
بين المبادئ والواقع.. فلسطين تحتاج إلى ما هو أبعد من المبادرات ، بقلم : محمد علوش
في مقال نشرته «جريدة القدس» للرفيق سون تشن سفير جمهورية الصين الشعبية لدى دولة فلسطين، بعنوان «حل القضية الفلسطينية يتطلب التمسك بالمبادئ مع الابتكار»، حيث تناول السفير رؤية الصين للأمن في الشرق الأوسط، وربطها بمبادرة الرئيس الصيني شي جينبينغ لإقامة إطار أمني جديد في المنطقة، وبمبادرة الحوكمة العالمية التي تقوم، وفقاً لما أورده المقال، على مبادئ المساواة في السيادة، واحترام القانون الدولي، والتعددية، ووضع الإنسان في المقام الأول، والتركيز على العمل الملموس.
ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة في ظل استمرار القضية الفلسطينية باعتبارها جوهر الصراع في المنطقة، وفي ظل عجز المجتمع الدولي، على مدى عقود، عن تحويل القرارات والمبادئ والقواعد القانونية التي أقرتها المؤسسات الدولية إلى واقع سياسي يضع حداً للاحتلال الإسرائيلي ويضمن للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية العادلة والمشروعة، ومن هذه الزاوية، فإن تأكيد السفير سون تشن أن القضية الفلسطينية لا يجوز تجاهلها أو تهميشها، وأن تحقيق الأمن الحقيقي في الشرق الأوسط يظل مرتبطاً بحلها، يمثل موقفاً سياسياً مهماً يستحق التقدير والنقاش.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة المبادئ أو إعادة التأكيد عليها، وإنما في كيفية الانتقال بها من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى الفعل والتأثير، فالشعب الفلسطيني لا يفتقر إلى المرجعيات الدولية التي تؤكد حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، ولا تنقصه القرارات الدولية التي تؤكد عدم شرعية الاحتلال والاستيطان، وتدعو إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق السلام، والمشكلة، ببساطة، أن هذه المبادئ والقرارات بقيت، في كثير من الأحيان، من دون آليات تنفيذ قادرة على إلزام الطرف الذي يرفضها أو ينتهكها.
ومن هنا، فإن الحديث عن «العمل الملموس»، الذي يشكل أحد المبادئ التي أشار إليها السفير الصيني في مقاله، هو تحديداً ما تحتاج إليه القضية الفلسطينية اليوم، فالمطلوب ليس إضافة مبادئ جديدة إلى سجل طويل من المبادئ والقرارات، وإنما إيجاد الإرادة السياسية والأدوات العملية التي تجعل تطبيق القانون الدولي ممكناً وفعّالاً.
لقد أثبتت التجربة أن إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ليست حلاً للصراع، وأن تأجيل القضايا الجوهرية تحت عناوين الأمن والاستقرار والمفاوضات المفتوحة لا يؤدي إلا إلى تراكم الأزمات وتعميقها، فالأمن لا يمكن أن يكون منفصلاً عن العدالة، والاستقرار لا يمكن أن يقوم على استمرار الاحتلال، والسلام لا يمكن أن يتحقق في ظل غياب الحرية والحقوق الوطنية، ولهذا، فإن أي تصور جديد للأمن في الشرق الأوسط ينبغي أن يبدأ من حقيقة أساسية: لا يمكن بناء أمن إقليمي مستدام مع بقاء القضية الفلسطينية من دون حل عادل، فالأمن ليس مجرد ترتيبات عسكرية أو تفاهمات بين الدول، وإنما هو، قبل كل شيء، شعور الشعوب بحقها في الحياة والحرية والأمان والكرامة والسيادة.
وإذا كانت الصين ترى أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية في الشرق الأوسط، فإن ذلك يضع أمامها مسؤولية سياسية تتجاوز التعبير عن الموقف المبدئي، فالصين دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، وتمتلك ثقلاً اقتصادياً وسياسياً متزايداً، ولها علاقات واسعة مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية، وهذه المكانة تمنحها فرصة حقيقية للانتقال من موقع الداعم السياسي إلى موقع أكثر فاعلية في الدفع نحو مسار دولي قادر على تحقيق نتائج ملموسة، ولا يعني ذلك أن تحل الصين محل الفلسطينيين، أو أن تنفرد بتحديد مستقبل القضية، وإنما أن تستخدم ثقلها الدولي من أجل دعم مسار متعدد الأطراف يعيد الاعتبار إلى القانون الدولي، ويضع حداً لسياسة ازدواجية المعايير، ويدفع باتجاه خطوات عملية وملزمة لإنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق الوطنية الفلسطينية، كما أن الربط بين الأمن والتنمية، وهو أحد الأبعاد التي تناولها مقال رفيقنا وصديقنا السفير الصيني، يجب أن يفهم في سياقه الصحيح، فالفلسطينيون بحاجة إلى التنمية وإعادة الإعمار وبناء اقتصاد قادر على توفير حياة كريمة، لكن التنمية لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحرية والسيادة، ولا يمكن بناء اقتصاد فلسطيني مستدام في ظل استمرار الاحتلال والسيطرة على الأرض والموارد والمعابر وحرية الحركة.
ومن هنا، فإن ما يسمى بالسلام الاقتصادي لا يمكن أن يحل محل السلام السياسي، كما أن تحسين الظروف المعيشية لا يمكن أن يكون تعويضاً عن الحقوق الوطنية، فالتنمية الحقيقية تحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة، وهذه البيئة لن تتحقق من دون إنهاء الاحتلال والوصول إلى حل سياسي عادل وقابل للحياة، ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من الطرح الصيني هو ضرورة الجمع بين المبادئ والواقعية السياسية، فالمبادئ وحدها لا تكفي، كما أن الواقعية السياسية التي تتجاهل حقوق الشعوب تتحول، في نهاية المطاف، إلى أداة لإدامة الصراع، والمطلوب هو واقعية تستند إلى القانون الدولي، وتبحث عن الوسائل العملية لتنفيذ القرارات القائمة، بدلاً من الالتفاف عليها أو استبدالها بمسارات مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة.
إن الشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى المزيد من التأكيدات بأن قضيته عادلة، فقد أثبت التاريخ ذلك، كما لا يحتاج إلى المزيد من البيانات التي تعترف بحقه في الدولة والاستقلال، ما يحتاج إليه هو مسار سياسي واضح ومحدد، مدعوم بإرادة دولية حقيقية، يضع حدًا للاحتلال، ويحمي المدنيين، ويوقف الاستيطان والتهجير، ويضمن إعادة الإعمار، ويفتح الطريق أمام قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وقابلة للحياة.
ومن هنا، يمكن للصين، بالتعاون مع الدول العربية والمجتمع الدولي، أن تسهم في بلورة مسار أكثر فاعلية يقوم على وقف الحرب وحماية المدنيين، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار، ثم إطلاق مسار سياسي جاد بجدول زمني واضح وضمانات دولية، بحيث لا تبقى المفاوضات هدفًا في حد ذاتها، وإنما وسيلة للوصول إلى نتيجة سياسية محددة.
لقد خاض الفلسطينيون، على مدى عقود، مسارات تفاوضية متعددة، وشهدوا كيف يمكن أن تتحول المفاوضات إلى عملية مفتوحة بلا نهاية، بينما تتغير الحقائق على الأرض بصورة متسارعة، ولذلك، فإن أي مبادرة جديدة يجب أن تستفيد من دروس الماضي، وأن تجعل من إنهاء الاحتلال وتحقيق الدولة الفلسطينية هدفاً محدداً، لا مجرد احتمال مؤجل، وإن الإشارة إلى أن القضية الفلسطينية لا تزال القضية المركزية في الشرق الأوسط هي خطوة مهمة، لكن الأهم هو بناء السياسات التي تجعل حلها ممكنًا، وإذا كانت الصين تدعو إلى التعددية واحترام القانون الدولي ووضع الإنسان في المقام الأول والتركيز على العمل الملموس، وهذا ما عهدناه منها ومن قيادتها تاريخياً، فإن القضية الفلسطينية تمثل الاختبار الأكثر وضوحاً لقدرة هذه المبادئ على التحول إلى واقع.
فلسطين لا تحتاج إلى مبادئ جديدة بقدر ما تحتاج إلى تطبيق المبادئ القائمة، ولا تحتاج إلى المزيد من القرارات بقدر ما تحتاج إلى آليات لتنفيذها، ولا تحتاج إلى إدارة الصراع إلى ما لا نهاية، وإنما إلى إرادة سياسية دولية تعالج أسبابه وجذوره.
إن الابتكار الحقيقي في التعامل مع القضية الفلسطينية لا يكمن في إعادة تعريف المشكلة، فالمشكلة معروفة، والحقوق معروفة، والمرجعيات معروفة، وإنما يكمن في ابتكار آليات سياسية ودبلوماسية وقانونية تجعل تنفيذ ما أقره المجتمع الدولي أمراً ممكناً.
وفي هذا السياق، يمكن للموقف الصيني أن يشكل عنصراً مهماً في أي جهد دولي جاد، إذا انتقل من التأكيد على المبادئ إلى المشاركة الفاعلة في صياغة آليات تنفيذها، ومن التعبير عن التضامن إلى ممارسة النفوذ السياسي الذي تمتلكه الصين في المحافل الدولية، فالسلام الذي تحتاج إليه المنطقة لن يكون سلاماً مستداماً إذا بقي الشعب الفلسطيني محروماً من الحرية والسيادة والعدالة، والأمن الإقليمي الذي لا يعالج أصل الأزمة سيظل أمناً هشاً وقابلاً للانفجار عند أول منعطف، ولذلك، فإن الطريق إلى أمن حقيقي ومستدام في الشرق الأوسط يمر حتماً من فلسطين، والطريق إلى السلام في فلسطين يبدأ بإنهاء الاحتلال، وتحقيق الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وتحويل المبادئ الدولية من نصوص وبيانات إلى واقع سياسي وقانوني ملموس.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.