7:31 مساءً / 15 أبريل، 2026
آخر الاخبار

يوم العلم… حين تتكلم الذاكرة بلسان المثقف الشهيد .. ، بقلم : البروفيسور سعاد بسناسي

يوم العلم… حين تتكلم الذاكرة بلسان المثقف الشهيد .. ، بقلم : البروفيسور سعاد بسناسي

يوم العلم… حين تتكلم الذاكرة بلسان المثقف الشهيد .. ، بقلم : البروفيسور سعاد بسناسي


يعود يوم العلم 16 أفريل في كل عام، لتستعيد الجزائر ذاكرتها الحيّة وتستحضر رموزها الذين جعلوا من المعرفة سلاحًا ومن القلم منبرًا للحرية. إن الاحتفاء بهذا اليوم ليس مجرد مناسبة زمنية، بل هو تجديد للعهد مع رسالة العلم التي حملها الرواد، وتأكيد أن النهضة لا تقوم إلا على أساس من الفكر والمعرفة. لقد ارتبط يوم العلم بذكرى وفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس، رائد الإصلاح ومؤسس النهضة الجزائرية الحديثة، الذي جعل من التعليم والوعي سبيلًا لتحرير الإنسان الجزائري من قيود الجهل والاستعمار. إن اختيار هذا التاريخ للاحتفاء بالعلماء هو إشارة بليغة إلى أن العلم في الجزائر لم يكن يومًا ترفًا، بل كان فعل مقاومة ومشروعًا للتحرر.

إن تكريم العلماء والاعتراف بمنجزاتهم وأعمالهم هو وفاء للذاكرة الجماعية، وإشادة بمسار طويل من التضحيات الفكرية والعملية. فالعلماء لم يكتفوا بالتنظير، بل عاشوا أفكارهم وواجهوا بها تحديات عصرهم، ليتركوا للأجيال إرثًا من الفكر والإصلاح والنضال. وفي هذا السياق، نظّمت الأكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي، وحدة اللسانيات وتعليمية اللغات ندوة دولية احتفاءً بالمناسبة، بمشاركة باحثين ومفكرين من الجزائر والكويت ومصر، حيث تلاقحت الأفكار وتجدّدت العبرة من سير العلماء. وكانت مداخلتي في هذا الفضاء العلمي حول الشهيد الأديب أحمد رضا حوحو، الذي جسّد صورة المثقف الملتزم، فجمع بين الأدب والصحافة والعمل الإصلاحي، وارتقى بالكلمة إلى مرتبة الشهادة.

يُعدّ أحمد رضا حوحو (1910–1956) واحدًا من أبرز رموز النهضة الأدبية والفكرية في الجزائر الحديثة. لم يكن مجرد أديب وصحفي، بل مثقف ملتزم حمل همّ الإصلاح الاجتماعي والفكري، وجعل من قلمه منبرًا للدعوة إلى التحرر والوعي. جمع بين الأدب والإعلام والعمل الإصلاحي، ليصبح نموذجًا فريدًا للمثقف الذي يربط بين الفكر والممارسة، وبين الكلمة والموقف.

الأدب والفكر الإصلاحي:
حوحو كان من أوائل من أدركوا أن النهضة تبدأ من المدرسة والكتاب، وأن تحرير العقل الجزائري من قيود الجهل والتبعية شرط أساسي لمواجهة الاستعمار. كتب يقول:
“إن النهضة تبدأ من المدرسة والكتاب، ولا سبيل إلى تحرير العقل الجزائري إلا بالعلم والمعرفة.” كما دعا إلى التمسك بالهوية الوطنية، مؤكّدًا:
“علينا أن نتمسك بشخصيتنا الوطنية، فاللغة العربية هي وعاء فكرنا، وهي سلاحنا ضد محاولات الطمس.” في كتاباته الأدبية، كان يرى أن الفن رسالة اجتماعية، فقال:
“القصة ليست مجرد حكاية، بل هي مرآة لآلام الناس وآمالهم، وهي دعوة إلى التغيير.”

بهذا المزج بين الحس الفني والرسالة الإصلاحية، أسس تقليدًا أدبيًا يربط بين الجمال الفني والوظيفة الاجتماعية.

الصحافة كمنبر للنهضة:
في زمن كانت فيه الصحافة الجزائرية محدودة التأثير، جعل حوحو من المقال الصحفي أداة للتنوير، فكتب بجرأة عن قضايا المجتمع، وعن ضرورة استعادة الهوية الوطنية في مواجهة الاستعمار الفرنسي. كان يرى أن الكلمة الحرة هي السلاح الأول في معركة التحرر، وأن الصحافة ليست مجرد وسيلة إخبارية، بل فضاء للنقاش الفكري وبناء الوعي الجمعي.

المثقف الشهيد:
مع اندلاع الثورة التحريرية، لم يكتف حوحو بالقلم، بل انخرط في العمل الوطني، ليُعتقل من طرف الاستعمار الفرنسي ويُعدم في قسنطينة سنة 1956. باستشهاده، تحوّل إلى رمز للمثقف الملتزم الذي يضع حياته في خدمة الحرية والكرامة.
وقد وصفه أحد معاصريه بأنه:
“أحد أعمدة الحركة الثقافية الأدبية والفنية في الجزائر، حمل أمانة الثورة وخطّ لأدب جزائري خاص، ودعا إلى وحدة الصف وتثقيف الشباب.”
كما كتبت عنه باحثة جزائرية:
“كرّس وقته وماله وجهده للدفاع عن وطنه، وكان إيمانه راسخًا بالحفاظ على المقومات الشخصية للأمة الجزائرية.” أما جمعية العلماء المسلمين الجزائريين فقد اعتبرته من أبرز أعضائها النشطين، حيث كان صوته جريئًا في مواجهة الاستعمار ودعا إلى إصلاح المجتمع عبر التعليم والوعي.

رضا أحمد حوحو إرث حيّ:
يظل أحمد رضا حوحو حاضرًا في الذاكرة الثقافية الجزائرية كأحد رواد الأدب الحديث، وكصوت إصلاحي جسّد التلاقي بين الفكر والعمل. إن استعادة تجربته اليوم ليست مجرد وفاء لرمز من رموز النهضة، بل دعوة إلى إعادة التفكير في دور المثقف في زمن الأزمات، وإلى التأكيد أن الحرية والمعرفة وجهان لعملة واحدة.
المثقف الجزائري اليوم: بين الذاكرة والتحديات
إرث أحمد رضا حوحو يضع أمام المثقف الجزائري المعاصر سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن للكلمة أن تظل أداة للتغيير في زمن التحولات السريعة؟ فكما كان حوحو يرى أن النهضة تبدأ من المدرسة والكتاب، فإن المثقف اليوم مدعو إلى إعادة الاعتبار للمعرفة في مواجهة تحديات العولمة والرقمنة.

المثقف والالتزام الوطني:
أحمد رضا حوحو جسّد صورة المثقف الملتزم الذي لم يكتف بالكتابة، بل دفع حياته ثمنًا لمواقفه. هذا النموذج يذكّرنا بأن المثقف لا يمكن أن ينفصل عن قضايا وطنه، وأن الدفاع عن الحرية والكرامة يظل جزءًا من مسؤولية الكلمة. في زمن الأزمات، يصبح صوت المثقف ضرورة لتوجيه المجتمع نحو الوعي والنقد البنّاء.

المثقف والهوية الثقافية:
كما دعا أحمد رضا حوحو إلى التمسك باللغة العربية والهوية الوطنية، فإن المثقف الجزائري اليوم يواجه تحديات الحفاظ على الخصوصية الثقافية في ظل الانفتاح العالمي. إن استعادة إرثه تعني إعادة التفكير في دور الثقافة كحصن للهوية، وكجسر للتواصل مع العالم دون فقدان الذات.

المثقف وصوت الإصلاح:
كان أحمد رضا حوحو يرى أن الإصلاح يبدأ من نقد الواقع وتقديم البدائل. المثقف الجزائري اليوم مطالب بأن يكون صوتًا للإصلاح الاجتماعي والسياسي، وأن يساهم في بناء مجتمع أكثر عدلًا ووعيًا. فالكلمة الحرة لا تزال السلاح الأهم في مواجهة التهميش والفساد.
إرث حيّ ومستقبل مفتوح:
إن استحضار تجربة أحمد رضا حوحو ليس مجرد وفاء لرمز من رموز النهضة، بل هو دعوة إلى المثقف الجزائري ليواصل المسيرة، ويجعل من قلمه منبرًا للحرية والمعرفة. فكما كان حوحو شهيد الكلمة، يمكن للمثقف اليوم أن يكون حامل مشعل الإصلاح، وأن يربط بين الذاكرة والتحديات الراهنة في سبيل مستقبل أفضل.

  • – البروفيسور سعاد بسناسي – جامعة وهران 1 عضو المجلس الأعلى للغة العربية – رئيسة أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي.

شاهد أيضاً

د. أبو هولي يرحب بالدعم الإيطالي لمخيم اليرموك، ويدعو الأونروا إلى المضي قدماً في حشد الموارد لإعادة إعمار المخيمات

د. أبو هولي يرحب بالدعم الإيطالي لمخيم اليرموك، ويدعو الأونروا إلى المضي قدماً في حشد الموارد لإعادة إعمار المخيمات

شفا – رحب عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، رئيس دائرة شؤون اللاجئين الدكتور أحمد …