موحدة ورؤية وطنية واضحة.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حركة تحرر وطني ليس الضغوط الخارجية فحسب، بل أن تتحول الخلافات الداخلية إلى عائق يمنعها من تجديد أدواتها ومؤسساتها. ومن هنا، فإن المجلس الوطني الفلسطيني يجب أن يكون مساحة للوحدة الوطنية، لا ساحة لتصفية الحسابات أو تكريس المحاصصة، وأن ينطلق من مبدأ أن فلسطين أكبر من الأشخاص، وأكبر من المواقع، وأكبر من المصالح الفئوية.
إن انعقاد المجلس الوطني اليوم ليس ترفاً سياسياً، بل رسالة إلى العالم بأن الفلسطينيين ما زالوا قادرين على حماية مؤسساتهم الوطنية، وتجديد شرعيتها، وصون قرارهم المستقل. كما أنه رسالة إلى أبناء الشعب الفلسطيني بأن منظمة التحرير الفلسطينية قادرة على استعادة دورها التاريخي باعتبارها البيت الجامع لكل الفلسطينيين، والإطار الذي يوحد طاقاتهم في مواجهة الاحتلال.
ولا يمكن لأي مجلس وطني أن ينجح ما لم يعكس حقيقة الشعب الفلسطيني بكل مكوناته، في الداخل والشتات، وما لم يفتح أبوابه أمام الكفاءات الوطنية، والشباب، والمرأة، وأصحاب الخبرة والإنجاز. فالشتات الفلسطيني، ولا سيما في أوروبا والأمريكيتين والعالم العربي، لم يعد مجرد امتداد جغرافي، بل أصبح قوة سياسية وإعلامية وقانونية ودبلوماسية مؤثرة، نجحت في نقل الرواية الفلسطينية إلى البرلمانات، والجامعات، والمحاكم، ووسائل الإعلام الدولية، وأثبتت أن الدفاع عن فلسطين لم يعد محصوراً داخل حدود الوطن.
إن المرحلة الراهنة تتطلب مجلساً وطنياً ينتج رؤية سياسية متماسكة، ويعزز وحدة الصف، ويعيد الاعتبار لمؤسسات منظمة التحرير، ويضع استراتيجية وطنية قادرة على مواجهة مشاريع الضم والاستيطان والتهجير، والتصدي لمحاولات تهميش القرار الفلسطيني أو الالتفاف على الحقوق الوطنية الثابتة.
إن معيار العضوية يجب أن يكون الكفاءة، والخبرة، والنزاهة، والقدرة على العطاء، بعيداً عن منطق المحاصصة أو المجاملة أو إعادة إنتاج الوجوه ذاتها دون تقييم للأداء. فالشعب الفلسطيني، الذي قدّم التضحيات الجسام، يستحق مؤسسات قوية تعبر عن تطلعاته، وتكون على مستوى حجم التحديات التي تواجهه.
اليوم يقف الفلسطينيون أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يكون انعقاد المجلس الوطني نقطة انطلاق نحو تجديد المشروع الوطني وتعزيز الوحدة واستعادة المبادرة السياسية، وإما أن يتحول إلى فرصة ضائعة تُعمّق حالة الجمود، وتمنح خصوم القضية مساحة أوسع لفرض أجنداتهم.
إن التاريخ لا يرحم المترددين، ولا يسجل إلا مواقف القادرين على الارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية. والمجلس الوطني الفلسطيني اليوم أمام اختبار حقيقي، ليس في موعد انعقاده فقط، بل في مضمونه، وتركيبته، وقراراته، وقدرته على استعادة ثقة الشعب الفلسطيني، وتحصين منظمة التحرير الفلسطينية، وتجديد مشروعها الوطني.
فالاستحقاق لم يعد استحقاق مؤتمر فحسب، بل استحقاق وطن… واستحقاق قضية… واستحقاق شعب يناضل منذ أكثر من سبعة عقود من أجل الحرية والاستقلال، وينتظر من مؤسساته أن تكون على قدر تضحياته وآماله.
- – احمد سليمان – حركة فتح
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.