
مجتمع المستقبل المشترك: الشباب العربي والصين يعيدان إحياء روح طريق الحرير في العصر الرقمي ، بقلم : م. سعيد عثمان
في غرفة سكنه الجامعي بجامعة جنوب شرق الصين (Southeast University) بمدينة نانجينغ العاصمة التاريخية القديمة – عاصمة الست سلالات – التي باتت اليوم مركزاً تكنولوجياً وصناعياً متقدماً، يجلس الشاب اليمني محمد عبد الرقيب على سريره محاطاً بكتب الهندسة و هاتفه الذكي متصفحاً حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي ومنهمكاً في الرد على سيل الرسائل والتعليقات.
قبل سنتين، حزم محمد حقائبه مغادراً اليمن باتجاه الصين بعد حصوله على منحة الحكومة الصينية ،حينها كان حلمه محصوراً بالحصول على شهادة الهندسة، لم يكن في حسبانه للحظة أن هذه الرحلة ستحوله إلى أحد أبرز الوجوه العربية المؤثرة على منصات التواصل الاجتماعي من قلب الصين.
محمد ليس طالباً جامعياً عربياً يدرس في الصين فحسب، بل هو أيضاً سفير رقمي ينسج من غرفته الصغيرة و بعفويته الصادقة خيوطاً من الصداقة تربط بين عراقة سبأ وأصالة نانجينغ.
باستخدام هاتفه المحمول، يلتقط محمد لحظات إنسانية عفوية مفعمة بالدفء يتحدث فيها بلغة صينية مع المسنّين الذين ترتسم على وجوههم الضحكات، يقوم بتقديم يد العون للعمال في الأزقة، وينادي تلك المرأة المزارعة بـ”عمتي” والتي هي بدورها تدعوه لتناول الطعام، يشرب الشاي الأخضر مع الأجداد والجدات الجالسين بجانب الطريق، ويشارك في احتفالات عيد الربيع و مهرجان قوارب التنين وغيرها من المناسبات.
مع كل مقطع مصور ينشره محمد على حسابه في TikTok و Instagram، تتلاشى آلاف الكيلومترات الفاصلة بين جبال اليمن وبحر الصين الجنوبي، فاتحة النافذة أمام ملايين الشباب العربي للتعرف على “الصين الحقيقية”.
أصل الحكاية
منذ نشأة طريق الحرير قبل 2000 عام، كانت المنطقة العربية إحدى محطاته الرئيسية، لم يكن طريق الحرير مساراً تجارياً يحمل الحرير والتوابل والأحجار الكريمة وغيرها من البضائع فحسب، بل كان فرصة للتلاقي والاخوة والتبادل الثقافي والمعرفي والعلمي وحتى الديني. فعلى سبيل المثال، انتشر الإسلام في الصين عبر طريق الحرير، ومن خلاله ايضاً انتقلت صناعة الورق والطباعة من الصين إلى العالم العربي، وانتقلت بالمقابل المعرفة الفلكية والطبية العربية إلى الصين، لقد أنتجت صداقة طريق الحرير القديمة إرثا حضارياً وثقافياً ملهماً للإنسانية جمعاء.
اليوم ومع تقدم تكنولوجيا الانرتنت وتوسع قنوات التبادل بين الشعوب، لم تعد العلاقة بين الصين والدول العربية تروى فقط في كتب التاريخ، او في اللقاءات الدبلوماسية والرسمية فحسب، بل باتت تنسج يومياً عبر الاف المنشورات والفيديوهات القصيرة التي يصنعها الشباب عبر منصات ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، وتساهم في نقلها شبكة من الاتصالات المتطورة والبنية التحتية الرقمية التي يتم تطوير جزء منها ضمن مبادرة طريق الحرير الرقمي.
وتكشف التحليلات الحديثة للمحتوى الرقمي العربي مشهداً بالغ الدلالة والأهمية: تقارباً متسارعاً وانجذاباً إيجابياً غير مسبوق من قبل الشباب العربي نحو الصين والنموذج التنموي الذي تُمثّله مدفوعاً بسيل من المنشورات والمقاطع القصيرة المليئة بالتجارب الانسانية وفرص التعليم والعمل والتبادل الثقافي والتجاري.
مدخل: كوفيد-19 — عندما تتحول المحنة إلى منحة
لم تكن جائحة كورونا عام 2020 حدثاً عابراً في العلاقات الصينية العربية،بل كانت واحدةً من أهم اللحظات المفصلية التي ساهمت في تغيير صورة الصين في عيون الشباب العربي. ففي الوقت الذي تم فيه تطبيق إجراءات العزل والاغلاق،و تحوّل الفضاء الإلكتروني إلى الملجأ الوحيد للتواصل والمعرفة، وجد الشباب العربي نفسه أمام مرحلة جديدة من الصراع الدولي بين الصين والغرب، وسيل هائل من الروايات المتضاربة والمتناقضة حول المنشأ الحقيقي للفيروس والمسؤولية عنه واستجابة الدول له وما اكتنف ذلك من غموض.
كانت الدعاية الغربية الممنهجة قد سارعت إلى تحميل الصين المسؤولية المادية والمعنوية وراء انتشار هذا الفيروس الذي جعل العالم يعيش حالة من الرعب الحقيقي، في حملة إعلامية منسقة تم تصوير الصين كـتهديد في أذهان شرائح واسعة من الرأي العام العالمي. بيد أن هذه الحملة وبفعل الدبلوماسية الصينية النشطة أنتجت نتيجةً عكسيةً غير متوقعة في العالم العربي: فبدلاً من أن يقتنع الشباب العربي بهذه الرواية، دفعتهم الريبةُ من الخطاب الغربي المألوف – المشبع بتاريخ التدخل والازدواجية في المعايير- إلى البحث المستقل والتحقق الذاتي مستفيدين من الحكمة التي تقول “لا تصدق كل ما تسمع”، خاصة بعد أن شاهدوا فاعلية الاستجابة والجهود المباشرة التي بذلتها الصين لمساعدة الدول في جميع أنحاء المنطقة لمكافحة الفيروس والتي جاءت على شكل وفود طبية ومعدات ومستلزمات وأقنعة، ودعم مالي صيني متزايد لمنظمة الصحة العالمية في ظل التخبط والعجز الغربي عن الاستجابة للوباء.
وفي قلب هذا الصراع المحتدم وسيل الاتهامات المتبادلة، برزت شخصيات استثنائية على منصة فيسبوك تصدرت المشهد الإعلامي. كان أبرزها فتاة صينية تتحدث العربية بطلاقة لافتة عرَفت عن نفسها منذ اليوم الأول بـ”عائشة الصينية” والتي باتت اليوم أحد أشهر الوجوه الشبابية الصينية الناطقة بالعربية، كانت “عائشة” تبثّ مباشرةً من بكين في خضم الجائحة، تُقدّم صورةً حيّة للحياة اليومية في المدن الصينية، الإجراءات الوقائية، والاستجابة المؤسسية، وترد بشكل ضمني على السرديات المتداولة و على تساؤلات المشاهدين بأسلوبها البسيط والعفوي. لم يقتصر تأثير هذا النموذج التفاعلي على تفنيد الرواية الغربية فحسب، بل فتح نافذة مشاهدة مباشرة سمحت للشباب العربي بمتابعة الصين من الداخل في لحظتها الأصعب، مما ساهم في تفنيد الأكاذيب. هكذا، كان تأثيرها يفوق بمراحل ما تحقق عبر ساعات من البرامج الوثائقية والتقارير الرسمية والروايات المضللة، لأنها جعلت الصين قريبةً مألوفة في عيون المشاهد العربي، لا عالماً مجهولاً، بل وجوهٌ تتكلم لغته وتحمل همومه وتجيب عن تساؤلاته.
هكذا تحوّل فيروس كوفيد — الذي كان مُفترَضاً أن يُعمّق الهوّة بين الصين والمنطقة العربية— إلى جسر عبور، وانقلب السحر على الساحر . فالأزمة حوّلت الشك في الرواية الغربية إلى دافع للبحث المعمق والمستمر، ومقاطع البث الحي إلى أداة قوة ناعمة فاقت كل توقعات صانعي السياسات. وما جرى في تلك الأشهر العصيبة وضع البذرة الأولى للتحوّل الذي رصدته الاستطلاعات والتحليلات الرقمية في السنوات التالية.
أولاً: — من الصورة النمطية إلى الواقع الرقمي
لطالما حمل الخيال العربي صوراً تقليدية نمطية عن الصين: الدولة البعيدة، فنون القتال، المصانع والمنتجات منخفضة التكاليف، الاكتظاظ السكاني، و المجتمع المنغلق. بيد أن موجة المحتوى الرقمي الذي ينقل تفاصيل الحياة اليومية الصينية ويعرض مشاهد من الطبيعة الخلابة والبنايات الشاهقة والبنية التحتية المتطورة، والابتكارات التكنولوجية قلبت هذه الصور رأساً على عقب.
فبالاطلاع على منصات التواصل الاجتماعي المتعددة باختلاف محتوياتها، نجد تفاعلاً متصاعداً مع المحتوى المتعلق بالصين سواء المنشورات المكتوبة أو الصور أو مقاطع الفيديو. حيث يبرز المحتوى المتعلق بالسياحة الثقافية والتقدم التكنولوجي كأحد أقوى مكونات هذا المحتوى الرائج.
وتتنوع مصادر إنتاج هذا المحتوى بين افراد او مؤسسات، فعلى الصعيد الفردي تساهم شخصيات عربية تزور الصين لغايات السياحة أو العلاج ، بجانب شخصيات عربية مقيمة في الصين مثل الطلاب والتجار، في إثراء هذا المحتوى ونقل التجارب الشخصية، ويقابل ذلك ايضاً شخصيات صينية تتقن اللغة العربية وتنقل واقع الصين وأحداثها بكل حرفية وتميز.
وعلى صعيد موازٍ وبصورة ممنهجة ومتكاملة، تساهم منظومة إعلامية رسمية صينية ناطقة بالعربية في رفد هذا المحتوى بمواد عالية الجودة تتصدرها قناة CGTN عربية التابعة لمجموعة التلفزيون الصيني الدولي، ووكالة شينخوا بالعربية التي تضطلع بدور محوري في نشر التقارير المصوّرة والمحتوى الإخباري، و صحيفة الشعب اليومية الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني ، فضلاً عن صفحات السفارات الصينية في الدول العربية التي تمزج بين الأحداث الدبلوماسية والموروث الثقافي والإنجازات التنموية. حيث تُغذّي هذه الحسابات مجتمعةً المنصات المختلفة بمحتوى منتظم ومتجدد، مما يضمن لها حضوراً دائماً في الفضاء الرقمي العربي.
ثانياً: القوة الناعمة الرقمية — الدراما والمحتوى كجسور ثقافية
إن أكثر ما يلفت النظر في هذه الموجة الرقمية هو التنوع الهائل في قنواتها. فعلى منصة TikTok التي يقضي فيها المُستخدِم العربي في السعودية والإمارات ومصر ما يتجاوز 90 دقيقة يومياً وفق تقرير Digital 2024، يبرع صنّاع المحتوى العرب المقيمون في الصين في بناء جسور من الثقة والمعرفة تجاه الصين بأدواتهم البسيطة وكلماتهم الصادقة، حيث يحوّلون تجاربهم اليومية (في الجامعات والاسواق والمطاعم ووسائل النقل) إلى قصص مؤثرة تلامس اهتمامات الشباب العربي وتثير فضوله لاكتشاف هذا البلد عن قرب.
“عنود” صانعة محتوى ومُعلمة لغة صينية من أصل فلسطيني، درست في الصين لمدة 7 سنوات، توثق رحلاتها الى المدن الصينية المختلفة و تشارك مع متابعيها على منصة TikTok و Instagram مقاطع قصيرة من الحياة اليومية في الصين تستعرض فيها تفاصيل الحياة الجامعية والبيئة الآمنة، وأنشطة التسوق في الأسواق الشعبية إلى تجربة المواصلات العامة المتقدمة استمراراً باستعراض الاختراعات والمنتجات الغريبة والذكية في الأسواق الصينية وصولاً الى توثيق تجاربها مع الاكل الشعبي الصيني، تحظى “عنود” بمتابعة مئات الآلاف ممن ينجذبون لمحتواها عن الصين سواء اولئك المهتمين بالسفر للصين للدراسة او التجارة او السياحة، او حتى ممن لديهم الفضول المعرفي لاكتشاف هذا البلد، يحصد كل مقطع من هذه المقاطع مئات الآلاف من المشاهدات والمشاركات وتسجيلات الإعجاب.
“جو حطاب” صانع محتوى اردني، يعرف برحلاته حول العالم واستكشافه لثقافات وحضارات غريبة ومميزة بأسلوب وثائقي ممتع ، زار “جو” الصين عام 2025 وقام بمشاركة 3 فيديوهات عن هذه الزيارة من خلال قناته في Youtube وقد حصدت هذه الفيديوهات أكثر من 74 مليون مشاهدة ومئات آلاف تسجيلات الإعجاب.
في الوقت ذاته، شقّ المحتوى الترفيهي الصيني المُترجَم طريقه إلى قلوب المشاهدين العرب. فمسلسلات مثل “الهجرة الى السعادة” و “كل شيء على ما يرام” بعد ترجمتها للعربية حققت شعبية واسعة، لأنها لمست وتراً إنسانياً مشتركاً: تماسك الأسرة، واحترام الأجداد، والسعي نحو حياة أفضل.
