9:07 مساءً / 14 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

من انتخابات المجلس التشريعي إلى إعادة بناء البيت الفلسطيني: أسئلة ما قبل نوفمبر ، بقلم : د. عماد سالم

من انتخابات المجلس التشريعي إلى إعادة بناء البيت الفلسطيني: أسئلة ما قبل نوفمبر ، بقلم : د. عماد سالم

مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في نوفمبر، يتزايد الحديث عن القوائم والمرشحين والتحالفات المحتملة، وتتعدد القراءات حول شكل المجلس القادم وطبيعة المرحلة التي ستليه.

لكنني أعتقد أن الانتخابات تستحق أن ننظر إليها من زاوية أوسع من مجرد المنافسة على المقاعد.

فالانتخابات في أي مجتمع ليست فقط وسيلة لاختيار ممثلين، وإنما إحدى أهم أدوات المشاركة الشعبية وتجديد الحياة السياسية وتعزيز الرقابة والتشريع، وفي الحالة الفلسطينية تأتي هذه الانتخابات في ظروف استثنائية تجعل مسؤولية الجميع أكبر، سواء كانوا مرشحين أو أحزاباً أو فصائل أو مستقلين أو ناخبين.

ومن هنا يبرز سؤال أراه مشروعاً:

كيف يمكن أن تكون الانتخابات المقبلة خطوة إضافية في تعزيز الوحدة الوطنية وتطوير مؤسساتنا وخدمة المواطن الفلسطيني؟

هذا السؤال لا يرتبط بشخص أو فصيل بعينه، وإنما ينطلق من الإيمان بأن المؤسسات الوطنية تتطور باستمرار من خلال المشاركة والانتخابات والقانون والحوار المسؤول.

الانتخابات إستحقاق وطني

من المهم ألا نفقد جوهر الانتخابات وسط النقاشات السياسية والإعلامية حول أسماء المرشحين.

المواطن الفلسطيني يريد أن يعرف: – ماذا سيقدم المجلس القادم؟

  • كيف سيقوم بدوره التشريعي والرقابي؟
  • كيف يمكن أن يسهم في معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية؟
  • كيف يمكن أن يدعم جهود إعادة الإعمار؟
  • كيف يمكن أن يكون أكثر قرباً من احتياجات الناس، وخاصة الشباب والخريجين والباحثين عن العمل؟

هذه الأسئلة ينبغي أن تكون في صدارة النقاش الانتخابي.

فالناخب لا يحتاج فقط إلى معرفة من سيكون في القائمة، وإنما يحتاج إلى معرفة ماذا ستفعل هذه القائمة إذا وصلت إلى المجلس؟

التحالفات ليست بالضرورة اصطفافات

من الطبيعي في أي انتخابات أن تتشكل قوائم وتحالفات تضم شخصيات من خلفيات وتجارب مختلفة.

وهذا أمر لا ينبغي النظر إليه دائماً باعتباره اصطفافاً ضد طرف أو لمصلحة طرف آخر.

فالتحالف الانتخابي يمكن أن يكون مساحة لتجميع الخبرات والكفاءات وتوسيع قاعدة المشاركة، طالما قام على برنامج واضح واحترام القانون وقواعد العملية الانتخابية.

ولهذا، فإن ما يُتداول من أسماء واتصالات بين شخصيات فلسطينية مختلفة، ينبغي أن يُقرأ بحذر وموضوعية.

لا أملك معلومات تبرر القول بوجود تحالف سياسي نهائي بين أي من هذه الشخصيات، كما أن مجرد تداول الأسماء لا يعني بالضرورة وجود اتفاق.

والأهم من ذلك أنني لا أرى أن النقاش ينبغي أن يتحول إلى تأييد شخص في مواجهة شخص آخر.

المعيار يجب أن يكون البرنامج، والكفاءة، والقدرة على خدمة المصلحة الوطنية.

لكل شخصية تجربتها… والحكم للناخب

من الطبيعي أن تختلف الشخصيات الفلسطينية في خبراتها وتجاربها وعلاقاتها السياسية.

هناك من يمتلك خبرة في الإدارة والاقتصاد والعمل الحكومي، وهناك من لديه تجربة سياسية وتنظيمية طويلة، وهناك شخصيات أكاديمية ومهنية ورجال أعمال وإعلاميون ومستقلون.

وهذا التنوع يمكن أن يكون مصدر قوة إذا جرى توظيفه في خدمة المصلحة العامة.

لكن لا ينبغي أن تتحول الانتخابات إلى استفتاء على الأشخاص.

الأفضل أن تكون فرصة أمام المواطن للمقارنة بين البرامج والكفاءات والرؤى، ثم اختيار من يراه أكثر قدرة على تمثيله.

الوحدة الوطنية تبدأ من احترام الاختلاف

لقد أثبتت التجربة أن المجتمع الفلسطيني لا يمكن أن يُدار بلون سياسي واحد.

وفي الوقت نفسه، فإن تعدد القوى والاتجاهات لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام دائم.

وهنا تكمن أهمية الانتخابات والحياة البرلمانية.

يمكن أن تختلف القوى السياسية في رؤيتها وبرامجها، لكنها تستطيع أن تلتقي تحت سقف القانون والمؤسسات والمصلحة الوطنية.

فالاختلاف السياسي ليس مشكلة بحد ذاته.

المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى قطيعة، أو عندما يصبح التنافس السياسي سبباً لتعطيل المؤسسات أو إضعاف قدرتها على خدمة المواطن.

ومن هنا فإن المجلس التشريعي القادم يمكن أن يكون مساحة للحوار والتشريع والرقابة، وأن يعكس التنوع السياسي والاجتماعي الفلسطيني، ضمن الإطار الوطني والقانوني القائم.

ما بعد الحرب يحتاج إلى شراكة واسعة

المرحلة المقبلة تحمل ملفات كبيرة.

إعادة الإعمار، ودعم الاقتصاد، ومعالجة البطالة، وتوفير فرص العمل، وتطوير التعليم والصحة، وتعزيز الخدمات العامة، ودعم الشباب، كلها قضايا تحتاج إلى جهود مشتركة.

ولا يمكن التعامل معها من خلال فصيل واحد أو قائمة واحدة أو شخصية واحدة.

هي مسؤولية مؤسسات الدولة، والقوى السياسية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والأكاديميين، والخبراء، وكل صاحب قدرة على الإسهام.

ومن هنا تأتي أهمية أن يكون المجلس القادم قادراً على الاستفادة من مختلف الكفاءات والخبرات الفلسطينية.

ماذا نريد من المرشح؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية بالنسبة للناخب.

نحن لا نحتاج إلى مرشح يَعِد الناس بكل شيء.

نحتاج إلى مرشح يعرف حدود دوره وصلاحياته، ويدرك أن عضو المجلس التشريعي ليس صاحب سلطة تنفيذية، وإنما نائب عن الشعب، ومهمته الأساسية التشريع والرقابة والمساهمة في رسم السياسات العامة.

نحتاج إلى من يراقب أداء الحكومة، ويدافع عن حقوق المواطنين، ويطرح القضايا التي تمس حياتهم اليومية، ويقترح التشريعات التي تساعد على معالجة المشكلات، ويكون صوته حاضراً عندما يتعلق الأمر بالمصلحة العامة.

والأهم أن يكون قادراً على ممارسة دوره دون أن يتحول إلى جزء من حالة الاستقطاب.

المستقلون يمكن أن يضيفوا مساحة جديدة

وجود المستقلين في الانتخابات لا يعني الوقوف ضد الفصائل أو القوى السياسية.

على العكس، يمكن للمستقل أن يكون جسراً إضافياً بين مختلف المكونات، وأن يقدم خبرته المهنية والأكاديمية والاجتماعية في خدمة العمل العام.

والاستقلالية لا تعني الحياد عن القضايا الوطنية، كما أنها لا تعني معارضة أي جهة.

إنها تعني ببساطة أن يكون معيار الموقف هو المصلحة العامة والقانون والقناعة المهنية والوطنية، لا الالتزام التنظيمي.

وهذا ما أراه مساحة مهمة يمكن أن يضيفها المستقلون إلى المجلس القادم.

نوفمبر فرصة للحوار لا للصراع

ربما يكون من المفيد أن نتعامل مع الانتخابات المقبلة باعتبارها فرصة لتطوير الممارسة السياسية، وليس مناسبة جديدة لتعميق الخلافات.

القوى السياسية لها حضورها وتجربتها ودورها، والشخصيات المستقلة لها دورها، والناخب هو صاحب القرار النهائي.

ولا ينبغي أن يُنظر إلى نجاح قائمة على أنه خسارة لقائمة أخرى، فالمعيار الحقيقي في النهاية هو قدرة المجلس المنتخب على القيام بمسؤولياته تجاه الشعب.

وقد يكون من الطبيعي أن تختلف القوائم في البرامج والأولويات، لكن المطلوب أن يبقى التنافس في إطار سياسي ديمقراطي مسؤول، يحترم الآخر ويحافظ على وحدة المجتمع.

السؤال الذي يستحق أن نطرحه

لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم قبل نوفمبر:

من سيشكل القائمة الأقوى؟

أو من سيتحالف مع من؟

بل:

كيف نريد أن يكون المجلس التشريعي القادم أكثر قدرة على تمثيل المواطن وخدمة القضية الوطنية وتعزيز سيادة القانون وتطوير المؤسسات؟

وإذا استطعنا أن نجعل هذا السؤال محور النقاش الانتخابي، فسنكون قد نقلنا الانتخابات من مجرد منافسة على المقاعد إلى ممارسة سياسية أكثر نضجاً.

أما الحديث عن أسماء الشخصيات والاحتمالات والتحالفات، فيبقى جزءاً طبيعياً من المشهد السياسي، لكن الحكم النهائي ينبغي أن يظل للمواطن ولصندوق الاقتراع وللأطر القانونية والمؤسساتية التي تنظم العملية الانتخابية.

وفي تقديري، فإن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى خصومات جديدة، ولا إلى البحث عن طرف ينتصر على طرف آخر.

بل تحتاج إلى توسيع المشاركة، واحترام التعدد، والاستفادة من الكفاءات، وتعزيز المؤسسات، والحفاظ على وحدة المجتمع، والعمل ضمن الإطار الوطني والقانوني.

فلسطين أكبر من الأشخاص، وأكبر من القوائم، وأكبر من الانتخابات نفسها.

والانتخابات الناجحة ليست التي يفوز فيها طرف على آخر فقط، وإنما التي يشعر بعدها المواطن أن صوته كان له أثر، وأن المؤسسات أصبحت أكثر قدرة على القيام بدورها.

ومن انتخابات المجلس يمكن أن تبدأ خطوة جديدة في تعزيز الشراكة الوطنية وبناء مؤسسات أكثر قوة وكفاءة، دون إقصاء أو تخوين أو استبدال طرف بآخر.

وهذا، في النهاية، هو الهدف الذي يستحق أن نتنافس من أجله.

  • – د. عماد سالم – خبير في التعليم والتدريب المهني والتقني والسياسات التعليمية والتنموية وسوق العمل .

شاهد أيضاً

الصين تحث الولايات المتحدة على التوقف عن تأجيج التوترات وإثارة المواجهة في بحر الصين الجنوبي

شفا – حثت الصين، اليوم الجمعة، الولايات المتحدة على التوقف عن تأجيج التوترات وإثارة المواجهة …