
فلسفة بؤس العيد عربيا : هبوط الدولار وارتفاع الجراح ، بقلم : نسيم قبها
يتسلل العيد إلينا هذه المرة كضيف ثقيل الظل، يحمل في جيبه نفس الوعود المثقوبة والذكريات المعلبة. في فلسطين، حيث يتعثر فرح الأطفال بحجارة الحوائط العازلة، وفي بقاع العالم العربي حيث تتزين الشوارع بأضواء خافتة كأنها تضيء مقابر جماعية للأحلام. ها نحن نقارن العيد الحالي بالسنين الخالية، نجد أنفسنا أمام لوحة قاتمة تزداد سواداً مع كل تمريرة سريعة للتقويم.
لطالما كان العيد مرآة تعكس حقيقة المجتمعات العربية: ثياب جديدة للأطفال كانت تغطي جراح الفقر، وحلويات تفوح منها رائحة التحدي، وزيارات عائلية أشبه بمسيرات سياسية صامتة. أما اليوم، فالمشهد يختلف: الأطفال يسألون عن معنى العيد في زمن لا يفرق بين الأضحى والجمعة السوداء، والأمهات يحسبن تكاليف الكعك بالدولار العائم في مهب الريح.
وهنا تكمن المفارقة الفلسفية الكبرى: إن هبوط سعر الدولار الذي كان من المفترض أن يكون بشرى للمواطن العربي الفقير، تحول إلى كابوس إضافي. كيف لا وهو يسقط متعاوناً مع كل القوى التي تتآمر على بهجتنا؟ في فلسطين المحتلة، حيث العملات الثلاث تتقاتل على جيب المواطن، نجد أن الدولار حين يهبط فإن الشيكل يطير نحو عنان السماء في لعبة كرنفالية غريبة. إنه يشبه تلك النكتة الفلسطينية السوداء: خسرنا كل شيء، حتى قيمة خسائرنا انخفضت.
لنتأمل فلسفة البؤس العيديّ هذه: منذ سنوات، كان ارتفاع الدولار كابوساً يلتهم القدرة الشرائية. وكنا نتمنى لو يهبط لنشتري قليلاً من الفرح الرخيص. واليوم، إذ يهبط الدولار فعلاً، نكتشف أن جيوبنا كانت أصلاً فارغة من العملات الصعبة التي يمكن أن نستفيد من هبوطها. إنه كمن يحلم أن تصبح سيارات الليموزين رخيصة، لكنه ينسى أنه لا يملك ثمن إطار عربة يدوية. هذه سخرية القدر العربية: نعاني من ارتفاع سعر صرف الخبز، وعندما ينخفض، نكتشف أننا فقدنا القدرة على المضغ.
في لبنان المنكوب، حيث العيد يأتي محملاً برائحة البارود المصرفي، نرى هبوط الدولار يتحول إلى نكتة تاريخية. الليرة اللبنانية التي كانت تساوي 1500 ليرة للدولار، أصبحت الآن إن كنت محقا بين 90 ألفاً و100 ألف في نزهة متواصلة، وعندما يهبط الدولار قليلاً، يحتفي السياسيون كمن اكتشفوا البارود، بينما الناس تبحث عن الخبز الذي أصبح عملة أصعب من الذهب.
أما في مصر، فالعيد يأتي مع تراجعات الدراما وانخفاضات العملة المتتالية. وهبوط الدولار هنا يشبه سمكة تحاول السباحة عكس التيار في نهر جاف: مجرد سراب بصري. ففيما يعلن المحللون انخفاض الدولار، ترتفع أسعار كل شيء آخر في سباق محموم نحو عنان السماء. العيد المصري الذي كان يُعرف بـ”عيدية” الأطفال، أصبح الآن يُعرف بـ”عَيدِيّة” الظروف المعيشية التي تضرب الأب قبل الابن.
في سوريا واليمن والعراق، حيث الحرب جعلت من التقويم القمري نكتة دامية، يأتي العيد كموعد سنوي لقياس مدى القدرة على الاحتمال. الدولار حين يهبط هناك، لا يهبط إلا ليتخذ قفزة جديدة نحو الأعلى، كرياضي أولمبي مدرب على القفز الحزين. الناس أصبحوا خبراء في سوق الصرافة أكثر من كونهم خبراء في الفرح.
إن فلسفة البؤس العيديّ في عالمنا العربي ( الحنوبي ) تكمن في هذه المفارقة الكبرى: نحن نريد العيد فرحاً، لكن الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية تتآمر لتحويله إلى امتحان شهري في الصبر. الاحتلال في فلسطين يسرق القدس ويبيعها للسياح في العيد، والنظم السياسية العربية توزع التهاني بينما توزع الموازنات على الجيوش أكثر من المواطنين، والمجتمعات تتفكك أكثر فأكثر تحت وطأة الفقر والجهل.
هبوط سعر الدولار لم يعد حدثاً اقتصادياً بقدر ما أصبح حدثاً فلسفياً وجودياً: إنه يذكرنا بأننا نعيش في زمن انقلبت فيه كل المعادلات. كنا نظن أن الدولار هو العدو الأكبر، ثم اكتشفنا أن عدونا الحقيقي هو ذلك الشعور بالفجيعة الوطنية عندما ينخفض الدولار فنعرف أن الأزمة قد عمقت جراحنا أكثر.
أيها القارئ العربيّ المنحوت ، لا تنتظر من العيد أن يفرحك إذا لم تقرر أنت أن تصنع من البؤس حكاية تستحق أن تروى. لا تنتظر من الدولار أن ينخفض أو يرتفع ليكون مبرراً لضحكتك. العيد في فلسطين والعالم العربي اليوم هو تحدٍ فلسفي يتجلى في القدرة على الابتسامة بين الأنقاض، وشراء قطعة حلوى واحدة ومشاركتها مع الجيران وكأنها عيدية الكون بأسره. ربما يكون بؤس العيد هو آخر ما تبقى من شرفنا الوطني، لأنه يذكرنا بأننا مازلنا نشعر، مازلنا نقارن، مازلنا نتألم. وهذا الإحساس بالألم هو بالضبط ما يميز الأحياء عن الأموات. فليكن العيد إذاً، عيدكم حزناً مشتركاً يتحدى كل الدولارات الهابطة والصاعدة، ويعلن في النهاية أن الإنسان العربي ما زال قادراً على كتابة فلسفة البؤس بقلم من قصب على جدار هدمته الدبابات.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.