11:01 مساءً / 29 أبريل، 2026
آخر الاخبار

قصة “رحلة إلى جوهانسبرغ” للكاتبة بيفيرلي نايدو ، رحلة تعافي الطفلة “دينيو” من مَرضِها، يُماثل تعافي جنوب أفريقيا ، من نظام الفصل العنصري البائد ، بقلم الكاتب: نصير أحمد الريماوي

قصة "رحلة إلى جوهانسبرغ" للكاتبة بيفيرلي نايدو ، رحلة تعافي الطفلة "دينيو" من مَرضِها، يُماثل تعافي جنوب أفريقيا ، من نظام الفصل العنصري البائد ، بقلم الكاتب: نصير أحمد الريماوي

قصة “رحلة إلى جوهانسبرغ” للكاتبة بيفيرلي نايدو ،

رحلة تعافي الطفلة “دينيو” من مَرضِها، يُماثل تعافي جنوب أفريقيا ، من نظام الفصل العنصري البائد ،

بقلم الكاتب: نصير أحمد الريماوي

وقعت بين يدي قصة واقعية من جنوب أفريقيا من الأدب العالمي بعنوان” رحلة إلى جوهانسبرغ” للكاتبة “بيفيرلي نايدو”، ترجمتها “سمر القطب” من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، وهي من منشورات مؤسسة تامر للتعليم المحتمعي والمجلس الثقافي البريطاني عام 2001م، أما النسخة الإنجليزية فهي من منشورات دار كولينز للأدب الحديث.


تتكون القصة من (70) صفحة، وتصميم وإخراج “ليزا كوبر”، وعلى غلافها لوحة تجسِّد قصة جنوب أفريقيا زمن الاستعمار وسياسة الفصل العنصري. وقد أهدتها الكاتبة لذكرى وفاة طفلان صغيران بعيدا عن أمهما “ماري” التي كانت تعيش وتعمل في “جوهانسبرغ” بجنوب أفريقيا.


لقد تم تقديم هذه القصة إلى مدارسنا الفلسطينية كجزء من برنامج وزارة الثقافة التدريبي لمعلمي أدب الأطفال ضمن مشروع مشترك مع وزارة التربية والتعليم.


الكاتبة”بيفيرلي” ولدت في “جوهانسبرغ” ثم هاجرت للعيش في “لندن” عندما بلغت الحادية والعشرين من العمر، ولم تتمكن من العودة إلى وطنها الأصلي “جنوب أفريقيا”- الذي كان يئن تحت وطأت الاستعمار الهولندي والبريطاني، وسلبيات نظام الفصل العنصري الذي عُرف بـ”نظام الأبارتهايد” البغيض- إلا بعد تحرير الرمز العالمي-الذي قاد النضال ضد العنصرية “نيلسون ما نديلا” من الأسر في سجن “فيكتور فيرستر” وسجن “جزيرة روبن”، والتي أصبحت لاحقا متحفا ورمزا عالميا لانتصار الإنسانية، وموقعا أثريا عالميا لليونسكو، أي بعد(27) سنة من هجرتها.


تعتبر قصة”رحلة إلى جوهانسبرغ” أول إبداعاتها الأدبية، لكنها مُنعت من النشر والتداول في جنوب أفريقيا حتى عام 1991م.


في عام 1994م تمكن مواطنو جنوب أفريقيا لأول مرة في تاريخهم ، من الإدلاء بأصواتهم لانتخاب برلمان جديد لبلدهم، وأصبح “نيلسون مانديلا” رئيسا للبلاد، بعد مفاوضات مع الرئيس” دي كليرك” الأبيض لإنهاء نظام الفصل العنصري.
على إثر ذلك، بدأت هذه القصة بالتداول والانتشار في وطنها الأم، بالإضافة إلى إبداعات “بيفيرلي” الأخرى ، مثل: سلاسل من نار، لا طريق للعودة، جارديان، و قصصها القصيرة، وأعمالها الشعرية، وقصصها المصورة للأطفال.


منذ الوهلة الأولى، يستمتع القارئ وهو يقرأ مثل هذه القصص العالمة التي دارت أحداثها في جنوب أفريقيا، ومعرفة ما عاناه شعب جنوب أفريقيا المكافح من: ظلم: واضطهاد واستعباد، وقهر، وتمييز عرقي خلال فترة الاستعمار الهمجي.
لقد عمدت الكاتبة” بيفيرلي نايدو” بأسلوبها الأدبي الشِّيق، والمثير، والمؤثر في النفس البشرية، إلى اختيارها موضوع قصة مؤلمة، لِتُصوِّر بشاعة ظلم الإنسان لأخيه الإنسان في الأرض، وغياب الرحمة والعدل، وقهر الضعيف، وسلب حقوقه المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتنفيذ المجازر، والقتل، والتنمر، والبطش، والنهب، وانتهاك الكرامة الإنسانية التي كرّمها الله، بهدف جعل حياة الشعوب ضنكا، ويشعر المظلوم بضيق الأرض بما رحُبت، بينما الظالم يعيش وينام آمنا على حساب آلام غيره.


لقد اختارت في قصتها الواقعية ” رحلة إلى جوهانسبرغ” شخصيات واقعية أفريقية ليست خيالية، وبعضها من الجنس الأبيض الغاصب، لِتُصَّور ببراعة من خلالها ما جرى هناك خلال هذه الفترة المُظلمة التي عاشها شعب جنوب أفريقيا.
مغامرة ناليدي وتيرو لانقاذ شقيقتهم المريضة


تدور القصة حول طفلين أصيبت أختهما الصغيرة الثالثة بمرض شديد أثناء عيشهم في قرية تبعد عن مدينة “جوهانسبرغ”(300) كيلو متر، ووالدتهما “جويس” تعمل خادمة في أحد منازل البيض في بارك تاون “جوهانسبرغ” في مدينة الذهب، وهي بعيدة عنهم، ولا يوجد بحوزتهم النقود لطلب الطبيب. أرادت الكاتبة اظهار مدى شجاعتهما بالذهاب في رحلة محفوفة بالمخاطر بلا نقود إلى جوهانسبرغ مشيا على الأقدام إلى والدتهم لإنقاذ الصغيرة”دينيو”. وتجعل القارئ بسردها الممتع يعيش الأحداث نظرا لتشابهها بواقعنا الفلسطيني تحت الاحتلال.


أثناء البحث عن حل، الذي دار بين “ناليدي” و”تيرو” والجدة “بونو” والخالة “نغوان”، اقترحت “ناليدي” بضرورة المغامرة و الذهاب مع شقيقها الأصغر “تيرو” إلى الوالدة، وإبلاغها بأمر مرض شقيقتهما الصغيرة لإنقاذها من الموت.
تدور أحدث القصة بين قريتهم والمدينة النائية ” جوهانسبرغ”، سار الطفلان بسرعة في طريق ترابي نحو الشرق، حيث تشرق الشمس حسب اعتقادهم بأن المدينة تقع في المنطقة التي تشرق منها الشمس، بدأا يشُقَّان طريقهما وسط الحقول المنبسطة وتحت أشعة الشمس الحارقة، وتلسع حرارة الأرض أقدامهما، ولا يحملان تصاريح مرور أتناء التنقل، يسيران بخطى حثيثة، و يعتريهما الخوف من الاعتقال، وهما يرددان أغنية:” احذر رجل الشرطة، لأنه حين يراك سيسألك عن تصريح المرور، وعندما تظهره، سيقول لك أنه غير ساري المفعول، وهذا يعني آخر يوم في حياتك…”.(ص16)
من الجدير ذكره في تلك الفترة، أن حكومة النظام العنصري أجبرت كل جنوب أفريقي فوق سن السادسة عشرة من العمر على حمل تصريح مرور أثناء التنقل!!!


مثل جدار الفصل العنصري الذي أقامة الاحتلال في فلسطين، كل من يحاول من العمال اجتيازه بلا تصريح عمل، يتعرَّض للملاحقة والاعتقال أوالقتل أثناء توجهه لكسب قوت عيشهم، وقد استشهد (10) عمال(شهداء لقمة العيش)، بالإضافة إلى إصابة عدد كبير من بجراح.


هي رحلة التعرف على أساليب
وسياسات نظام الفصل العنصري الظالمة

في قصة الرحلة -التي تتضمن خمسة عشر فصلا- شاهد الطفلان بأم العين، وتعرَّفا على جميع الممارسات القمعية، وأساليب وإجراءات وجرائم ومجازر وويلات نظام الفصل العنصري بحق السود، بالإضافة إلى التعرُّف على نضالات طلاب المدارس الممنوعين من دخول مدارس البيض، والرافضون لفرض مناهج تعليمية سيئة وغير مفيدة على طلاب مدارس السود. هنا، صارت تدور العديد من الأسئلة في عقلي الطفلين لمعرفة الأسباب، والبحث عن أجوبة لها، مثل:
لماذا يمنعون السود من دخول مدارس البيض؟
لماذا نُمنع من السفر بدون تصاريح مرور، بينما البييض لا يسري عليهم نفس الإجراء؟
لماذا يفرضون علينا مناهج تعليمية غير صحيحة وغير مفيدة؟
لماذا قتلوا طلبة مدارس السود الذين خرجوا في مظاهرات احتجاجية من أجل حقوقهم؟
ترى، ماذا يتعلمون الطلبة في المدارس التي تنعم بلادها بالحرية؟


لماذا معسكرات الاعتقال المُروِّعة؟
لماذا توجد يافطات بيضاء اللون لمواقف باصات البيض، ويافطات معدنية سوداء اللون لمواقف باصات السود؟
لماذا عندما صعدنا إلى بعض حافلات البيض، طردونا منها بقسوة؟ وقال بعض الركاب البيض لنا بكل وقاحة: عليكم الوقوف بجانب اليافطة السوداء، واعتلاء الحافلات المكتوب على مقدمتها” لغير البيض فقط “؟
لماذا تكون حافلات السود مكتظة بالركاب مزدحمة، بينما حافلات البيض تكون نصف فارغة؟


لماذا لا نستطيع العيش في المدينة، ونتمكن من الذهاب إلى مدارس مدينة الذهب “جوهانسبرغ” والتي توفي والدنا في أحد مناجمها؟


لماذا رفضت صاحبة المنزل البيضاء- التي تعمل والدتنا عندها- أن نَبيت مع والدتنا في المنزل، وكانت منزعجة جدا، وحذَّرتنا بالشرطة والاعتقال إذا علموا بأمر وجودنا؟
ولماذا أخذتنا “غريس” صديقة الوالدة، وهي من نفس منطقتنا”بوتسوانا”، وأخفتنا في منزلها، بناء على طلب الوالدة بعيدا عن عنف وعيون الشرطة البيضاء المتوحشة ؟


لماذا تعتقل الشرطة الأطفال الأبرياء والاعتداءعليهم بلا رحمة، صفعا، وركلا، وبأعقاب البنادق أمام أعيننا؟
لم تنم “ناليدي” بعد سماعها من “غريس” قصة مجزرة الطلبة أثناء اضرابات الطلبة في “سويتو” عام 1976م، ومشاهداتها وهي تصف لهما ما حدث:” في ذلك اليوم الأسود، هجم أفراد شرطة حكومة الفصل العنصري وطائرات الهليوكبتر على المتظاهرين بالرصاص، وترى طلاب يسقطون صرعى على الأرض بالمئات غارقون بدمائهم الطاهرة، وآخرون يصرخون، وآخرون مصابون بجراح، وكم من الأمهات كُن يَصرُخن وهن يبحثن عن أطفالهن في الشوارع في مشهد مُرعب، كما أحرقوا مدارس ومكاتب، ووقع المئات من الطلبة رهن الاعتقال والتعذيب الهمجي حينئذ…إلخ(ص47)
أعادت هذه المشاهد إلى ذاكرة الإبنة “ناليدى” قصصا عديدة، فصارت تُناجي نفسها، وتقول: هذه الجبال سرقت منَّا الوالد إلى الأبد، ولا يمكن نسيان سُعاله المتواصل ليلا، في زيارته الأخيرة لنا قبل وفاته، بسبب مرض خطيرأصاب صدره نتيجة استنشاق غبار صخورمناجم الذهب أثناء عمله فيها!!(ص26)


لقد عمدت الكاتبة “بيفيرلي” المبدعة بمهارتها، إلى صياغة وتقديم هذه الأسئلة إلى القارئ في صور أدبية مليئة باللمسات الإنسانية التي تعبِّر أفضل تعبير عن معاناة شعب جنوب أفريقيا الأصيل في تلك الفترة، الذي ظل يكافح ويقدم التضحيات حتى نال الحريَّة.


كما هدفت الكاتبة من خلال القصة، إلى فضح وفظاعة عنصرية نظام التمييز العنصري هناك، ولدفع القرّاء إلى معرفة حقيقة ما جرى، وأن يطرحوا الأسئلة حول ما يدور حولهم دون الإكتفاء بما يرونه أمامهم لإزالة الأغشية التي تغطي عيونهم.


قصة الرحلة إلى جوهانسبرغ، كانت سببا ليتعرَّف الطفلان على سياسة الفصل العنصري في جميع جوانب الحياة وعلى أشياء كثيرة، و هي رحلة التعرُّف على واقع الاستعباد والعنصرية، وما جرى في وطنهم الأم جنوب أفريقيا، كما ساعدت الرحلة في إنقاذ الطفلة المريضة “دينيو” من الموت بعد عودة والدتها إلى المنزل وإرسالها إلى المستشفى وتعافيها. فكان تعافي الطفلة “دينيو” من مرضها يُجسِّد تعافي جنوب أفريقيا بخلاصها من نظام الأبارتهايد سيء الصيت وإلى الأبد.

أوجه الشبه بين الأبرتهايد في جنوب أفريقيا والاحتلال الصهيوني في فلسطين

بعد قراءتي لهذه القصة الواقعية، لاحظت أن أوجه الشبه كثيرة، بين ما حدث في جنوب أفريقيا إبَّان حكم الفصل العنصري( حكم البيض)، وبين ما تتعرض له فلسطين تحت الاستعمار الكولونيالي الصهيوني، بل ويتجاوز في بعض الجوانب نظام الفصل العنصري الذي حكم جنوب أفريقيا.


إن أبرز أوجه التشابه تتمثل في أولا: الاستعمار الاستيطاني والسيطرة على الأرض، حيث سيطرت الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا على معظم الأراضي الخصبة، وحصرت غالبية السود في مناطق ضيقة”بانتوستانات”، وفي فلسطين، يصادر الاحتلال الأراضي الفلسطينية ويطرد أصحابها الأصليين، كما قسَّم الضفة الغربية إلى مناطق معزولة (أ،ب،ج) لإعاقة التواصل الجغرافي الفلسطيني، تماما مثلما قسَّم نظام الفصل العنصري جنوب أفريقيا إلى محميات عرقية. ثانيا: كذلك عمل الاحتلال الصهيوني على تقييد الحركة وتفتيت الأراضي في وطننا الحبيب باستخدامه شبكة حواجز عسكرية وبناء جدار الفصل العنصري، مما جعل الضفة وغزة عبارة عن “بانتوستانات” معزولة ومحاصرة، بالإضافة إلى ممارسة سياسات القمع، وتنفيذ المجازر، وجرائم الإبادة وتدمير مدارس وجامعات والمنازل والاعتقالات. ثالثا: فرض الاحتلال قوانين عنصرية تمنح حقوق وامتيازات للصهاينة داخل الكيان الصهيوني والأراضي المحتلة على أساس العرق، وفرض قيودا صارمة على الفلسطينيين. رابعا: هناك تشابه تاريخي أيضا،حيث تأسس نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا عام 1948م وهو نفس عام نكبة شعبنا الفلسطيني، وكانت توجد علاقة قوية بين الاحتلال الصهيوني وذلك النظام قبل إنهياره.


من وجهة نظري، تعتبر قصة”رحلة إلى جوهانسبرغ” من روائع الأدب العالمي، نطرا لمعالجتها مضامين إنسانية، وهي من أقوى أنواع السرد تأثيرا لتركيزها على معاناة مشتركة تربط البشر ببعضهم، وتحتوي على عِبَر ودروس، وتعرض تساؤلات وجودية هامة، وهموم تشغل الإنسان في حياته، وتحثه على البحث عن إجابات لهذه التساؤلات، وعن رؤى إنسانية نبيلة.


القصة تتيح للقارئ، التأمل بتعمُّق فيما جرى من أحدث مؤلمة في حياة مواطني جنوب أفريقيا، يَندى لها الجبين، والظلم التاريخي الذي مارسه حكم البيض، والتعلم منها باستخلاص العِبر، وهي توثق للذاكرة الجماعية لملاحقة الجناة ، خاصة وأنه ما زالت في وقتنا الحاضر، بعض الدول العنصرية، ذات التوجه الاستعماري تمارس نفس السياسة للسيطرة على ثروات الشعوب الضعيفة بالقوة.

شاهد أيضاً

محمد علوش يرافق وفداً من السفارة الصينية في زيارة تفقدية إلى بلدة عطارة

محمد علوش يرافق وفداً من السفارة الصينية في زيارة تفقدية إلى بلدة عطارة

شفا – قام محمد علوش، عضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، بزيارة تفقدية إلى …