
تطوير الإدارة الذكية للمياه يحمل آفاقا واعدة ، بقلم : تيان جيانينغ
يشكل شح المياه تحديا إنمائيا مشتركا تواجهه المناطق القاحلة. ومع تسارع المملكة العربية السعودية في تنفيذ خطة “رؤية 2030″، أصبح التحول الأخضر في قطاع المياه أولوية وطنية، في حين راكمت الصين، عبر سنوات من الابتكار والممارسة، خبرات متقدمة في مجالات ترشيد استخدام المياه، وتحلية مياه البحر، وإدارة المياه الذكية. واليوم، بدأت حلول صينية متكاملة، صُممت خصيصًا للبيئات الصحراوية ذات درجات الحرارة المرتفعة والملوحة العالية، تجد طريقها إلى السوق السعودية، لتفتح آفاقا جديدة للتعاون الاقتصادي بين البلدين تتجاوز قطاع الطاقة التقليدي.
وشهد عام 2026 تسارعًا ملحوظًا في التعاون الصيني السعودي في قطاع المياه، بالتزامن مع تقدم التعاون الصناعي والابتكار التكنولوجي. وعلى مستوى الشركات، وقعت شركة لونغجي للطاقة الخضراء مذكرة تعاون استراتيجي مع الهيئة السعودية للمياه للتعاون في مجالات الطاقة النظيفة، ورقمنة إدارة المياه، والتوطين الصناعي، والابتكار التكنولوجي، بما يعزز دمج تقنيات الطاقة الشمسية الكهروضوئية، وتخزين الطاقة، والذكاء الاصطناعي في مشاريع البنية التحتية للمياه. في غضون ذلك، قادت شركة جيانغسو يونايتد ووتر تحالفا فاز بمشروع طويل الأجل لتشغيل وصيانة محطات معالجة مياه الصرف الصحي لصالح الشركة الوطنية السعودية للمياه، حيث تولت الشركة تحديث وتجديد تسع محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي تغطي ثماني مدن في أربع محافظات، وقدمت خدمات التشغيل والصيانة لمدة 15 عاما، مقدمة بذلك “حلا صينيا” لتحسين قدرة معالجة مياه الصرف الصحي المحلية وإعادة تدوير موارد المياه.
كما تتواصل الشراكة البحثية بوتيرة متصاعدة. فقد وقع وفد الهيئة السعودية للمياه مذكرة تفاهم مع معهد تسينغهوا للبحوث والابتكار البيئي، واتفاقية بحثية مع مركز أبحاث العلوم البيئية بالأكاديمية الصينية للعلوم (RCEES)، للتعاون في تطوير الأغشية والمواد المتقدمة المستخدمة في تحلية المياه، والبحث في تقنيات معالجة المياه الصديقة للبيئة، إلى جانب تنفيذ مشاريع بحثية مشتركة، وتبادل الباحثين والخبراء، بهدف تطوير تقنيات أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة وأقل أثرًا على البيئة. كما أجرى الوفد مباحثات مع جامعة شمال غربي بوليتكنيك والمعهد الصيني لأبحاث المناطق القطبية (PRIC) حول تطبيقات الاستشعار عن بعد بالأقمار الصناعية ومراقبة الموارد المائية، بما يمهد الطريق لبناء منظومات أكثر ذكاءً لإدارة المياه في المستقبل.
لا تنبع القدرة التنافسية للصين في مجال تكنولوجيا المياه من المختبرات، بل من الممارسة طويلة الأمد في المناطق القاحلة. وتُعدّ شينجيانغ خير مثال على ذلك. ففي محيط صحراء تكلامكان، تشكّل نموذج شامل يجمع بين توليد الطاقة الكهروضوئية وتحلية المياه المالحة والري بالتنقيط الذكي. وتستكشف محافظة باتشو إمكانية استخدام الكهرباء الخضراء لتحلية المياه والزراعة في الأراضي الصحراوية، بهدف توظيف الكهرباء لتعزيز المياه واستخدام المياه لمكافحة التصحر. كما أنشأت تشانغجي وهوتان وغيرهما من المناطق أنظمة ري رقمية متكاملة، مستخدمة تقنيات مثل نظام بيدو للملاحة وإنترنت الأشياء لتحقيق ري دقيق، ما يحسن كفاءة استخدام موارد المياه بشكل فعال. وتتوافق هذه التجارب الناضجة، التي طورت في بيئات حارة وجافة وقلوية، بشكل كبير مع الظروف الطبيعية للسعودية، ما يوفر مسارا تقنيا قابلا للتطبيق للشركات الصينية الراغبة في دخول سوق الشرق الأوسط.
والأهم من ذلك، أن الصين لم تعد تصدر أجهزة منفردة، بل حلولا متكاملة للمياه الذكية. من منصات التوأم الرقمي إلى الجدولة الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومن روبوتات الفحص إلى سفن المراقبة غير المأهولة، أنشأت الصين سلسلة صناعية متكاملة تغطي إمدادات المياه والصرف الصحي ومعالجة مياه الصرف الصحي وإدارة العمليات. وتشهد ممارسات المياه الذكية في بكين وتشنغدو ومدن أخرى تطورا ملحوظا، وبدأت الشركات ذات الصلة بتصدير قدرات النمذجة الرقمية والتشغيل منخفض الكربون والإدارة الذكية إلى السعودية، مما يسهم في تحسين كفاءة أنظمة المياه في المنطقة.
وبالنظر إلى المستقبل، تتجاوز أهمية التعاون الصيني السعودي في مجال المياه السوق الثنائية. فبناءً على مبادرة الحزام والطريق، من المتوقع أن تُعمم الحلول التي طورها الجانبان معاً، مثل تحلية مياه البحر بالطاقة الشمسية، ومعالجة مياه الصرف الصحي الذكية، والري الذكي الموفر للمياه، لتشمل المناطق التي تعاني من ندرة المياه في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأفريقيا. ومع استمرار تطور التكنولوجيا الصينية وتعميق التعاون بين الحكومات والجامعات ومراكز البحث والشركات في البلدين، من المتوقع أن يصبح التعاون في مجال المياه ركيزة جديدة للتعاون الاقتصادي الصيني السعودي، ومحركًا واعدًا للنمو إلى جانب الشراكة التقليدية في قطاع الطاقة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.