2:53 مساءً / 25 يونيو، 2026
آخر الاخبار

“الغضب الشعبي” بين الحق القانوني والمسؤولية السياسية ، بقلم : الصحفي سامح الجدي

“الغضب الشعبي” بين الحق القانوني والمسؤولية السياسية ، بقلم : الصحفي سامح الجدي

تتعامل بعض الأطراف مع أي حالة غضب شعبي في غزة بوصفها مؤامرة أو امتداداً لأجندات خارجية، بينما تتعامل أطراف أخرى معها باعتبارها تفويضاً مفتوحاً لمشاريع سياسية قد لا تعبر بالضرورة عن مصالح المجتمع. وبين هذين الموقفين المتطرفين تضيع الحقيقة، وتتعطل القدرة على قراءة الواقع قراءة سياسية وقانونية متوازنة.

فمن الناحية الموضوعية، لا يمكن إنكار أن الغضب الشعبي في قطاع غزة هو نتيجة مباشرة لواقع استثنائي يعيشه السكان منذ سنوات، تفاقم بفعل الحرب والتهجير والتجويع والانهيار الاقتصادي والخدماتي. وعليه، فإن أي مقاربة سياسية مسؤولة يجب أن تبدأ بالاعتراف بوجود هذا الغضب وبمشروعية أسبابه، لا بالبحث عن تفسيرات جاهزة تنزع عنه صفته الشعبية أو تحوله إلى مجرد حالة مصطنعة.

أما من الناحية القانونية، فإن حق المواطنين في التعبير السلمي عن آرائهم ومطالبهم يُعد من الحقوق الأساسية التي أقرتها الشرائع الدولية ومبادئ حقوق الإنسان. ولا يجوز تجريم الاحتجاج السلمي أو وصم المشاركين فيه بصورة جماعية لمجرد اختلافهم مع السياسات القائمة أو مطالبتهم بتحسين أوضاعهم الإنسانية والمعيشية.

وفي الوقت ذاته، فإن الاعتراف بحق الاحتجاج لا يعني التغاضي عن محاولات استغلاله أو توظيفه لتحقيق أهداف سياسية أو فئوية لا تحظى بإجماع وطني. فالقانون يحمي حرية التعبير، لكنه لا يمنح أي جهة حق احتكار تمثيل الغضب الشعبي أو استخدامه لتحقيق مصالح خاصة.

إن الخطأ السياسي الأكبر يتمثل في اختزال المشهد بين معادلتين مبسّطتين: اعتبار كل معترض مشبوهاً أو عميلاً، أو اعتبار كل من يدعو إلى الاحتجاج ممثلاً للمصلحة الوطنية. فكلا الموقفين يفتقر إلى الدقة ويقود إلى مزيد من الاستقطاب والانقسام.

إن المسؤولية الوطنية تقتضي التمييز بين الحق المشروع للمواطنين في التعبير عن معاناتهم ومطالبهم، وبين أي محاولات لاستثمار هذه المعاناة في صراعات سياسية. كما تقتضي معالجة الأسباب التي ولّدت الغضب بدلاً من الاكتفاء بإدانة نتائجه أو التشكيك في دوافع أصحابه.

فالدول والسلطات والحركات السياسية لا تُقاس قدرتها بمدى نجاحها في إسكات الأصوات الغاضبة، بل بمدى قدرتها على الاستماع إليها والاستجابة لأسبابها. أما تجاهل الغضب الشعبي أو التعامل معه بمنطق التخوين، فإنه لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتوسيع الفجوة بين المجتمع والقوى التي تدّعي تمثيله.

وفي ظل الظروف الكارثية التي يعيشها أهل غزة، تبقى الحكمة السياسية والالتزام القانوني والأخلاقي مرهونة بالاعتراف بحق الناس في التعبير عن آلامهم، وبالعمل الجاد لمعالجة جذور الأزمة، حفاظاً على السلم الأهلي ووحدة المجتمع الفلسطيني وصموده في مواجهة التحديات الوجودية التي يتعرض لها.

شاهد أيضاً

الصين ترد على توضيحات هندوراس بشأن العلاقات مع منطقة تايوان الصينية

الصين ترد على توضيحات هندوراس بشأن العلاقات مع منطقة تايوان الصينية

شفا – (شينخوا) قال متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، اليوم (الخميس)، إن الصين لاحظت التوضيحات …