
الاستقالة من فتح… هروب من المسؤولية أم تخلي عن التاريخ و النضال ، بقلم : محمود جودت محمود قبها
ليست حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح مجرد إطار تنظيمي عابر في التاريخ الفلسطيني وليست حزبا سياسيا نشأ في ظروف عادية ثم ارتبط بمرحلة زمنية وانتهى أثره بانتهائها بل هي حالة وطنية ثورية متجذرة في وجدان الشعب الفلسطيني صنعت الهوية الوطنية المعاصرة وحملت البندقية حين كان العالم يتعامل مع القضية الفلسطينية كملف إنساني للاجئين لا كقضية شعب يناضل من أجل الحرية والاستقلال.
ومنذ انطلاقتها المجيدة عام 1965 دفعت فتح آلاف الشهداء والأسرى والجرحى وقدمت قادتها مقاتليها في ميادين الكفاح الوطني من الكرامة إلى بيروت ومن الانتفاضة إلى معركة تثبيت القرار الوطني الفلسطيني المستقل لذلك فإن الحديث عن الاستقالة من فتح لا يمكن التعامل معه بقرار تنظيمي بسيط أو موقف انفعالي مؤقت بل هو سؤال يرتبط بمعنى الانتماء ذاته، وبطبيعة العلاقة بين الإنسان وتاريخه الوطني و النضالي.
الاستقالة من فتح ليست مجرد مغادرة إطار تنظيمي بل قد تتحول ــ في بعض الحالات ــ إلى انسحاب من المسؤولية الوطنية أو تخلي عن الإرث الثوري الذي صنعته أجيال كاملة من المناضلين وهنا يبرز السؤال الجوهري هل الاستقالة من فتح تعبير عن موقف إصلاحي مشروع؟ أم أنها هروب من المسؤولية الوطنية والتنظيمية في لحظة تحتاج فيها الحركة إلى أبنائها أكثر من أي وقت مضى؟
فتح… تاريخ من التضحية والانتماء حين تأسست حركة فتح لم تكن تمتلك المال ولا السلطة ولا الاعتراف الدولي بل امتلكت الإيمان بفلسطين والإرادة الثورية التي رفضت الهزيمة والاستسلام حملت فتح مشروع التحرر الوطني الفلسطيني وأعادت الاعتبار للشخصية الوطنية الفلسطينية بعد سنوات طويلة من الضياع والتهميش.
لقد كانت فتح مدرسة وطنية جامعة احتضنت أبناء الشعب الفلسطيني بكل أطيافهم وانتماءاتهم الاجتماعية والفكرية ووحدتها تحت راية فلسطين لم تسأل المناضل عن منطقته أو عشيرته أو طبقته الاجتماعية بل كان معيارها الوحيد ماذا قدمت لفلسطين؟
ومن رحم فتح خرج القادة الشهداء والأسرى والمقاتلين وبرزت شخصيات وطنية صنعت تاريخ القضية الفلسطينية وفي مقدمتهم الشهيد القائد ياسر عرفات الذي شكل رمزا وطنيا و ثوريا عالميا وقاد المشروع الوطني الفلسطيني لعقود طويلة.
إن من ينتمي إلى فتح لا ينتمي إلى مؤسسة إدارية فحسب بل ينتمي إلى تاريخ طويل من النضال والتضحيات والبطولات ولذلك فإن العلاقة مع فتح يجب أن تبنى على أساس الانتماء الوطني العميق لا على المصالح الشخصية أو الحسابات الآنية الضيقة.
بين النقد المشروع بالاستقالة لا توجد حركة سياسية أو ثورية تخلو من الأخطاء أو الأزمات أو التحديات وفتح باعتبارها حركة جماهيرية كبرى ليست استثناء من ذلك فمن الطبيعي أن تظهر داخلها خلافات تنظيمية أو اختلافات في الرؤى أو حتى حالات من الإحباط لدى بعض الكوادر خصوصا في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها الشعب الفلسطيني سياسيا و وطنيا .
لكن الفارق كبير بين النقد البناء الذي يسعى إلى الإصلاح والتطوير وبين الانسحاب الكامل من المسؤولية التنظيمية والوطنية الحركات الثورية لا تبني بالمواقف الانفعالية بل بالصبر و التراكم والعمل الداخلي والإيمان بالمشروع الوطني.
إن الاستقالة في لحظة الخلاف قد تبدو للبعض موقفا احتجاجيا لكنها في كثير من الأحيان تعكس حالة من فقدان القدرة على المواجهة والصمود والمناضل الحقيقي لا يهرب من التحديات بل يواجهها ويساهم في تصويب المسار من داخل الحركة لا من خارجها لقد مرت فتح بمحطات أصعب بكثير مما نعيشه اليوم من حصار واغتيالات و انشقاقات وحروب لكنها بقيت صامدة لأن أبناءها الحقيقيين تمسكوا بها باعتبارها البيت الوطني الجامع لا مجرد موقع تنظيمي مؤقت.ذب
المسؤولية الوطنية في زمن التحديات تمر القضية الفلسطينية اليوم بمرحلة بالغة الخطورة في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي وتصاعد الاستيطان ومحاولات تصفية القضية الوطنية والانقسام الداخلي إضافة إلى التحديات الإقليمية والدولية المعقدة.
