2:16 مساءً / 15 مايو، 2026
آخر الاخبار

حينَ تُقاومُ الطاولةُ سقوطَ العالم ، لوحة الفنان محمد الدغليس ، كلمات د. وليد العريض

حينَ تُقاومُ الطاولةُ سقوطَ العالم ، لوحة الفنان محمد الدغليس ، كلمات د. وليد العريض

حينَ تُقاومُ الطاولةُ سقوطَ العالم ، لوحة الفنان محمد الدغليس ، كلمات د. وليد العريض

في زاويةٍ صغيرةٍ من هذا العالم المُثقَلِ بالحروبِ والخذلانِ والضجيج، تجلسُ طاولةٌ متواضعةٌ كأنها آخرُ ما تبقّى من طمأنينةِ البشر، لا تحملُ ذهبًا ولا ترفًا ولا فناجينَ مترفةً لمدنِ الأثرياءِ، بل تحملُ ما هو أثمنُ من ذلك كلّه؛ بقايا حياةٍ تحاولُ أن تبقى حيّةً رغم كلّ ما يُحيطُ بها من تعبٍ وانكسارات، إبريقٌ أبيضُ يشبهُ قلوبَ الأمهاتِ حين تُرهقُها السنوات وكأسُ شايٍ نصفُ ممتلئٍ كأنّ أحدهم نهضَ على عجلٍ بعدما تذكّر أخبارَ العالمِ الثقيلة، وزهورٌ حمراءُ صغيرةٌ تُقاومُ الذبولَ بعنادِ الذين ما زالوا يؤمنون أن الجمالَ ضرورةٌ لا ترف، حتى في الأزمنةِ التي تتآكلُ فيها الأرواح كما يتآكلُ الخشبُ القديم تحت المطر.

في الخلفِ يقفُ البناءُ العالي محاطًا بالسقالات، كأنّه وطنٌ عربيٌّ كاملٌ ما يزالُ تحت الإنشاء منذ قرن، تُضافُ إليه الطوابقُ لكنّه لا يكتمل، وتُرمَّمُ جدرانُه كلَّ يومٍ بينما تتشققُ أرواحُ ساكنيه بصمت وحولَهُ تمتدُّ الأسلاكُ والحديدُ والخرسانةُ كأنّ المدينةَ فقدتْ قدرتها على التنفّس، ومع ذلك تصعدُ النباتاتُ الخضراءُ فوقَ الحديدِ الأسود، تُعانقُهُ دون خوف، وتُعلنُ بصمتها البهيّ أنّ الحياةَ تعرفُ دائمًا كيف تتسلّلُ من بينِ الثقوب وأنّ الإنسان، مهما أثقلتهُ الهزائم، يحملُ في داخله بذرةً سرّيةً لا تتوقّفُ عن النمو.

هذه الصورةُ ليستْ مشهدًا عابرًا لجلسةِ شايٍ في ظهيرةٍ صيفيّة، بل هي سيرةُ مجتمعٍ كاملٍ يحاولُ أن ينجو بأقلِّ الخسائر، مجتمعٌ تعبَ من نشراتِ الأخبارِ ومن صورِ الدماءِ ومن قسوةِ الأسعارِ ومن الخوفِ على الأبناءِ ومن الانتظارِ الطويلِ الذي لا ينتهي، فصارَ يبحثُ عن خلاصهِ في التفاصيلِ الصغيرة؛ في ظلِّ شجرة وفي جلسةِ صديق وفي كوبِ شايٍ ساخن وفي لحظةِ صمتٍ لا يُطلبُ فيها من القلبِ أن يُقاتلَ أحدًا.


الكراسي الفارغةُ في هذه اللوحة ليست فارغةً أبدًا، إنّها مليئةٌ بالراحلين، بالذين جلسوا هنا ذاتَ مساءٍ ثم أخذتهم المنافي أو الأمراض أو الحروب أو الغيابُ البطيء، مليئةٌ بالأحاديثِ التي قيلتْ ثم تبعثرتْ في الهواء وبالضحكاتِ التي كانتْ صادقةً قبل أن يتعلّمَ الناسُ كيف يبتسمون بحذر، حتى الفنجانُ الصغيرُ المتروكُ على الطاولة يبدو كأنّه شاهدٌ على قلبٍ كان هنا قبل قليل، يحاولُ أن يهدأ ثم عجز.

وحدها الأشجارُ في يمينِ اللوحة تبدو أكثرَ حكمةً من البشر، تقفُ ساكنةً لا تُجادلُ أحدًا، لا تُحلّلُ السياسة، لا تُشاهدُ نشراتِ القتل، لا تدخلُ معاركَ الكراهية، فقط تمنحُ الظلَّ لكلّ من يمرُّ تحتها وكأنّها تقولُ لنا إنّ أعظمَ أشكالِ المقاومةِ ليست الصراخَ دائمًا، بل القدرةُ على منحِ الحياةِ للآخرين رغم كلِّ ما يحدث.

هذه اللوحةُ تُشبهُ حالتَنا تمامًا؛ نعيشُ تحتَ سقوفٍ من الحديدِ والخوف، لكننا ما زلنا نزرعُ الورد ونُعدُّ الشاي ونتركُ كرسيًّا فارغًا لمن نحبّ، ونفتحُ النوافذَ للسماء ونؤمنُ في أعماقنا، رغم كلِّ هذا الخراب، أنّ العالمَ لا يمكنُ أن يستمرَّ دون قليلٍ من الرحمة ودون قلبٍ بشريٍّ ما يزالُ قادرًا على أن يخفقَ بحنان.

شاهد أيضاً

حالة “صامتة” تصيب 40% من البالغين قد تنذر بهشاشة العظام المتقدمة

شفا – تشير التقارير الطبية إلى إصابة نحو 40% من البالغين عالميا بـ”هشاشة العظام الخفيفة”، …