
الحوكمة الاقتصادية في دول الحزام والطريق: الدروس المستفادة من الصين ، بقلم : سهى جدعون

أصبحت الحوكمة الاقتصادية اليوم أحد أهم العوامل المؤثرة في قدرة الدول على تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز تنافسيتها الاقتصادية. فالتنمية لم تعد تقاس فقط بمعدلات النمو أو حجم الاستثمارات، بل بقدرة الدولة ومؤسساتها على التخطيط السليم، وكفاءة الإدارة العامة، وفعالية السياسات الاقتصادية في تحسين حياة المواطنين وخلق فرص التنمية المستدامة.
شكلت المشاركة في الدورة التدريبية حول الحوكمة الاقتصادية في دول الحزام والطريق، التي عُقدت برعاية وتمويل وزارة التجارة في جمهورية الصين الشعبية، وبتنظيم واستضافة أكاديمية مسؤولي الأعمال الدولية (AIBO)، فرصة متميزة للاطلاع على التجربة الصينية في مجالات الحوكمة الاقتصادية والتنمية المستدامة، والتعرف عن قرب على الأسس التي قامت عليها مسيرة التحديث والتنمية في الصين خلال العقود الماضية.
لقد أظهرت التجربة الصينية أن التنمية ليست نتاج قرارات آنية أو إجراءات قصيرة المدى، وإنما هي عملية متكاملة تقوم على رؤية استراتيجية واضحة، وتخطيط طويل الأمد، ومؤسسات قادرة على تحويل الأهداف الوطنية إلى برامج ومشاريع قابلة للتنفيذ. وقد نجحت الصين في بناء نموذج تنموي متكامل جمع بين النمو الاقتصادي السريع، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الابتكار، والحد من الفقر، وتحسين مستوى المعيشة، بما جعلها واحدة من أبرز التجارب التنموية في العالم.
ومن أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من التجربة الصينية أهمية الربط بين التخطيط الاقتصادي والإدارة الفعالة للموارد. فقد أظهرت الصين قدرة كبيرة على توجيه استثماراتها نحو القطاعات الاقتصادية ذات الأولوية، مع الحفاظ على التوازن بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبين النمو الحضري والتنمية الريفية، الأمر الذي أسهم في تحقيق نتائج ملموسة على مستوى التنمية المستدامة.
ومن الجوانب اللافتة في التجربة الصينية أن نجاح الحوكمة لم يرتبط فقط بكفاءة السياسات والمؤسسات، بل استند أيضا إلى منظومة من القيم الأخلاقية التي دعمت عملية التنمية وساهمت في استدامتها. فقد برزت أهمية المسؤولية والانضباط والالتزام بالمصلحة العامة كعناصر أساسية في أداء المؤسسات وتنفيذ السياسات. كما أن مبدأ الاحترام المتبادل يشكل إحدى الركائز المهمة في النهج الصيني، سواء على المستوى الداخلي أو في علاقاتها الدولية. وقد انعكس ذلك في أسلوب التعاون مع الدول المشاركة وفي الحرص على بناء الشراكات وتبادل الخبرات على أساس الاحترام والمنفعة المتبادلة. وتؤكد هذه التجربة أن نجاح الحوكمة الاقتصادية لا يعتمد فقط على الخطط والموارد، بل يحتاج أيضا إلى منظومة أخلاقية ومؤسسية تعزز الثقة والشفافية والالتزام والمسؤولية.
كما أن بيئة الأعمال شكلت محورا أساسيا في مسيرة التنمية المستدامة، فقد عملت الحكومة الصينية على تبسيط الإجراءات الإدارية، وتوسيع الخدمات الحكومية الرقمية، وتعزيز الشفافية، وتهيئة بيئة داعمة للاستثمار والابتكار. وأسهمت هذه السياسات في تعزيز ثقة المستثمرين، ودعم نمو الشركات، وتحفيز النشاط الاقتصادي في مختلف القطاعات.
ومن الجوانب المهمة أيضا الاستثمار المتواصل في الابتكار والتكنولوجيا. فقد أصبحت الرقمنة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة أدوات رئيسية في تطوير الصناعة والخدمات ورفع كفاءة الإنتاج، حيث أن الاستثمار في المعرفة والبحث العلمي أصبح أحد أهم محركات التنمية الاقتصادية الحديثة، وأن الاقتصاد المعاصر لم يعد قادراً على تحقيق النمو المستدام دون الابتكار والتطوير التكنولوجي.

كما أن الزيارات الميدانية التي تضمنها البرنامج أتاحت فرصة للاطلاع على التطبيق العملي لهذه السياسات، من خلال زيارة مؤسسات اقتصادية وصناعية وتكنولوجية وتجارية متنوعة. وقد أظهرت هذه الزيارات كيف يمكن للتخطيط السليم والإدارة الفعالة أن ينعكسا بصورة مباشرة على الأداء الاقتصادي وجودة الخدمات ومستوى التنمية المحلية. فمن الشركات الصناعية والتكنولوجية والدوائية المتقدمة إلى شركات التجارة الدولية ونماذج التنمية الريفية، كان واضحا أن التنمية في الصين تقوم على التكامل بين الدولة والقطاع الخاص والتكنولوجيا والمجتمع المحلي.
أما في مجال التجارة الدولية، فقد قدمت التجربة الصينية نموذجا مهما في الانفتاح الاقتصادي وبناء الشراكات. ومن خلال مبادرة الحزام والطريق، تسعى الصين إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري مع الدول المشاركة على أساس المنفعة المتبادلة وتعزيز الشراكات التجارية والتنموية. وقد شكلت المبادرة منصة مهمة لتبادل الخبرات وبناء القدرات وتعزيز التعاون بين الدول، بما يسهم في تحقيق التنمية المشتركة وتعزيز الترابط الاقتصادي العالمي.

كما عكست هذه المشاركة القيمة الحقيقية للبرامج الدولية في بناء القدرات وتعزيز التفاهم بين الشعوب. فقد جمعت مشاركين من دول وخلفيات متنوعة، مما أتاح مساحة للحوار وتبادل الخبرات ومناقشة التحديات التنموية المشتركة. وأسهم هذا التفاعل في تعميق الفهم المتبادل وإبراز أهمية التعاون الدولي كأداة لدعم التنمية وتحقيق المصالح المشتركة.
ومن منظور الدول النامية، فإن أهمية التجربة الصينية لا تكمن في نقلها كما هي، فلكل دولة ظروفها وتحدياتها الخاصة، وإنما في الاستفادة من المبادئ التي قامت عليها، مثل التخطيط طويل المدى، وبناء القدرات المؤسسية، والاستثمار في رأس المال البشري، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الابتكار، وربط التنمية الاقتصادية بالتنمية الاجتماعية. كما تبرز أهمية القيم المؤسسية التي دعمت هذه التجربة، وفي مقدمتها احترام المصلحة العامة والشفافية والمسؤولية والالتزام، إلى جانب ترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل والتعاون. وهي مبادئ يمكن أن تشكل مرجعا مهما للدول التي تسعى إلى تحقيق تنمية أكثر استدامة وشمولاً، وبناء مؤسسات أكثر كفاءة وقدرة على الاستجابة لاحتياجات المجتمع.
إن الحوكمة الاقتصادية ليست مفهوما نظريا بعيدا عن الواقع، بل هي شرط أساسي لبناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود والنمو. والتجربة الصينية تقدم نموذجا مهما في كيفية تحويل الرؤية إلى سياسات، والسياسات إلى مشاريع، والمشاريع إلى نتائج تنموية ملموسة. وهذا ما يجعلها تجربة جديرة بالدراسة والتأمل، خاصة بالنسبة للدول التي تسعى إلى تطوير اقتصادها وبناء مؤسسات أكثر فعالية.
وفي الختام، أكدت هذه المشاركة أن تبادل المعرفة والخبرات بين الدول يمثل أحد أهم أدوات تعزيز التنمية وبناء القدرات في عالم يشهد تحولات اقتصادية متسارعة. كما أكدت أن الاستثمار في المورد البشري والمعرفة والتعاون الدولي يشكل ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز التفاهم بين الشعوب.

وبهذه المناسبة، أتقدم بخالص الشكر والتقدير لمحافظة بيت لحم، ممثلةً بعطوفة المحافظ الأستاذ محمد أبو عليا على تنظيمها ودعمها المتواصل للمشاركة في البرامج الدولية وبناء القدرات وحرصها المستمر على تعزيز فرص التعلم والتبادل المعرفي والتعاون الدولي.
كما أتقدم بخالص الشكر إلى وزارة التجارة في جمهورية الصين الشعبية على رعايتها وتمويلها لهذا البرنامج المتميز، وإلى أكاديمية مسؤولي الأعمال الدولية (AIBO) على دورها الرائد في تنظيم واستضافة البرامج التدريبية الدولية وتوفير بيئة تعليمية ومهنية تجمع بين المعرفة الأكاديمية والتطبيق العملي. كما أتوجه بالشكر إلى سفارة جمهورية الصين الشعبية لدى دولة فلسطين على جهودها المستمرة في تعزيز التعاون والتبادل المعرفي بين البلدين.
وأعرب كذلك عن تقديري لجميع المحاضرين والخبراء والمنظمين والمشاركين الذين أسهموا في إنجاح هذا البرنامج وأغنوا النقاشات وساهموا في خلق بيئة حوارية قائمة على الاحترام والتعلم المتبادل.





شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.