أبعد من ذلك، يتجلى الإعجاب العربي بالإنجازات التقنية الصينية في متابعة مستمرة للشركات والابتكارات الصينية التي باتت تكسر الاحتكار الغربي : هواوي في مجال الـ5G، وBYD في السيارات الكهربائية، Tencent في مجال الألعاب وأخيراً Qween و DeepSeek في مجال الذكاء الاصطناعي. لقد كانت الأخبار التكنولوجية القادمة من الصين مذهلة وسريعة الإيقاع.
ثالثاً: الثقافة واللغة جسراً حضارياً
شهدت السنوات الأخيرة توسعاً لافتاً في انتشار معاهد كونفوشيوس في عواصم ومدن عربية عديدة، من القاهرة إلى الرباط ومن عمّان إلى أبوظبي، لتتحوّل هذه المعاهد – والتي يزيد عددها عن 20 معهداً موزعة على 13 دولة عربية- من مجرد مراكز لتعليم اللغة إلى فضاءات للتبادل الحضاري الحي، تُقدّم الفلسفة والفنون والأدب الصيني بأسلوب تفاعلي مشوق ومثير للحماس .
ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد شهدت السنوات الأخيرة ايضاً تحولاً ملحوظاً في النظم التعليمية العربية تجاه اللغة الصينية، حيث لم يعد تعليمها مجرد مبادرات تجريبية، بل تحول إلى توجه استراتيجي مرتبط بالرؤى الاقتصادية والسياسية طويلة المدى. إذ باتت اللغة الصينية مادةً دراسية معتمدة في عدد متزايد من المدارس الحكومية والخاصة في دول كمصر ،والإمارات والمغرب والسعودية فيما فتحت جامعات عربية كبرى تجاوز عددها ال 40 جامعة أقساماً مستقلة لتدريس اللغة الصينية وآدابها وترجمتها، مُدركةً أن الماندرين لم تعد لغة ثقافية ترفيهية بل لغة المستقبل.
فقد كانت الإمارات العربية المتحدة أول دولة عربية تدمج اللغة الصينية في المناهج الدراسية، بدءًا من 100 مدرسة في عام 2018. وقد نما هذا العدد ليصل إلى 158 مدرسة و54000 طالباً اليوم. أما في السعودية فقد وصل عدد المدارس التي تدرس اللغة الصينية عام 2025 الى 174 مدرسة، كما وشهد العام 2025 ابتعاث 100 معلم سعودي إلى الصين لدراسة اللغة الصينية في جامعة بكين للغات والثقافة، والتعاقد مع 171 معلمًا ومعلمة من الصين لتعليم اللغة الصينية في مدارس التعليم العام في المملكة. وتستهدف وزارة التعليم تدريس اللغة الصينية لأكثر من 600 ألف طالب وطالبة في المرحلتين المتوسطة والثانوية بحلول عام 2030.
رابعا: أصوات من الميدان — حين تصبح الرحلة رواية
تبقى أقوى الشهادات تلك التي تنبع من تجربة شخصية ومن قلب واقع معاش.
الباحث في شبكات التواصل الاجتماعي لن يجد صعوبة في العثور على مئات الشهادات الحية التي تعبر عن الاعجاب بالصين، وأبرز تلك الشهادات هي شهادات المشاركين في الدورات التدريبة التي ترعاها الحكومة الصينية ممثلة بوزارة التجارة، حيث تستضيف الصين وبشكل مجاني مئات المشاركين ضمن هذه الدورات كل عام،
فعلى المستوى الشخصي، لقد كنت محظوظاً بأن أتيحت لي الفرصة أن أكون أحد المشاركين في هذه الدورات التدريبية، كانت مشاركتي الاولى في العام 2014 في زيارة استمرت حوالي 40 يوماً، تنقلنا خلالها بين بكين وشنغهاي وشنيانغ، زرنا فيها سور الصين العظيم، والمدينة المحرمة، ومعبد السماء. تذوقنا الأطعمة والأطباق الصينية التقليدية، تدربنا على ممارسة فنون التاي تشي، شاهدنا الأبراج وناطحات السحاب، واحتفلنا بعيد الفطر مع إخواننا المسلمين في مساجد بكين، تعرفنا على كرم الشعب الصيني ومحبته للضيوف ومساعدته للآخرين. لم تكن هذه الرحلة مجرد دورة تدريبية، بل كانت نقطة البداية للتعلق في الصين.
كل من يزور الصين مرة يشعر بالحنين إليها والرغبة الجامحة في زيارتها مراراً وتكراراً، وبدافع هذا الحنين حظيت بفرصة أخرى لزيارة الصين في الأعوام 2017 و 2024، زرنا خلالها منطقة نينغشيا ذاتية الحكم ذات الاغلبية المسلمة، اطلعنا على المشاريع التنموية التي نفذتها الحكومة الصينية في تلك المنطقة لمحاربة الفقر وتحسين واقع السكان ومكافحة التصحر، مثل مشاريع الطاقة المتجددة ومشاريع البنية التحتية والنقل, ومشاريع التنمية الزراعية المتكاملة كالري الاستصلاح الزراعي، ومشاريع الاقتصاد الرقمي والحوسبة، ومشاريع التعاون الدولي. لقد نقلت هذه المشاريع المنطقة من وضعها التاريخي كإحدى أفقر المناطق في الصين وأقل الأماكن صلاحية للسكن البشري بسبب التحديات الجغرافية والمناخية إلى واجهة للتنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر محولة تلك الصحاري الى مزارع خضراء مشكلة نموذجاً للاقتصاد الأخضر الرقمي، والمتكامل مع مبادرة “الحزام والطريق” .
في كل مرة ازور فيها الصين ازداد اعجاباً بهذا البلد وازداد تعلقاً بهذا البلد وازداد حنيناً لهذا البلد الذي لا أبالغ إن قلت أنني أمضيت فيه أجمل أيام حياتي.
لم تكن شهادتي حول الصين هي الوحيدة، ففي حسابها على شبكة Facebook وصفت الصحفية الفلسطينية “رانيا” التي أمضت 4 شهور في الصين خلال مشاركتها في الدورة التدريبية التي تنظمها الجمعية العامة للدبلوماسية الصينية للعام 2024: “كل ما عليك أن تدركه وأنت تتجول بين متاحف الصين وحدائقها ومصانعها ومعارضها أنك في حضرة حضارة زاخرة منذ آلاف السنين، فهناك رغم كل هذه الحداثة التكنولوجية شيء أصيل لا يشعرك بثقل هذه الحداثة على عقلك، فهناك توازن صارخ بين التاريخ وثقافة البلاد وحضارتها وبين هذا الزخم التكنولوجي والصناعي، وهذا ما يميز الصين عن كافة دول الغرب ، بالاضافة إلى أن تجارب بناء الدول وخروجها من ويلاتها وحروبها وكوارثها تمثل بالنموذج الصيني ، الذي يقدم تجربة ملهمة لكل الدول النامية.”
أما الرسام اللبناني “نزار داهر” الذي زار الصين 7 مرات خلال 7 سنوات ضمن مشاركته بنشاط “الإحساس بروح الصين” فقال في مقابلة مع CGTN بالعربية أكتوبر / 2022 : “في الصين، قضيت أجمل أيام عمري الفني، واكتشفت عالم اللون الأخضر من أقصى درجات الألوان الحارة الى أقصى درجات الألوان الباردة، أتوقع من الصين الجمال أكثر والمتقن اكثر والتطلع نحو البشرية أكثر”.
المحامي الأردني “زيد” و بعد زيارة استمرت لعشرة أيام لجمهورية الصين الشعبية في يناير 2026 فقال في حسابه على منصة Facebook : “الشعب الصيني شعب طيب وبسيط و مثابر وذكي. وهم يرحبون بالضيف ببساطة وبدون تكلف، المدن الصينية مدن نظيفة و منظمة ومخططة، الدولة تهتم بالبيئة والمحافظة عليها والتقدم التكنولوجي هائل وموجود في كل مكان، في عام 1981 كان عدد الفقراء في الصين 800 مليون. الان تم القضاء على الفقر بسبب السياسة الحصيفة للدولة وللحزب الشيوعي. وهذا يمثل قصة من أنجح قصص التنمية الحديثة. الآن لا فقراء في الصين.”
خامساً: الصين في مرآة الجيوسياسة — الشريك المثالي
ليس التحول في النظرة إلى الصين مجرد انبهار عاطفي بالحضارة أو الإنجاز، بل هو موقف جيوسياسي مُحكَم البنيان. يُشير المحللون إلى خمسة محاور تُفسّر هذه الشعبية الصاعدة: أولها الموقف الصيني الداعم للقضية الفلسطينية في مجلس الأمن وجهود الوساطة عام 2024. وثانيها نموذج التنمية الاقتصادية الاستثنائي الذي أخرج مئات الملايين من الفقر في عقود قليلة. وثالثها حضور المنتجات الصينية مثل هواتف هواوي وشاومي، وشركات البنية التحتية الصينية في قلب الحياة العربية (في الموانئ والمطارات وسكك الحديد ومحطات للطاقة المتجددة) وما توفره من فرص عمل وتبادل للخبرات . ورابعها خطاب “عدم التدخل” الذي يقدم الصين كشريك يحترم السيادة الوطنية دون شروط سياسية. أما الخامس فهو المحتوى الرقمي المُوجَّه عبر القنوات الصينية الرسمية الناطقة بالعربية وبرامج التبادلات الثقافية.
وتُجسّد أرقام الاستطلاعات هذه الحقيقة بجلاء. فقد كشف استطلاع ASDA’A BCW للشباب العربي لعام 2023 — وهو الأوسع من نوعه، إذ يشمل 3,600 شاب وشابة من 18 دولة عربية ، أن 80% من الشباب العربي يرون الصين صديقاً وشريكاً رئيسياً لبلدانهم، متقدمةً على الولايات المتحدة التي جاءت في المرتبة السابعة. ويعكس هذا التحول قراءةً عميقة، تجمع بين المصلحة الاقتصادية والموقف السياسي والبديل الحضاري الذي تقدمه بكين.
وفي تقرير المؤشر العربي (2024-2025) الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، والذي تم تنفيذه من خلال استطلاع ميداني شامل هو الأضخم من نوعه، شمل 15 دولة عربية عبر مقابلات مباشرة مع عينة ضخمة بلغت 40,130 مستجيباً ومستجيبة، لضمان أعلى مستويات الدقة في تمثيل توجهات الشارع العربي، فقد عبر 53% من المستجيبين عن رأي إيجابي تجاه السياسات الصينية، في مقابل %28 وصفوها بأنها سلبية. وكانت نسبة الذين أجابوا بـ “لا أعرف” أو رفضوا الاجابة هي 19%.
و بالاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي لتحليل المنشورات والتعليقات العربية حول الصين – خاصة الشبابية/السعودية كونها الأكثر نشاطاً – على منصة X (تويتر سابقا) خلال 2025 نجد أن نظرتهم الى الصين إيجابية جداً بشكل عام، وقد بينت النتائج أن غالبية المنشورات والتفاعلات المأخوذة كعينة من آلاف المنشورات الشائعة ترى في الصين نموذجاً للتنظيم والتقدم والشراكة الاقتصادية، وليست عدواً أو تهديداً.
واستناداً إلى عينة شملت 100 منشور عام باللغة العربية تم جمعها من منصة فيسبوك لعام 2025، تظهر النتائج توجهاً إيجابياً غالباً بنسبة 55% نحو الصين، خاصة في مجالات الاقتصاد والتجارة، السياسة والدبلوماسية، التكنولوجيا والابتكار، والسياحة والثقافة. في حين انحصرت النبرة النقدية في 15% من المنشورات التي ركزت على قضايا مثل التنافس الجيوسياسي مع الغرب، أو مخاوف من الهيمنة التكنولوجية، أو قضايا حقوقية واجتماعية.
غير أن هذا التحول في جوهره لم يكن وليد الصدفة، بل هو حصيلة رؤية استراتيجية متكاملة وسلسلة من السياسات والإجراءات المُحكَمة التي رسمتها الصين بقيادة الحزب الشيوعي الصيني على مدى عقود. وفي قلب هذه المنظومة يقف الرئيس شي جين بينغ محركاً فكرياً وسياسياً بامتياز؛ إذ تشكّل أفكاره — من مبادرة الحزام والطريق، ومبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية — نبراساً هاماً ينير الطريق بين الصين و الشركاء الدوليين، ولا سيما العرب منهم.
ففي ديسمبر 2022، حضر الرئيس شي جين بينغ القمة الصينية العربية الاولى في الرياض، مُطلقاً “الأعمال الثمانية المشتركة للتعاون العملي بين الصين والدول العربية ” ومن بينها تطوير الشباب. ثم جاء انعقاد الاجتماع الوزاري العاشر لمنتدى التعاون الصيني العربي في بكين. ليُعلن عن إنشاء “المركز الصيني العربي لمبادرة الحضارة العالمية” ومنتدى تطوير الشباب الصيني-العربي والتحالف الجامعي الصيني-العربي.
إن هذه الخطوات هي تجسيد واضح لرؤيةً مستقبلية قائمة على المنفعة المتبادلة والكسب المشترك والاحترام المتساوي، لا على الوصاية والإملاء. فما يشهده الشباب العربي اليوم من انجذاب نحو الصين ليس سوى الانعكاس الطبيعي لسياسة خارجية مُصمَّمة على أساس الشراكة الاستراتيجية التي تتجاوز الأنماط التقليدية، مشكلة نموذجاً ملهماً لمجتمع المستقبل المشترك للبشرية في العصر الجديد.
وفي ذات السياق جاء قرار الصين في عام 2025 القائم على إعفاء جميع مواطني دول مجلس التعاون الخليجي الست من تأشيرة الدخول؛ وهو قرار لم يكن مجرد إجراء بيروقراطي، بل كان رسالةً استراتيجية واضحة تُقرأ على أكثر من مستوى: الاقتصادي والسياسي والشعبي في آنٍ واحد. وقد جاءت النتائج فورية ومعبّرة؛ إذ تجاوز عدد مواطني دول الخليج الداخلين إلى الصين خلال العام 2025 150,000 مسافر، مُسجِّلاً ارتفاعاً مذهلاً بلغت نسبته 100.78% مقارنةً بعام 2024. هذا التدفق البشري غيّر طبيعة المشهد: فلم يعد الشباب الخليجي يكتفي بمتابعة الصين عبر شاشاته، بل بات يطأ أرضها بأقدامه، يرى بعينيه ما لم تستطع أي رواية أن تُقنعه بها، ويعود حاملاً رواية شخصية تتحوّل بدورها إلى محتوى رقمي يُشاهده الملايين. هكذا تتحوّل السياسات إلى قناعات، والإجراءات إلى جسور.
سادساً: شينجيانغ — قراءة في سرديات متعددة
لا يمكن لأي قراءة محايدة في هذه العلاقة أن تتجاوز الملف الأكثر حساسيةً: وضع مسلمي شينجيانغ.
فقد شهدت منطقة “شينجيانغ” في الصين سلسلة من الهجمات الإرهابية المرتبطة بحركات انفصالية متطرفة تسعى لاستقلال منطقة “شينجيانغ” ذاتية الحكم، أدت إلى خسائر بشرية كبيرة على مدار عقود، إذ تشير البيانات الرسمية الصينية إلى حدوث تصاعد ملحوظ في وتيرة هذه العمليات بين عامي 1990 و 2016، حيث وقعت آلاف الهجمات التي أسفرت عن مقتل المئات من المدنيين ورجال الأمن. ومن أبرزها: هجوم محطة قطار كونمينغ في مارس 2014، الذي راح ضحيته 31 قتيلاً وأكثر من 140 مصاباً نتيجة هجوم بالسكاكين، وهجوم سوق أورومتشي في مايو 2014 الذي استهدف سوقاً شعبياً بسيارات مفخخة وأدى إلى مقتل 39 شخصاً وإصابة أكثر من 90 آخرين. كما سجلت السلطات حوادث أخرى مثل هجوم محطة قطار أورومتشي في أبريل 2014 الذي خلف 3 قتلى و79 مصاباً، العاصمة بكين لم تسلم هي الاخرى من الهجمات الارهابية اذ تم تنفيذ هجوم إرهابي في ميدان تيانانمن في بكين عام 2013 الذي أسفر عن 5 قتلى و40 مصاباً.
على إثر ذلك، وفي رد ضروري لمواجهة التطرف الديني والإرهاب، وللحفاظ على الأمن القومي، قامت الحكومة الصينية بتنفيذ إجراءات امنية صارمة وبرامج لمكافحة التطرف مصحوبةً ببرامج تنمية اقتصادية شاملة رفعت مستوى المعيشة وصانت الهوية الثقافية الأويغورية.
وكعادتها على مدى السنوات الماضية، لم تدخر وسائل الإعلام الغربية الجهد في سبيل تشويه صورة الصين عبر شن هجمات دعائية ممنهجة تستهدف الصين مستخدمة في ذلك العديد من الملفات، حيث كانت قضية المسلمين الصينيين في اقليم شينجيانغ أحد هذه الملفات.
غير أن هذه الادعاءات والحملات المغرضة لم تجد لها آذاناً صاغية في العالم العربي والإسلامي، فقد اتسم الموقف الرسمي العربي والإسلامي من قضية الإيغور في الصين بكونه متحفظاً أو داعماً للصين في معظم الأحيان، وهو ما يتباين بشكل حاد مع المواقف الدولية الغربية، بل ذهبت العديد من الدول العربية والإسلامية إلى دعم موقف بكين في المحافل الدولية (مثل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة). حيث رأت الدول العربية أن الإجراءات في شينجيانغ هي تدابير أمنية ضرورية لمواجهة التطرف والانفصال والإرهاب، وليس اضطهاداً دينياً أو عرقياً. كما تمسكت بمبدأ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واعتبرت قضية الإيغور شأناً صينياً داخلياً، وعبرت عن رفضها لاستغلال هذه القضية “كأداة ضغط سياسي” من قبل القوى الغربية.
وللدلالة على هذا الموقف فقد شهدت بكين زيارات ميدانية متعددة لوفود عربية وإسلامية، ولا سيما وفد جامعة الدول العربية في يونيو 2023 الذي ضم 34 عضواً، وجاب أورومتشي وكاشغر ورفض في نهاية زيارته ادعاءات “الإبادة العرقية” رفضاً قاطعاً.
في أواخر أغسطس 2025 ، قاد الدكتور علي راشد النعيمي، رئيس مجلس المجتمعات المسلمة العالمية، وفداً من علماء وشخصيات دينية من دول مختلفة إلى منطقة شينجيانغ بشمال غرب الصين، شملت مدن أورومتشي والتاي وكاشغر، حيث كانت هذه زيارته الثالثة للمنطقة، بعد رحلات سابقة في عامي 2019 و2023. وأكد في مقابلة مع Global Times أن ما يُروَّج غربياً من روايات عن “الاضطهاد” هو “توظيف سياسي بحت” لا يعكس الواقع الذي عاشه مباشرةً.
وجاء في مقابلته: “زرنا المساجد وصلّينا فيها مع المحليين، وزرنا المعاهد الإسلامية والمؤسسات الدينية. ما رأيناه لا يتطابق مع ما تروّجه وسائل إعلام غربية بعيدة عن الميدان”.
الصحفي الفلسطيني علي السنتريسي وفي مقالة نشرها بعد عودته من زيارة شينجيانغ أيضاً في أغسطس 2025 ضمن أعمال مؤتمر “الشمول الديني ومناهضة التمييز من منظور مبادرة الحضارة العالمية GCI قال: “كعربي مسلم، لفت انتباهي بشكل خاص العدد الكبير من المساجد والمعابد، والكتابة بالأحرف العربية على اللافتات والمباني والمؤسسات والمتاجر، مما يعكس الاحترام العميق للتنوع الديني والثقافي، إن الاهتمام الكبير الذي يوليه الحزب الشيوعي الصيني لهذه المنطقة الحدودية جعل منها مركز جذب سياحي وتنموي، وسمح بمواجهة التحديات الأمنية والإرهاب الذي ضرب المنطقة سابقًا نتيجة تدخلات خارجية”.
خاتمة: حين يكتب الشباب العربي روايته الخاصة
في العصر الرقمي الذي لم يعد الإعلام فيه حكراً على الصحفيين و المراسلين والمحررين، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي لاعباً رئيسياً في تشكيل الرأي العام و التوجهات والميول بعد أن كانت الأخبار تُصنع حصراً في غرف التحرير التقليدية وشاشات الفضائيات ومحطات التلفزةٍ.
وفي ظل ما يشهده العالم من واقع معقد وخطير, يُعاد فيه رسم خرائط النفوذ، و تحتدم في النزاعات الجيوسياسية ، تواصل الصين التمسك بسياسة الانفتاح على الخارج كخيار استراتيجي أساسي وإظهار مسؤوليتها كقوة رئيسية في تحقيق السلام والاستقرار والازدهار والتنمية، والتأكيد على الالتزام بمبادئ التعايش السلمي، والسيادة الوطنية، وسيادة القانون الدولي، فضلاً عن مبدأ الموازنة بين التنمية والأمن.
وفي ذات الوقت يقف الشباب العربي في طليعة التعاون بين الصين والدول العربية في المجالات الثقافية والتجارية والتكنولوجية وغيرها، مشكلين قوة حيوية تدفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لكلا الطرفين. لقد أعاد الشباب العربي اليوم اكتشاف الصين عبر شاشات صغيرة تحمل قصصاً وأحلاماً كبيرة، مجددين روح طريق الحرير القديم من جديد، حاملين رسالة هذا الطريق التي تخترق الاختلافات في الأيديولوجيات والأنظمة الاجتماعية والثقافات، وتلهم الناس على الاندماج والتطور من خلال التواصل والتبادل والتفاعل المستمر على أساس الثقة المتبادلة والمصير المشترك والمصالح الشاملة للبشرية جمعاء. لقد أدرك الشباب العربي إن السير جنباً إلى جنب مع الصين هو السير جنباً إلى جنب مع الفرص، والإيمان بالصين هو الإيمان بالغد.
إفصاح: الكاتب مشارك سابق في دورات تدريبية استضافتها الصين عبر وزارة التجارة الصينية، وزار الصين ثلاث مرات بين عامَي 2014 و 2024 ضمن برامج ممولة من الحكومة الصينية. يُقرّ الكاتب بأن هذه التجربة الشخصية تشكّل جزءاً من منظوره في هذا المقال.
- – م. سعيد عثمان – أخصائي تكنولوجيا المعلومات، مهتم بالشؤون الصينية
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.