وفي مثل هذه الظروف تصبح المسؤولية الوطنية مضاعفة على أبناء فتح باعتبارها العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني والحركة التي قادت النضال الفلسطيني لعقود طويلة إن ترك الحركة أو الانسحاب منها في هذه المرحلة لا يخدم المشروع الوطني بل قد يضعف الحالة التنظيمية والوطنية في وقت تحتاج فيه الحركة إلى الوحدة والتماسك فتح لم تكن يوما ملكا لأشخاص أو قيادات بعينها بل هي ملك لكل الشهداء والأسرى والمناضلين الذين صنعوا تاريخها بدمائهم وتضحياتهم.
ومن هنا فإن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي من كل كادر فتحاوي أن يتحمل مسؤوليته التاريخية وأن يعمل على تعزيز وحدة الحركة وتماسكها لا أن يغادر الميدان عند أول أزمة أو خلاف الاستقالة قد تكون سهلة أما البقاء والصمود وتحمل المسؤولية فهو الامتحان الحقيقي للانتماء الوطني والثوري.
فتح ليست منصبا… بل قضية وطن من الأخطاء الخطيرة أن يربط البعض علاقته بفتح بمنصب تنظيمي أو موقع إداري أو مصلحة شخصية فتح أكبر من المواقع وأعمق من الحسابات الفردية لأنها ارتبطت منذ تأسيسها في فلسطين ذاتها المناضل الفتحاوي الحقيقي يبقى وفياً للحركة سواء كان في موقع القيادة أو في الصفوف الأولى أو حتى بعيدا عن الأضواء لأن معيار الانتماء ليس المنصب بل الالتزام الوطني.
لقد قدم آلاف الفتحاويين حياتهم فداء لفلسطين دون أن ينتظروا مكافأة أو امتياز أو لقبا تنظيميا وكانوا يدركون أن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن فيما يقدمه لوطنه لا فيما يحصل عليه من مكاسب شخصية ولذلك فإن من يهدد بالاستقالة عند كل خلاف أو استحقاق تنظيمي عليه أن يسأل نفسه هل كان انتماؤه قائما على الإيمان بفلسطين وفتح؟ أم على حسابات مرتبطة بالموقع والمصلحة؟ إن الحركات الثورية تقاس بقدرتها على تجاوز الأزمات لا بالهروب منها وبقدرة أبنائها على التضحية والثبات لا بالانسحاب والانفعال.
فتح وتجديد الذات الدفاع عن فتح لا يعني تجاهل الأخطاء أو رفض النقد بل على العكس فإن قوة الحركة تكمن في قدرتها على مراجعة تجربتها وتطوير أدائها وتجديد مؤسساتها وضخ دماء جديدة في بنيتها التنظيمية الحركات التي لا تتجدد تموت وفتح التي استطاعت البقاء لعقود طويلة رغم كل المؤامرات والتحديات قادرة أيضا على النهوض والتطوير واستعادة زخمها الوطني والثوري.
لكن الإصلاح الحقيقي لا يتم عبر الهدم أو التخوين أو الانسحاب بل من خلال الحوار والعمل والتنظيم والإيمان بالمشروع الوطني فكل فتحاوي يمتلك رأيا أو رؤية إصلاحية عليه أن يحولها إلى فعل إيجابي داخل الحركة لا إلى حالة يأس أو قطيعة إن المرحلة الحالية تتطلب خطابا وحدوياً وطنيا مسؤولا يعزز من مكانة الحركة ودورها التاريخي ويعيد الاعتبار للقيم الثورية التي قامت عليها فتح منذ انطلاقتها الأولى.
ستبقى فتح عنوانا للنضال الوطني الفلسطيني مهما اشتدت الأزمات وتعاظمت التحديات لأنها ليست مجرد تنظيم سياسي بل تاريخ شعب وثورة وطن وقصة تضحيات لا تنتهي أما الاستقالة من فتح فإنها قد تبدو للبعض موقفاً شخصياً لكنها في كثير من الأحيان تعكس انسحابا أن ساحة المسؤولية الوطنية في لحظة تحتاج فيها فلسطين إلى كل أبنائها الأوفياء الانتماء الحقيقي لا يختبر في أوقات الراحة بل في لحظات الصعوبة والتحدي.
المناضلون الحقيقيون هم الذين يبقون في الميدان يدافعون عن حركتهم و يصححون أخطائهم و يتمسكون بتاريخها و ثوابتها الوطنية مهما اشتدت الظروف وستظل فتح كما كانت دائما حركة الشعب الفلسطيني و حارسة المشروع الوطني وراية الثورة التي لا تنكسر مهما حاول البعض الابتعاد أو الانسحاب لأن الأوطان لا تبني بالاستقالات بل بالصمود والإيمان والتضحية.
باحث في درجة الدكتوراه في العلوم و العلاقات الدوليه
ابن العاصفة
ابن الشبيبة الفتحاوية
د. محمود جودت قبها
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.