
غسان نايف قبها… صوتُ الإنسانية في زمن التحولات الكبرى ، رجلُ المؤسسات والميدان والانتماء الوطني ، بقلم : محمود جودت محمود قبها
في المشهد الفلسطيني المزدحم بالتحديات والتحولات الكبرى، تبرز شخصياتٌ استطاعت أن تصنع حضورها لا عبر الخطابة وحدها؛ بل من خلال تراكم الفعل الوطني والخدمة العامة والانحياز الدائم للناس في تفاصيل حياتهم اليومية، ومن بين هذه النماذج الوطنية يبرز اسم غسان نايف قبها بوصفه واحدًا من الوجوه التي تشكلَّت تجربتها في قلب المعاناة الفلسطينية، حيث لا يكون العمل العام ترفًا سياسيًا؛ إنما مسؤولية وطنية وأخلاقية تتطلّب الصبر والحكمة والقدرة على الثبات وسط ظروف بالغة التعقيد، فمنذ سنوات طويلة ارتبط اسم غسان قبها بخدمة المجتمع الفلسطيني، سواء عبر عمله في المؤسسات الرسمية، أو من خلال حضوره في العمل التنظيمي والبلدي والرياضي، حتى أصبح نموذجًا للشخصية الوطنية التي جمعت بين الانتماء السياسي العميق والرؤية التنموية القريبة من هموم الناس، واستطاعت أن تحافظ على حضورها بثبات في بيئة فلسطينية مليئة بالضغوط والتحولات والانقسامات.
لقد تشكلت تجربة غسان قبها في بيئة فلسطينية خاصة وقاسية في آنٍ واحد، وهي بيئة بلدة برطعة الواقعة خلف جدار الفصل العنصري، تلك البلدة التي تحوّلت إلى عنوان يومي لمعاناة الفلسطيني مع الاحتلال والحصار وتقييد الحركة وتفكيك الجغرافيا الاجتماعية والاقتصادية، وفي مثل هذه البيئات لا يكون العمل البلدي مُجرد إدارة للمرافق والخدمات؛ بل يصبح فعلًا وطنيًا مرتبطًا مباشرة بصمود الناس وقدرتهم على البقاء والاستمرار، ومن هنا جاءت تجربة غسان قبها في رئاسة بلدية برطعة مختلفة في مضمونها عن المفهوم التقليدي للإدارة المحلية، إذ تعامل مع البلدية باعتبارها خط الدفاع الأول عن كرامة المواطن الفلسطيني، ومؤسسةً يجب أن تكون قادرة على حماية المجتمع من آثار العزل والتهميش والاختناق الاقتصادي والاجتماعي الذي فرضه الاحتلال على المنطقة، لقد أدرك مبكرًا أن المواطن الفلسطيني لا ينتظر الشعارات بقدر ما ينتظر من يخفف عنه عبء الحياة اليومية، لذا؛ انحازت تجربته دائمًا إلى العمل الميداني والمتابعة المباشرة لقضايا الناس، سواء في البنية التحتية أو الخدمات أو احتياجات الشباب أو الملفات الاجتماعية والاقتصادية.
وفي ظل الظروف المعقدة التي تعيشها المناطق الفلسطينية المحاصرة، برزت شخصية غسان قبها بوصفها شخصية تمتلك قدرة واضحة على إدارة الأزمات والتعامل مع الضغوط بعقلية متوازنة تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الواقعية والطموح، فقد كانت برطعة، بحكم موقعها الجغرافي والسياسي، تواجه تحديات استثنائية تتعلق بالحركة والمعابر والاقتصاد والخدمات، إضافة إلى الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة وسياسات التضييق المستمرة بحق السكان، ومع ذلك، استطاع قبها أن يحافظ على حالة من الاستقرار الإداري والخدمي، وأن يرسخ مفهوم العمل الجماعي داخل البلدية والمؤسسات المحلية، وأن يفتح أبواب التعاون مع مختلف الجهات الرسمية والوطنية بما يخدم مصلحة المواطنين ويعزز صمودهم فوق أرضهم، ولم يكن حضوره في الميدان حضورًا بروتوكوليًا أو إعلاميًا عابرًا؛ بل كان امتدادًا لفكرة راسخة لديه مفادها أن المسؤول الحقيقي هو الذي يبقى قريبًا من الناس في لحظات الأزمات قبل لحظات الإنجاز.
كما أن تجربة غسان قبها في وزارة الشباب والرياضة، حيث شغل منصب وكيل مساعد، أضافت إلى شخصيته بعدًا وطنيًا ومؤسساتيًا مهمًا، إذ تعامل مع ملف الشباب الفلسطيني باعتباره أحد أهم ميادين معركة الوعي والبناء الوطني، فالشباب الفلسطيني، في ظلّ الاحتلال والانقسام والظروف الاقتصادية الصعبة، يعيش حالة من الضغط النفسي والاجتماعي والسياسي، ما يجعل الاستثمار في وعيه وقدراته وانتمائه الوطني ضرورة استراتيجية لا مجرد نشاط إداري، ومن هنا جاءت رؤيته المرتكزة على دعم الطاقات الشابة، وتعزيز دور الرياضة والثقافة والعمل الجماعي في حماية المجتمع الفلسطيني من التفكك والإحباط، لقد كان يؤمن بأن الرياضة ليست مجرد منافسة أو ترفيه؛ إنما وسيلة لصناعة الإنسان الفلسطيني القادر على الصمود والانضباط والعمل بروح الفريق، ولهذا ارتبط اسمه بعدد من المبادرات والأنشطة التي هدفت إلى تمكين الشباب وفتح مساحات أمامهم للمشاركة والبناء.
وفي السياق التنظيمي، شكّل حضور غسان قبها داخل حركة حركة فتح امتدادًا طبيعيًا لمسيرته الوطنية، فهو ابن المدرسة الوطنية التي ربطت بين النضال السياسي والعمل المجتمعي، وبين الالتزام التنظيمي وخدمة الناس، وكونه عضوًا في إقليم جنين داخل الحركة، فقد كان حاضرًا في العديد من المحطات الوطنية والاجتماعية، مستندًا إلى رؤية تؤمن بأن حركة فتح ليست مجرد إطار سياسي؛ بل مشروع وطني تاريخي يحمل مسؤولية الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية وصون المشروع الوطني في مواجهة محاولات التصفية والاستهداف، وفي ظلّ ما يمر به الواقع الفلسطيني من أزمات وتعقيدات، تبدو الحاجة اليوم أكبر إلى شخصيات تمتلك الخبرة الميدانية والقدرة على التواصل مع الناس والفهم الحقيقي لطبيعة المجتمع الفلسطيني وهمومه، وهي صفات ارتبطت بصورة واضحة بتجربة غسان قبها على مدار سنوات طويلة من العمل العام.
إن ترشح غسان نايف قبها لعضوية المجلس الثوري في حركة فتح لا يمكن قراءته بوصفه مجرد استحقاق تنظيمي عادي؛ إنما يأتي في سياق حاجة الحركة إلى شخصيات تمتلك رصيدًا من العمل الوطني والمؤسساتي والخبرة الميدانية، فالمجلس الثوري ليس مجرد إطار تنظيمي؛ بل يمثل أحد أعمدة القرار السياسي والتنظيمي داخل الحركة، ما يجعل الحاجة ملحة لوجود شخصيات قادرة على الجمع بين الفكر الوطني والخبرة العملية والقدرة على فهم التحولات التي يعيشها الشارع الفلسطيني، ومن هنا تبدو تجربة غسان قبها مؤهلة لتقديم إضافة حقيقية، انطلاقًا من خبرته الطويلة في الإدارة والعمل الشبابي والبلدي والتنظيمي، إضافة إلى قربه من الناس ومعرفته الدقيقة بتفاصيل الحياة الفلسطينية في المناطق المهمشة والمحاصرة.
ولعل ما يميز شخصية غسان قبها أيضًا هو ابتعاده عن الضجيج الإعلامي والمبالغات الخطابية، إذ ارتبط اسمه دائمًا بالفعل أكثر من القول، وبالعمل الهادئ المتواصل أكثر من الظهور العابر، وهذه السمة تحديدًا تمنح تجربته قيمة خاصة في الواقع الفلسطيني، حيث بات المواطن يبحث عن النماذج القادرة على الإنجاز الحقيقي والملامسة الصادقة لاحتياجاته اليومية، بعيدًا عن الشعارات المستهلكة والخطابات الانفعالية، فالرجل الذي عاش تجربة العمل في بلدة محاصرة خلف الجدار، وتعامل يوميًا مع تعقيدات الواقع الفلسطيني تحت الاحتلال، يعرف جيدًا أن السياسة ليست استعراضًا لغويًا؛ بل مسؤولية أخلاقية ووطنية تتطلّب القدرة على الاحتمال والصبر والعمل التراكمي طويل النفس،
لقد استطاع غسان نايف قبها أن يرسخ حضوره بوصفه شخصية وطنية تنتمي إلى مدرسة العمل الميداني القريب من الناس، وأن يقدم نموذجًا للقيادة الفلسطينية التي ترى في المنصب تكليفًا لا تشريفًا، وفي العمل العام أداة لحماية المجتمع وتعزيز صموده، وفي زمن تتكاثر فيه التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية، تبقى الحاجة قائمة إلى شخصيات تمتلك هذا النوع من الوعي الوطني العميق، القائم على الجمع بين الانتماء الحقيقي والخبرة العملية والرؤية الإنسانية، ومن هنا، فإن تجربة غسان قبها تمثل امتدادًا لفكرة الفلسطيني الذي لم يفصل يومًا بين خدمة وطنه وخدمة مجتمعه، وظلّ مؤمنًا بأن بناء الإنسان الفلسطيني وتعزيز صموده هو الطريق الأكثر رسوخًا لحماية القضية الوطنية والدفاع عن مستقبل الشعب الفلسطيني.
باحث درجة الدكتوراه في بالعلوم السياسية والعلاقات الدولية
ابن العاصفة
ابن الشبيبة الفتحاوية
د. محمود جودت قبها
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.