4:57 مساءً / 27 مارس، 2026
آخر الاخبار

بين فخّ المليون وأوهام الحسم… هل تُحسم الحروب بالأعداد أم بالعقول؟ بقلم : سامي إبراهيم فودة

بين فخّ المليون وأوهام الحسم… هل تُحسم الحروب بالأعداد أم بالعقول؟ بقلم : سامي إبراهيم فودة


في زمنٍ تتبدّل فيه موازين القوة وتتداخل فيه حسابات السياسة مع نيران الميدان، يطفو على السطح خطابٌ صاخب يتحدث عن “جيش المليون شهيد” في مواجهة قوات النخبة الأمريكية “الرينجرز”، وكأنّ المعركة المقبلة – إن وقعت – ستكون اختبارًا مباشرًا بين الكثرة العقائدية والدقة العسكرية. لكنّ الحروب الحديثة لم تعد تُقاس بعدد البنادق وحدها، ولا بحجم الجيوش التي تُستحضر في الشعارات، بل بتعقيدات أعمق تتشابك فيها التكنولوجيا، والاستخبارات، والتحالفات، والإرادة السياسية
إنّ الحديث عن “مليون مقاتل مستعد للشهادة” يعكس بُعدًا عقائديًا تعبويًا لطالما استخدمته الدول والقوى التي ترى في الصمود الشعبي عنصرًا حاسمًا في معادلات الردع. هذا النموذج الذي تُجسّده إيران يعتمد على فلسفة “النفس الطويل”، واستنزاف الخصم عبر الامتداد الجغرافي والبشري، وليس عبر المواجهة التقليدية المباشرة فقط. فالحرب البرية، في هذا السياق، ليست مجرد اشتباك عسكري، بل حرب إرادات، حيث يتحول الإنسان إلى عنصر استراتيجي بحد ذاته.
في المقابل، تمثّل قوات “الرينجرز” الأمريكية نموذجًا مختلفًا تمامًا، يقوم على الاحترافية العالية، والضربات الدقيقة، والتفوق التكنولوجي والاستخباراتي. فهذه القوات لا تدخل الحروب لقياس الكثرة، بل لإعادة تشكيل ميدان المعركة وفق معايير السيطرة والسرعة والصدمة. وهي عقيدة عسكرية تقوم على تقليل الخسائر، وتحقيق الأهداف بأقل احتكاك ممكن، ما يجعلها تتفادى الانجرار إلى حروب استنزاف طويلة.
غير أنّ الفخ الحقيقي لا يكمن في الأرقام ولا في النخب، بل في طبيعة الأرض التي قد تُفرض عليها المعركة. فالحرب البرية في بيئات معقدة – سواء كانت مدنًا مكتظة أو تضاريس وعرة – تُفقد الجيوش المتفوقة تقنيًا جزءًا من ميزتها، وتُعيد الاعتبار لعوامل مثل العقيدة القتالية، والمرونة، والقدرة على التكيّف. هنا، يصبح “المليون” رقمًا قابلًا للتحوّل إلى ضغط ميداني حقيقي، بينما تتحول “النخبة” إلى قوة تبحث عن تفكيك هذا الزخم دون الغرق فيه.
كما أنّ أي مواجهة مباشرة بين هذين النموذجين لن تكون معزولة عن الإقليم والعالم. فإيران لا تقاتل وحدها ضمن منظومة نفوذ ممتدة، والولايات المتحدة لا تدخل حربًا دون حسابات تحالفاتها وتكلفتها السياسية والاقتصادية. وبالتالي، فإنّ سيناريو الحرب البرية الشاملة يبدو أقرب إلى “حافة الهاوية” منه إلى خيار واقعي، حيث يدرك الطرفان أنّ كلفة الانزلاق إلى هذا المستوى من التصعيد قد تكون أكبر من أي مكسب محتمل.
في ختام سطور مقالي
في النهاية، قد يبدو “فخ المليون” عنوانًا صاخبًا يجذب الانتباه، لكنه في عمقه يختزل صراعًا أعقد بكثير من مجرد أرقام أو وحدات نخبة. فالحروب اليوم تُحسم بالعقل قبل السلاح، وبالقدرة على تجنّب المعركة بقدر ما تُحسم داخلها. وبين خطاب التعبئة الجماهيرية ومنطق القوة الدقيقة، يبقى السؤال الأهم: من ينجح في فرض شكل المعركة هو من يقترب أكثر من حسمها… لا من يملك العدد الأكبر، ولا حتى السلاح الأحدث، بل من يُدير الصراع بذكاءٍ أعلى.

شاهد أيضاً

الاحتلال يقتحم مدينة طوباس

شفا – اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الجمعة، مدينة طوباس. وأفادت مصادر محلية، بأن الاحتلال …