12:41 مساءً / 25 يونيو، 2026
آخر الاخبار

التعليم بين مدرسة الحيوانات ومدرسة المستقبل ، بقلم : د. فواز عقل

التعليم بين مدرسة الحيوانات ومدرسة المستقبل ، بقلم : د. فواز عقل

كان يا ما كان في قديم الزمان اجتمعت الحيوانات وقررت أن تقوم بعمل جديد استثنائي يساعدها على مواجهة العالم الجديد، ولذلك أنشأت مدرسة و هذه المدرسة اعتمدت في مناهجها على مجموعة من النشاطات مثل التسلق، السباحة، الجري و الطيران، و كان أول قرار أن تدرس جميع الحيوانات جميع المواد.


فالسنجاب مثلا متفوق بالتسلق لكنه شعر بالإحباط في حصة الطيران، لأن المعلم كان يطالبه أن يبدأ الطيران من الأرض إلى السماء بدلا من الانطلاق من قمم الجبال إلى الأسفل كما اعتاد وأصيب السنجاب بتشنج عضلي نتيجة الإجهاد والتعب المفرط فحصل على تقدير جيد في التسلق وضعيف في الجري.


أما البط فكان متفوقا جدا في السباحة بل كان أفضل من معلمه نفسه لكنه فقط حصل على درجة مقبول في الطيران وكان ضعيفا في الجري، و بسبب جريه البطيء اضطر إلى البقاء بعد انتهاء الدوام المدرسي للتعويض كما اضطر للتوقف عن ممارسة السباحة من أجل تحسين مهاراته في الجري و استمر على هذا الحال حتى تشوهت قدماه فأصبح مستواه عاديا بعد أن كان متميزا، لكن بما أن المستوى العادي كان مقبولا في المدرسة فلم يهتم أحد في الأمر باستثناء البطة نفسها.


أما الأرنب فقد بدأ العام الدراسي وكان في الصف الأول في الجري لكن أصيب بانهيار عصبي بسبب كثرة الدروس التعويضية في السباحة


أما النسر فقد اعتبر طالبا مشاغبا و تعرض لعقوبات شديدة، ففي درس التسلق كان يصل إلى قمة الشجرة قبل جميع الحيوانات لكنه كان يصر على استخدام طريقته الخاصة للوصول.


و في نهاية العام الدراسي حصل ثعبان البحر على أعلى معدل في الصف إذ كان يجيد السباحة بدرجة ممتازة كما كان قادرا على الجري و التسلق و الطيران بدرجة محدودة و لذلك تم اختياره لإلقاء كلمة المتفوقين في حفل التخرج


المفاجأة هنا أن كلاب البراري قاطعت المدرسة ورفضت دفع الضرائب المدرسية لأن إدارة المدرسة رفضت إضافة الحفر والجحور إلى المنهاج الدراسي، لذلك أرسلت أبناءها ليتعلموا عند حيوان الغريري ثم تعاونت مع الخلد وجرذان الأرض لتأسيس مدرسة خاصة ناجحة لهم.


القصة المذكورة قصة رمزية تنتقد الأنظمة التعليمية التقليدية التي كتبها جورج ريفيس Goegre H. Reavis قبل ثمانين عاما أي في أربعينيات القرن الماضي، هذه المدرسة رمز لنظام التعليم التقليدي التي تقوم على توحيد التعليم/معيار واحد للجميع/ الامتحانات و الاختبارات موحدة/تتجاهل الفروق الفردية /اتباع طريقة واحدة في التدريس و تفترض المدرسة أن النجاح يعني امتلاك جميع المهارات نفسها وبالمستوى نفسه و هذا يتعارض مع التربية الحديثة التي تؤكد على القدرات و الميول و أنماط التعلم و الخلفيات المختلفة ، و تؤكد القصة أن الاختلاف بين المتعلمين ليس نقطة ضعف بل مصدر قوة و تنوع و إبداع.


تنتقد القصة التعليم التقليدي الذي يعتمد على ثلاثية التعليم الحفظ والتلقين واسترجاع المعلومة والاختبارات الموحدة حيث يتم تقييم جميع المتعلمين بالطريقة نفسها بغض النظر عن القدرات الحقيقة.


ويقول ألبرت آينشتاين: كل شخص عبقري ولكن إذا حكمت على سمكة من خلال قدراتها على تسلق شجرة فستعيش طول حياتها وهي تعتقد أنها غبية.
ويتعارض نظام المدرسة مع ما أشار إليه الخليل ابن أحمد الفراهيدي: إذا علم المعلم جميع طلابه بنفس الطريقة لأمات قلوبهم.


ويظهر ذلك في القصة عندما تم معاقبة النسر رغم تفوقه لأنه لم يلتزم بالطريقة الرسمية للطيران و هذا يعكس خطورة التعليم التقليدي الذي يكافئ الانصياع للأوامر و الطاعة أكثر من الإبداع.


في مدرسة الحيوانات ، لم يكن الهدف من التعلم اكتشاف قدرات الحيوانات و تنميتها و تطويرها ، بل إجبارها على التكيف مع نموذج تعليمي واحد.
الدروس المستفادة من هذه القصة:


1-التنوع بين المتعلمين مصدر قوة
2-الإبداع يحتاج إلى بيئة تعليمية مرنة داعمة للقدرات الفردية
3-دور المعلم لا يقتصر على نقل المعرفة بل اكتشاف مواهب الطلاب و تنميتها
4-التعليم الحقيقي يكتشف القدرات ولا يقمعها.
5-العدالة لا تعني المساواة المطلقة بل إعطاء كل متعلم ما يناسبه.
6-الموهبة قد تضيع في البيئة التعليمية الخاطئة
7-ليس جميع المتعلمين متشابهين

هذه القصة تكشف خطورة التعليم التقليدي المتمثلة في محاولة صب جميع المتعلمين في قالب واحد متجاهلين ما يقال في التعليم لا يوجد مقاس واحد للجميع.

فالقصة ليست مجرد خرافة رمزية بل هي تحذير من الاستمرار في تجاهل الفروق الفردية و أنماط التعلم لأنه عندما يعامل جميع الطلاب بنفس المعايير تهمش المواهب و فردية الطالب و تتحول المدرسة إلى مصنع إنتاج نسخ متشابهة و تخريج جيوشا من الحفظة و هذا ما حدث مع الثعبان المائي الذي تفوق بمستوى قدراته ، عند ذلك يقع المبدعين في فخ الإحباط و التهميش، و هذا ما واجهته كلاب المروج حيث لم تجد لنفسها مكانا في منهج لا يحترم طبيعتها و قدرتها و هذا المنهج الصارم يؤدي كما أشار الخليل بن أحمد الفراهيدي إلى موت القلب و إطفاء شغف التعلم.


فالتعليم المعاصر يجب أن يتجاوز طريقة التعليم البنكي الذي أشار إليه باولو فريرو


في قوله عن تحويل العقل إلى وعاء تخزن فيه المعلومات لأن التعليم الحقيقي يبدأ عندما يشعر الطالب بأنه مقبول وبأنه مرئي من الجميع و قادر على التعبير عن نفسه دون خوف من المقارنة بالآخر أو العقاب عن الاختلاف، لذلك لا بد من تحويل المدرسة من فضاء للتنميط و الروتين و إنتاج نسخ متشابهة إلى فضاء التنوع و المرونة و احتضان الفروق الفردية إيمانا بما قاله باولو فريرو التعليم لا يغير العالم بل يغير الناس الذين سيغيرون العالم و إن هدف التعليم ليس خلق طالب جيد بل خلق مواطن جيد.
و أخيرا أقول، نحن التربويون المحاورين أصحاب اليقظة أصحاب البوصلة نصنع البوصلة لليوم التالي ولا ننتظرها.

  • – د. فواز عقل-متخصص في شؤون التعليم والتعلم

شاهد أيضاً

اللواء يوسف الحلو يقدم محاضرة حول العقيدة الأمنية وأثرها في رسم سياسة أمن الدولة

اللواء يوسف الحلو يقدم محاضرة حول العقيدة الأمنية وأثرها في رسم سياسة أمن الدولة

شفا – قدّم اللواء يوسف الحلو محاضرة متخصصة بعنوان “العقيدة الأمنية وأثرها في رسم سياسة …