
المؤتمر الثامن لحركة فتح: “بين امتحان الذات وإغراء المقاعد” بقلم : سامي إبراهيم فودة
في اللحظات المفصلية، لا تُقاس قوة التنظيم بعدد أفراده، بل بقدرته على ضبط بوصلته.
واليوم، ونحن على أعتاب المؤتمر الثامن لحركة فتح، يبدو المشهد وكأن الحركة تقف أمام مرآة ثقيلة… تعكس كل ما تراكم فيها، من قوةٍ كامنة، إلى ارتباكٍ ظاهر، إلى طموحاتٍ تتزاحم حتى تكاد تختنق بها الفكرة.
ليس ما يجري مجرد استعداد تنظيمي لحدث دوري، بل حالة استنفار شاملة تُقرأ من زوايا متعددة. حركة كثيفة، لقاءات، اصطفافات، حسابات دقيقة… لكن خلف هذا الزخم، يبرز سؤال صامت: هل نحن بصدد إعادة بناء رؤية، أم مجرد إعادة ترتيب مواقع؟
فتح، التي شكّلت لعقود العمود الفقري للمشروع الوطني، لم تكن يومًا مجرد إطار تنظيمي، بل فكرة تقود شعبًا. ومن هنا، فإن أي مؤتمر لها يفترض أن يكون مساحة مراجعة عميقة، لا مجرد ساحة تنافس. غير أن المؤشرات الحالية توحي بأن الصراع يتجه نحو منطق “من يتقدم”، لا “ماذا سنقدّم”.
في البنية الداخلية، تتقاطع اتجاهات متعددة، لكل منها حساباتها وتحالفاتها. لا يجمعها برنامج واضح بقدر ما تجمعها الحاجة إلى الحضور داخل المشهد القادم. وهذا بحد ذاته ليس خللًا عابرًا، بل انعكاس لحالة تنظيمية فقدت تدريجيًا قدرتها على إنتاج مسار موحد، فاستعاضت عنه بإدارة توازنات.
وفي غزة، تتكثف الصورة أكثر. هناك، حيث يُفترض أن تكون التجربة الأشد صلابة، يظهر التشتت كأحد أبرز ملامح الواقع. كثرة في الطامحين، وقلة في القدرة على الفعل المشترك. الصوت مرتفع، لكن التأثير محدود. وبين من يرى نفسه أولى، ومن لا يمتلك أدوات الوصول، تضيع الفرصة، ويُعاد تشكيل المشهد دون حضور فعلي لمن يدّعون تمثيله.
ومع اقتراب المؤتمر، تدخل الحركة ما يمكن تسميته “موسم الظهور”. فجأة، تزداد الحيوية، وتعلو نبرة الحديث عن الإصلاح، ويُعاد طرح مفردات التمكين والتجديد. لكن التجربة تقول إن المشكلة لا تكمن في غياب هذه الشعارات، بل في استهلاكها حتى فقدت قيمتها. فالكلمة التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ، تتحول إلى عبء، لا إلى أداة تغيير.
الأزمة الحقيقية ليست في الأسماء المطروحة، ولا في حق أي قيادي أو كادر في السعي إلى موقع، بل في غياب الإطار الذي يحكم هذا السعي. حين يغيب المعيار، يصبح كل شيء قابلًا للتأويل، وتتحول العلاقات إلى بديل عن البرامج، والنفوذ إلى بديل عن الكفاءة.
أما الحديث عن “الجيل الجديد”، فهو في كثير من الأحيان لا يتجاوز حدود التوصيف. فالحضور الشبابي، رغم أهميته، لا يزال محكوماً بمظلات تقليدية، تعيد إنتاج نفس المنطق القديم بأدوات مختلفة. وهنا، لا يكون التغيير حقيقيًا، بل شكليًا، لأن جوهر القرار لم يتبدل.
أمام هذا الواقع، لا يبدو أن الخيارات المطروحة تحمل اختلافًا جوهريًا. السيناريو الأقرب هو إعادة تدوير المشهد مع بعض التعديلات التي تضمن استمراريته. وقد تظهر بعض المفاجآت، لكنها غالبًا لن تخرج عن حدود الممكن داخل نفس الإطار. وفي كل الأحوال، سيبقى السؤال معلقًا: هل هناك نية حقيقية لإعادة تعريف الدور، أم مجرد إدارة للمرحلة؟
بعيدًا عن دوائر القرار، تقف القاعدة التنظيمية في موقع المراقب القلق. هناك إحساس متنامٍ بأن الأولويات لم تعد كما كانت، وأن الاعتبار لم يعد لمن ضحّى بقدر ما هو لمن استطاع أن يتموضع. وهذه ليست أزمة انطباع، بل أزمة ثقة، وإذا لم تُعالج، فإن أثرها سيكون أعمق من أي نتيجة مؤتمر.
إن ما تحتاجه فتح اليوم ليس وجوهًا جديدة فقط، بل عقلًا تنظيميًا مختلفًا. تحتاج إلى إعادة تعريف العلاقة بين الموقع والمسؤولية، بين القرار والمحاسبة، بين الشعار والفعل. فالتنظيم الذي لا يُجدد أدواته، يفقد تدريجيًا قدرته على التأثير، مهما كان تاريخه.
في النهاية…
المؤتمر ليس مناسبة عابرة، بل اختبار حقيقي: إما أن يكون بداية لمسار مختلف يعيد للحركة دورها الطبيعي، أو محطة أخرى تُضاف إلى سلسلة من الفرص التي لم تُستثمر.
فالذين يعتقدون أن الصوت العالي يصنع موقعًا، قد يكتشفون متأخرين أن ما يبقى ليس الضجيج… بل الأثر.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .