9:16 مساءً / 28 مارس، 2026
آخر الاخبار

الدهشة بوصفها خلاصا: نحو إنسان جديد ، بقلم : ابتهال عبدالوهاب

الدهشة بوصفها خلاصا: نحو إنسان جديد ،

الدهشة بوصفها خلاصا: نحو إنسان جديد ، بقلم : ابتهال عبدالوهاب


احلم بجيل مختلف؛ جيل لا يرث الحروب كما ورثها آباؤه. لا يحمل السلاح حتى في خياله، بل يحمل الأسئلة ويحمل الدهشة .


الدهشة… تلك الفضيلة المنسية، التي كانت في أصل الفلسفة، حين وقف الإنسان الأول مذهولا أمام الوجود، فسأل بدلا من أن يقتل، وتأمل بدلا من أن يُدين. هذا الجيل الذي أحلم به، لن يبدأ من الكراهية، بل من السؤال؛ ولن يبحث عن اليقين السريع، بل عن المعنى العميق.


جيلا لا يغرى بالشعارات العالية، لأنه يرى هشاشتها، ولا يخدع بالبريق، لأنه تعلم أن النور الحقيقي لا يصنع بالضجيج. جيل يفهم أن من يفقد دهشته، يفقد إنسانيته، وأن من يعتدي على الحياة، إنما فقد قدرته على رؤيتها.


جيلا لا يفتن بصوت المعارك، بل يصغي إلى أنين ما بعدها.
و لا يرى في الحرب بطولة، بل خللا أخلاقيا مزمنا


لا ينخدع بسرديات المجد التي تصاغ على ركام المدن، ولا يبتلع الحكايات التي تلمع القتل وتزين الخراب
جيلا لا يرى في الاختلاف تهديدا، بل تنوعا ولن يفسر العالم بوصفه ساحة صراع، بل بوصفه نصا مفتوحا للقراءة.
احلم بجيل لا ينحني لثقل الماضي، ولا ينجرف وراء ضجيج الحاضر، بل يقف بينهما كوعي يقظ، يختار، ويعيد التسمية، ويمنح الأشياء معناها من جديد.


احلم بجيل لم تفقد روحه شجاعتها في الشك. جيل لا يطمئن إلى الإجابات السهلة، ولا يخاف من الأسئلة العميقة
جيلا لا ينجذب إلى الأساطير التي تغني للموت، ولا إلى الخطابات التي تزرع البطولة في فوهات البنادق
جيلا يتعلم أن الدم لا يصنع وطنا، وأن الجثث لا تؤسس مستقبلا، وأن الشعارات التي تولد في أوقات الحرب تموت غالبا في أول لحظة سلام.


جيلا لا يكتفي بكراهية الحروب بل يوسع دائرة الرفض لتشمل صناعها، أولئك الذين يعيشون على حواف الدم، ويتاجرون بالخوف، ويعيدون تدوير الكراهية كأنها مورد لا ينضب..


جيلا يعلم أن خلف كل معركة حسابات باردة تدار بعقل لا يرى في الإنسان سوى رقم..


جيلا يعيد تعريف البطولة:وانها لن تكون في القتال، بل في الامتناع عنه.. لن تكون في الانتصار على الآخر، بل في الانتصار على الرغبة في سحقه. سيدرك أن أعظم شجاعة ليست في اقتحام الجبهات بل في كسر الحلقة المفقودة بينك وبين الآخر


جيلا يرى في الأشياء ما هو أبعد من وظيفتها، وفي الإنسان ما هو أعمق من هويته، وفي الحياة ما هو أرحب من صراعاتها الضيقة.


غير أن هذا لن يكون سهلا؛ فالحروب لا تنتعش بالسلاح فقط، بل تعيش في الذاكرة، في التربية، في الخطاب، في اللغة ذاتها. لذلك فإن هذا التحول لن يكون سياسيا فحسب، بل وجوديا: عن طريق إعادة بناء الإنسان من الداخل، تحريره من إرث الخوف، ومن إدمان العداء، ومن وهم امتلاك الحقيقة المطلقة


هذا الجيل لن ينقذ العالم بالقوة، بل بالوعي؛ لن يغيره بالعنف، بل بإعادة اكتشافه. لأن الدهشة، في جوهرها، ليست ضعفا… بل بداية كل حكمة.


