4:17 مساءً / 26 يوليو، 2026
آخر الاخبار

دَعْ عَنكَ لومي ، بقلم : غدير حميدان الزبون

دَعْ عَنكَ لومي ، بقلم : غدير حميدان الزبون

قال أبو نواس يومًا:
دعْ عنكَ لومي فإنَّ اللومَ إغراءُ
وداوِني بالتي كانت هي الداءُ
غير أنّ الأزمنة تتبدّل حتى يصبح البيت الشعري محتاجًا إلى مراجعة عندما يغدو الداءُ عرشًا، ويجلس الجلاد على كرسيّ الحكمة متوشّحًا بأقنعة الحضارة فعذرًا يا أبا نواس.
ولذلك أقول:
لقد بات الواقع أشدَّ مرارةً من أنْ تداويه استعارةٌ قديمة.
هذا المساء حلّ الليل مختلفا معاديا للأسودَ الذي يصنعه الرسامون.
أراه يتدرّج من رمادٍ كثيفٍ إلى زرقةٍ جريحة، لعلّ السماء نسيت لونها فوق كتف الأرض.
أسمعُ الريح تمشطُ الأشجار بأصابع مرتجفة، فيما تتسلّل من التراب رائحةٌ يصعب تفسيرها لشيء يشبه ذاكرةً عتيقةً كلما حاولوا دفنها خرجت أكثر عطرًا.
رأيتُ الطرقات تمشي على مهل، فالحجارة قد تعبت من حمل التاريخ فوق ظهورها، ورأيتُ الأبواب تحدّق في المارّة بعيون خشبية دامعة تنتظر أصحابًا تأخروا كثيرًا.
وفي آخر الأفق كانت شجرةٌ عجوز تسرّح شعرها الأخضر، وتخاطب الغيم بصوتٍ لا يسمعه إلا الذين يعرفون أنّ للأرض قلبًا يخفق تحت الطين، وأنّ التراب إذا أحبّ أبناءه صار أكثر قدرةً على إنبات الحكايات من إنبات السنابل.
أما اللون فطوبى وطيبٌ لأخضرَ صار صلاةً تتكئ على جذوع الأشجار، ولأبيضَ صار نافذةً تتنفّس منها الأرواح إذْ يضيق الهواء، ولأحمرَ صار توقيعًا يخطّه الشهداء الذاهبون إلى نومهم المقدّس كي لا يزوّر أحدٌ رواية الضوء، ولأسودَ خيّم عباءةً تخفي البذور حتى يحين موعد انبثاقها.
هناك…في تلك البقعة التي لا تحتاج إلى اسمٍ كي يعرفها القلب كانت الجبال ترفع هاماتها أمام حكماء العصر الصامتين، وكانت الوديان تحفظ أسرار العائدين، والسنابل تميل قليلًا كلما مرّت روحٌ نقية.
ذلك الوطن يا سادة، لا يظهر كاملًا على الخريطة، فهو ممتدٌّ حتى آخر الذاكرة.
يختبئ في رائحة الخبز، وفي خضرة الزيتون، وفي بياض الكوفية التي تغسلها الشمس، وفي حبر القصائد التي كلما مزّقها الطغاة أعادت الريح كتابتها على وجه السماء.
لهذا لا تطلبوا من الأرض أنْ تشرب النسيان، فهي تعرف أسماء أبنائها واحدًا واحدًا.
ولا تطلبوا من الحجر أنْ يعتذر عن صلابته، فقد تعلّم منذ البدء أنّ بعض القلوب لا يوقظها إلا صدى الصخر.
إنّ الغطرسة ضجيج عابر، أما الحقيقة فتسير حافيةً، بطيئةً، مطمئنةً، لكنها تصل دائمًا.
فلنصنعْ مساءً لذلك الوطن الذي لا يشيخ مهما حاولت السادية أنْ تكسوه بثياب العتمة؛ لأنّ الضوء هناك يسكن القلوب، والقلوب إذا آمنت بالأرض صارت هي الفجر.
وفي آخر الليل سيخفت ضجيج الحديد، وستبقى نافذة صغيرة مضيئة في آخر الحيّ.
وكلّما سأل طفلٌ: لمن هذا الضوء؟ قالت الجدّة: هذا ضوء الحكاية الذي لا يُطفئه الغياب، فما يُكتب على جدار القلب لا تمحوه الرياح.

شاهد أيضاً

وزير الثقافة يرعى الندوة التراثية "خيوط الهوية" في متحف الخليل العتيقة

وزير الثقافة يرعى الندوة التراثية “خيوط الهوية” في متحف الخليل العتيقة

شفا – رعى وزير الثقافة عماد حمدان الندوة التراثية “خيوط الهوية: الثوب الفلسطيني ذاكرة وطن …