10:30 مساءً / 26 مارس، 2026
آخر الاخبار

“حين تُحلّق الغربان فوق تل أبيب… بين أساطير النبوءة وحقائق السياسة” ، بقلم : سامي إبراهيم فودة

“حين تُحلّق الغربان فوق تل أبيب… بين أساطير النبوءة وحقائق السياسة” ، بقلم : سامي إبراهيم فودة


في لحظات التوتر الكبرى، لا تعود السماء مجرد فضاءٍ مفتوح، بل تتحول إلى شاشة تُسقط عليها الشعوب مخاوفها وأسئلتها وقلقها الوجودي. مشهد أسراب الغربان وهي تغزو سماء تل أبيب لم يمرّ كظاهرة عابرة، بل أثار موجة من التأويلات، تراوحت بين قراءات دينية تتحدث عن نبوءات آخر الزمان، وتحليلات نفسية ترى في الأمر انعكاسًا لحالة القلق الجماعي، وصولًا إلى قراءات سياسية تبحث في دلالات ما وراء المشهد.


صلب المقال (التحليل السياسي):
الربط بين الظواهر الطبيعية والنبوءات ليس جديدًا، بل هو سلوك إنساني قديم يظهر بوضوح في أوقات الأزمات. في الحالة الإسرائيلية، حيث يتقاطع الدين مع السياسة بشكل عميق، تصبح مثل هذه المشاهد مادة خصبة لإعادة إنتاج الخطاب الأيديولوجي، سواء داخل المجتمع أو في رسائل موجهة للخارج.


الغربان، في المخيال الإنساني، ليست مجرد طيور؛ بل رموزٌ للموت والخراب والتغيرات المفصلية. لذلك، فإن ظهورها بكثافة فوق مدينة مركزية مثل تل أبيب، في ظل أجواء مشحونة سياسيًا وأمنيًا، يفتح الباب أمام استدعاء سرديات نهاية الزمن، خاصة في أوساط دينية تؤمن بأن الأحداث الكبرى تُسبق بإشارات كونية.


لكن القراءة السياسية الأكثر واقعية تذهب في اتجاه مختلف. فالمجتمعات التي تعيش تحت ضغط أمني مستمر، وتخوض صراعات مفتوحة، تكون أكثر قابلية لتفسير أي حدث غير اعتيادي بوصفه “علامة”. وهذا يعكس حالة من الهشاشة النفسية الجمعية، التي قد تستغلها النخب السياسية أو الإعلامية، إما لرفع منسوب الخوف أو لتبرير سياسات معينة.


في السياق ذاته، لا يمكن فصل هذا المشهد عن حالة الاستقطاب الداخلي في إسرائيل، حيث تتصاعد الخلافات السياسية، وتتعمق الأزمات الاجتماعية. في مثل هذه البيئات، تتحول الرموز – حتى لو كانت طبيعية – إلى أدوات خطابية، تُستخدم لتغذية روايات متناقضة: فهناك من يراها “إنذارًا إلهيًا”، وآخرون يرفضون ذلك ويعتبرونه توظيفًا خرافيًا لخدمة أجندات سياسية.
من زاوية أخرى، يمكن قراءة الظاهرة ضمن إطار بيئي بحت، يتعلق بتغيرات المناخ أو أنماط الهجرة لدى الطيور. لكن المفارقة تكمن في أن التفسير العلمي غالبًا ما يكون الأقل حضورًا في وعي الجماهير، مقارنة بالتفسير الرمزي أو الغيبي، خاصة في أوقات القلق الجماعي.


في ختام سطور مقالي:


بين تحليق الغربان في السماء، وتحليق المخاوف في العقول، يبقى الفارق شاسعًا بين الواقع والتأويل. ما حدث في تل أبيب قد يكون مجرد ظاهرة طبيعية، لكنه كشف – بوضوح – عن عمق التوتر الكامن داخل مجتمع يعيش على حافة الصراع. فحين يبحث الناس عن إشارات في السماء، فإن ذلك يعكس، قبل أي شيء، غياب اليقين على الأرض. وفي السياسة، كما في الحياة، ليست كل علامة نبوءة… لكن كل خوفٍ له جذور تستحق أن تُفهم.

شاهد أيضاً

رئيس الوزراء يوجّه بتعزيز وتطوير منهجية العمل الحكومي لتكون أكثر مرونة واستجابة للتطورات

رئيس الوزراء يوجّه بتعزيز وتطوير منهجية العمل الحكومي لتكون أكثر مرونة واستجابة للتطورات

شفا – ترأس رئيس الوزراء محمد مصطفى، اليوم الخميس في مكتبه برام الله، اجتماعًا وزاريًا …