فحين نعيد للإنسان دهشته، نعيد له قدرته على أن يكون إنسانا
في النهاية اكرر، لا يولد العالم من جديد بالسلاح، بل بالعين التي ترى لأول مرة. حين يستعيد الإنسان دهشته، يستعيد براءته الأولى، تلك التي لم تدنسها الكراهية، ولم تثقلها يقينيات العنف. عندها فقط، لا يعود السؤال تهديدا، بل خلاصا؛ ولا يعود الاختلاف خطرا، بل ثراء


ولا يصبح الآخر عدوا، بل مرآة أوسع للذات


ولكى يولد هذا الحيل نحتاج إلى تربية لا تلقن الاجوبة، بل توقظ الاسئلة. تعليم لا يعتمد على الحفظ ، بل صانعي دهشة. ان نعلم الطفل كيف يرى، لا ماذا يرى، كيف يفكر، لا ماذا يفكر. فالعقول التي اعتادت التلقي يسهل قيادتها الى الحرب، اما العقول التي تعلمت التساؤل، فتصعب تعبئتها بالكراهية.


نحتاج الى خطاب ديني يستعيد جوهره الاخلاقي، لا صخبه التحريضي، الى ايمان يرقي الانسان، لا يقسمه. فالدين الذي لا يثمر رحمة، يتحول، بلا ان يدري، الى اداة في يد من يتقنون استثماره.


نحتاج الى اعلام لا يبيع الخوف، ولا يتاجر بالدم، بل يكشف، ويفسر، ويربي الذوق العام على الحقيقة لا الاثارة. فالكلمة، حين تنحرف، تصبح رصاصة مؤجلة.


نحتاج الى ذاكرة لا تقدس الالم، بل تتعلم منه، لا تعيد انتاج الجراح، بل تفكك اسبابها. فالشعوب التي تحول ماسيها الى اناشيد، تخاطر بان تعيد عزفها مرة اخرى.


نحتاج الى شجاعة من نوع مختلف، شجاعة الاعتراف، لا شجاعة الانكار، شجاعة مراجعة الذات، لا الاكتفاء باتهام الاخر. لان الحروب لا تبدأ حين نختلف، بل حين نرفض ان نفهم اختلافنا.


نحتاج، قبل كل شيء، الى ان نعيد للانسان حقه في ان يندهش، ان يرى العالم بلا اقنعة، وان يقترب منه بلا خوف، وان يلمسه بلا رغبة في امتلاكه او تدميره.


فهذا الجيل لن يولد من فراغ، بل من قرار.
قرار بان نكف عن توريث الكراهية، كما نورث الاسماء.
قرار بان نربي ابناءنا على الحياة، لا على انتظار الموت.


ولا يكتمل هذا التحول دون الفن الراقي، ذلك الذي لا يكتفي بأن يكون مرآة للواقع، بل يسعى إلى إعادة تشكيله. فالفن، حين يسمو، لا يسلي الإنسان فقط، بل يعيد تربيته وجدانيا، يفتح في داخله نوافذ للدهشة، ويهذب حسه تجاه الجمال والمعنى. لوحة صادقة، قصيدة عميقة، لحن نقي، او مشهد مسرحي حي، قد تفعل في النفس ما تعجز عنه الخطب والكتب. فالفن الحقيقي يزرع التعاطف حيث تنمو القسوة، ويوقظ الحس الانساني حيث يخدره الاعتياد، ويمنح الانسان القدرة على رؤية الاخر لا كخصم، بل ككائن يشبهه في الالم والحلم. ولذلك، فان الجيل الذي نحلم به لن يتشكل بالافكار وحدها، بل بالجمال ايضا


اعلم تماما انه مجرد حلم. لكنه ليس حلما طوباويا بقدر ما هو ضرورة وجودية؛ لأن العالم الذي أنهكته الحروب، وأفسدته الشعارات، لم يعد يحتمل نسخا مكررة

شاهد أيضاً

قيادة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان: دماء الصحفيين تفضح جرائم الاحتلال وتؤكد أن الحقيقة لا تُغتال

شفا – د. وسيم وني ، قال بيان صدر عن قيادة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية …