
النهر الأصفر… نموذج عالمي ، بقلم : ريماس الصينية
تحمل الأنهار الكبرى عبر العالم في مجراها حكايات حضارات بأكملها. فقد شهد نهر الراين تحولات الصناعة الأوروبية وصعودها وهبوطها، وعكس خبرات التعاون العابر للحدود، فيما يجسد نهر المسيسيبي النهج الأمريكي القائم على المشاريع الهندسية الكبرى في إدارة المياه. أما النهر الأصفر، الذي يصفه الصينيون بـ«النهر الأم»، فيقدم اليوم نموذجًا متميزًا في حوكمة الأحواض المائية، يطرح رؤية صينية تسهم في تحقيق التنمية المستدامة عالميًا.
ولا يتعلق الأمر بتصدير تجربة جاهزة، بل بحوار طبيعي بين حضارات تواجه تحديات متشابهة، فتتبادل الخبرات وتستلهم الحلول.
تحديات مشتركة
تواجه الأنهار الكبرى، أينما وجدت، معضلات متقاربة: تنمية في المنابع مقابل استقرار في المصبات، طلب متزايد على المياه للزراعة والتوسع الحضري، وضغوط متزايدة لحماية البيئة بالتوازي مع تحقيق النمو الاقتصادي. وقد وُصف نهر الراين سابقًا بأنه «مجرى للصرف الصناعي»، فيما عانى المسيسيبي لعقود من التلوث والفيضانات.
أما النهر الأصفر، فرغم أنه لا يمثل سوى 2% من إجمالي الموارد المائية في الصين، فإنه يدعم نحو 15% من الأراضي الزراعية و12% من السكان، ما يجعل إدارته من أعقد التحديات عالميًا.
مقاربة صينية متكاملة
تعتمد الصين في إدارة النهر الأصفر على ثلاثة مرتكزات رئيسية:
أولًا، سيادة القانون: دخل «قانون حماية النهر الأصفر» حيز التنفيذ عام 2023، ليشكل إطارًا قانونيًا شاملًا ينظم إدارة الموارد المائية، وحماية البيئة، وصون التراث، ضمن منظومة موحدة تمتد من المنبع إلى المصب.
ثانيًا، التفكير المنظومي: تنظر الصين إلى حوض النهر كوحدة بيئية متكاملة، حيث ترتبط مشكلات المنابع والمجرى الأوسط والمصب ببعضها. لذلك، تُنفذ سياسات شاملة تشمل حماية المراعي، والحد من تآكل التربة، واستعادة الأراضي الرطبة، ضمن رؤية موحدة.
ثالثًا، التوازن بين الصرامة والمرونة: تُطبق قيود صارمة على استخدام الموارد المائية عبر «ثلاثة خطوط حمراء» لضبط الاستهلاك والكفاءة والتلوث، مقابل تبني نموذج تنموي مرن قائم على الاقتصاد الأخضر وترشيد استخدام المياه وتحسين هيكل الطاقة.
دلالات عالمية
تقدم تجربة النهر الأصفر ثلاث رسائل أساسية للعالم:
• القانون هو الأساس لضمان استدامة إدارة الموارد المائية.
• الحلول الشاملة أكثر فاعلية من المعالجات الجزئية.
• يمكن تحقيق التوازن بين التنمية وحماية البيئة من خلال سياسات دقيقة ومدروسة.
نحو مستقبل مشترك
ورغم تحسن جودة المياه وتراجع نسبة الرواسب واستعادة النظم البيئية، لا تزال التحديات قائمة، خاصة في ظل تغير المناخ ومتطلبات التنمية الحديثة.
ولا تُعد تجربة النهر الأصفر نموذجًا قابلًا للاستنساخ الحرفي، لكنها تمثل مرجعًا مهمًا يوضح كيف يمكن لدولة كبرى أن تدير نهرًا بالغ التعقيد عبر القانون، والتخطيط الشامل، والتركيز على رفاه الإنسان.
في عالم تتزايد فيه الضغوط على الموارد المائية، تفتح تجربة النهر الأصفر بابًا لحوار عالمي أوسع، وتسهم برؤية شرقية في البحث عن توازن مستدام بين حماية الطبيعة واستمرار التنمية.
- – ريماس الصينية – صحفية صينية في CGTN العربية – الصين
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .