
ورثتُ عن أمّي فمها مثل صندوق موسيقى ، بقلم : هاجر الرقيق
لا أفتحه
إلاّ حين أتأكّد أنّه لا ضجيجَ من حولي.
في طفولتي، لم يكن عندنا راديو أو تلفاز،
لكنّ أمّي كانت تُشَغِّلُ فمها
بكهرباءِ النّكات و الأغنيات
حتّى لا تطالنا أخبارُ الحرب العاجلة.
كلّ يومٍ، أركضُ من المدرسةِ إلى صوتها،
أديرُ قفله،
و أدخلهُ برجليَّ المُتعبتين لأستريح.
في عيد ميلادي الثّاني عشر،
أردتُّ كرة قدم جديدة لألعبَ بها
و لأنّه لم يكن لنا مال،
خاطت لي أمّي دعوة
لازلتُ أركلها نحو مرمى الحياة عند كلِّ هُجوم.
“الله يحميك” هي طابتي الأسرع،
هي ركلةُ الرّابونا خاصّتي
و قدمي التي أسدّدُ بها آخر هدف
قبل أن ينفخَ الموتُ في صافرته.
أحيانًا، كانت فردةُ حذائي تعلقُ
بين “الله” و “يحميك”
فتسحبها أمّي برفق
و تعيدُ ربط خيوط قلبي من جديد.
كلُّ من في العالم يبدأ يومهُ بفطور الصّباح.
إلاّ نحن، نبدأُ بأمّي،
بدعواتها التي ترصّفها في صينيّة الفرن،
ساخنةً و مُستديرة،
يكفي أن يلمحنا الشّرّ مُنتفخينَ بها
حتّى يجري مُبتعدًا عن يومنا.
في اللّيل، تفردُ أمّي همساتها قماشةً للخيمة،
نتكوّرُ أسفل كلمة “أحبّك”
و ننام.
أحيانًا، أستفيقُ لأجد أمّي و هي تُسوّي الهمزة
على الألف حتّى لا تسقط فوق رؤوسنا
أو تنفشُ الكاف بيديها
إلى أن ترتفع و تصير مخدّةً من الصُّوف.
حين رحلت أمّي،
تركت فمها مُعلّقًا في وجهي
مثل صندوق موسيقى.
أخرجهُ أحيانًا من كومة الكراكيب،
ألمّعه، أدير إسطوانته
حين يتجمّعُ حولي أطفالي.
لا أفتحه
إلاّ حين أتأكّد أنّ الحياةَ خارج خيمتي
تُصغي.
هاجر الرقيق
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .