
بعضُ طرقِ النجاةِ تأتي على هيئةِ خيبة ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
ليست كلُّ خيبةٍ هزيمة، ولا كلُّ فقدٍ خسارة، ولا كلُّ بابٍ أُغلق في وجهك إعلاناً لنهاية الطريق. فكم من أمرٍ ظننّاه شرّاً لنا، فإذا به يحمل في طيّاته رحمةً خفيّةً لم تدركها أعيننا المحدودة، وكم من حلمٍ تبخّر أمامنا فبكينا عليه طويلاً ، ثم اكتشفنا بعد سنواتٍ أن الله صرفه عنّا ليمنحنا ما هو أجمل وأبقى وأعظم.
تقول إحدى الفلسفات اليابانية الجميلة: “إذا فاتتك الحافلة، فربما نجوت من حادثٍ كان ينتظرك، وإذا رُفضت في مكانٍ ما، فربما حُفظت من بيئةٍ لا تليق بك، وإذا رحل شخصٌ عن حياتك، فربما كان يفسح الطريق لمن يستحقّك حقّاً .” وهي كلماتٌ تختصر حكمة الحياة كلّها؛ فالأقدار ليست دائماً كما تبدو، والسطح ليس حقيقة العمق، وما نراه انكساراً قد يكون في الحقيقة بداية تشكّل جناحين جديدين.
إن الإنسان بطبيعته يتعلّق بما يريد، ويرسم للأحداث صورةً محددةً في ذهنه، فإذا جاءت الأقدار على غير ما اشتهى ظنّ أن الدنيا قد ضاقت عليه بما رحبت، وأن الحظ قد أدار له ظهره، وأن الأبواب كلها قد أُوصِدت في وجهه. لكنه ينسى أن الله سبحانه وتعالى يرى ما لا نرى، ويعلم ما لا نعلم، ويختار لنا من حيث لا نحسن الاختيار لأنفسنا.
كم من وظيفةٍ تمنّاها صاحبها ليل نهار، ثم حُرم منها، فامتلأ قلبه بالحسرة، ليكتشف لاحقاً أنها كانت ستسلبه راحته أو كرامته أو مستقبله. وكم من علاقةٍ تشبّث بها إنسان بكل ما يملك من مشاعر، ثم انتهت فجأة، فظنّ أن قلبه لن يلتئم أبداً ، فإذا بالأيام تهديه شخصاً أكثر وفاءً ورحمةً وصدقاً، فيدرك أن الرحيل لم يكن عقوبةً، بل كان حمايةً إلهيةً ارتدت ثوب الفراق.
إن بعض الطرق المغلقة تشبه الجدران التي يقيمها القدر أمامنا لا ليمنعنا من الوصول، بل ليغيّر اتجاهنا نحو الطريق الصحيح. فالبحر لا يوبّخ النهر عندما يغيّر مجراه، والريح لا تعتذر للأشجار عندما تدفعها إلى الانحناء، والطبيعة كلها تعلمنا أن التغيير ليس دائماً عدواً، بل قد يكون الوجه الآخر للنجاة.
أحياناً تكون الخيبة كالمطر الغزير الذي يهدم أعشاشاً هشةً ليجبر الطيور على بناء أعشاشٍ أقوى. وأحياناً تكون كعملية جراحية مؤلمة تستأصل ما يؤذينا لنواصل الحياة بصحةٍ أفضل. وأحياناً أخرى تأتي كعاصفةٍ تقتلع من حياتنا أشخاصاً ظننا أنهم سندٌ لنا، فإذا بهم كانوا أثقالاً تعيق تقدمنا وتسرق من أرواحنا نورها.
ولهذا فإن الناضجين لا يقيسون الأحداث بلحظتها، بل بنتائجها. فهم يعلمون أن الرواية لا تُحكم من الصفحة الأولى، وأن قيمة الرحلة لا تُعرف من أول منعطف، وأن الليل مهما طال لا يملك سلطة منع الفجر من القدوم. فالعبرة دائماً في النهايات، لا في العثرات التي سبقتها.
وما أجمل أن يمتلك الإنسان يقيناً راسخاً بأن الله لا يضيّع عباده، وأن ما كتبه له سيأتيه ولو تعثرت الطرق، وأن ما لم يُكتب له لن يناله ولو اجتمع العالم كله على منحه إياه. ذلك اليقين ليس استسلاماً، بل قوة داخلية تجعل الإنسان ينهض بعد كل سقوط، ويبتسم بعد كل انكسار، ويواصل السير رغم وعورة الطريق.
فإذا أغلقت الحياة أمامك باباً، فلا تقف طويلاً تبكي خلفه، بل ابحث عن نافذة، وإن لم تجد نافذة فاصنع واحدة. وإذا ضاقت بك السبل، فتذكّر أن أعظم الطرق في التاريخ لم تكن موجودةً قبل أن يصنعها أصحاب العزائم. فالأنهار لم تولد مجاريها جاهزة، بل شقّت طريقها عبر الصخور قطرةً بعد قطرة، حتى صنعت ودياناً عظيمةً وغيّرت ملامح الأرض.
لا تجعل خيبة اليوم تسرق منك أمل الغد، ولا تسمح لعثرةٍ واحدة أن تقنعك بأن الطريق انتهى. فربما كان ما فاتك نعمةً لم تدركها بعد، وربما كان ما كُسر في قلبك حمايةً لروحك، وربما كان التأخير الذي أقلقك إعداداً لعطاءٍ أكبر مما تتخيّل.
ثق بالله أولاً، ثم بنفسك ثانياً
. ثق أن لكل تأخير حكمة، ولكل منع عطاءً خفياً، ولكل خيبة رسالة، ولكل نهاية بداية جديدة. وعندما تنظر إلى حياتك بعد سنوات، ستكتشف أن كثيراً من الأشياء التي أبكتك يوماً كانت في الحقيقة أجمل أشكال النجاة، وأن بعض الأقدار التي حسبتها خساراتٍ كانت جسوراً سريةً قادتك إلى حيث ينبغي أن تكون.
فامضِ في طريقك مطمئنّاً ، واحمل قلباً مؤمناً بأن الله يدبّر الأمر كله بحكمةٍ تفوق إدراك البشر، وتذكّر دائماً أن بعض طرق النجاة لا تأتي على هيئة أبوابٍ مفتوحة، بل تأتي أحياناً على هيئة خيبةٍ ظننتها نهاية، فإذا بها بداية أجمل مما حلمت.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.