6:39 مساءً / 23 مارس، 2026
آخر الاخبار

محمد رمزي فودة… حكاية شهيدٍ خرج يبحث عن الخبز فعاد محمولًا على الوجع ، بقلم: سامي إبراهيم فودة

“محمد رمزي فودة… حكاية شهيدٍ خرج يبحث عن الخبز فعاد محمولًا على الوجع” ، بقلم: سامي إبراهيم فودة


في غزة، لا تحتاج الحكايات إلى مبالغة… لأن الواقع نفسه يفوق كل وصف. هناك، حيث يصبح الخروج بحثًا عن لقمة العيش مخاطرةً بحياة كاملة، كُتبت سيرة الشهيد محمد رمزي فودة بدمٍ صادق، في فجرٍ لن يُنسى. لم يكن محمد مقاتلًا، ولا صاحب قضيةٍ سياسية في تلك اللحظة… كان إنسانًا بسيطًا، خرج ليؤمّن خبزًا لعائلته، فعاد شهيدًا على طريقٍ لم يُكمل نهايته.
سردية الشهيد محمد رمزي فودة:
محمد رمزي محمد فودة، المعروف بـ“أبو مصعب”، شاب من مواليد 4/6/1992، متزوج حديثًا، لم يُرزق بأطفال بعد، لكنه كان يحمل في قلبه مسؤولية أكبر من عمره. كان سندًا لأمه، وراعياً لأخته الكفيفة، وعماد بيتٍ صغير بدأه مع زوجته هديل، يحلم أن يكبر بهدوء رغم قسوة الحياة في غزة.
في ليلة 28 شباط/فبراير 2024، خرج محمد برفقة شقيقه هيثم، وعدد من أقاربه وأصدقائه، منهم عمه وليد، وياسر، وسمير، وابن خالته محمد. توجهوا جميعًا إلى منطقة “النابلسي” قرب ميناء غزة، حيث قيل إن شاحنات مساعدات محمّلة بالطحين ستصل.
انتظروا لساعات طويلة…
ليلٌ كامل قضوه في البرد، بلا طعام، بلا راحة، فقط على أمل أن يعودوا بكيس طحين يخفف عن عائلاتهم وجع الجوع.
مع اقتراب الساعة الرابعة فجر يوم الخميس 29 شباط/فبراير 2024، وصلت الشاحنات. وفي اللحظة التي اندفع فيها الناس نحوها، بدأت المأساة.
إطلاق نار كثيف وعشوائي…
دبابات تتقدم…
فوضى وصراخ…
وأجساد تسقط دون إنذار.
وسط هذا المشهد، أُصيب ابن عمه سمير فهد بطلقة نارية في الرقبة، اخترقت جسده دخولًا وخروجًا. حاول الجميع النجاة، لكن الرصاص كان أسرع من كل محاولة.
يقول شقيقه، الذي عاش اللحظات:
كان مختبئًا خلف مكعبٍ إسمنتي، والرصاص لا يتوقف. وبعد فترة من إطلاق النار، بدأ ينادي… لعل أحدًا يسمعه، لعل أحدًا يجيبه.
وبالصدفة، لمح شقيقه هيثم، ثم لمح محمد…
كان مرميًا، مصابًا، بين الفوضى والدم.
اقترب منه، يحاول إنقاذه، يحاول فقط أن يمنحه فرصة.
وضعه على عربة يجرها حمار، كانت تمر في المكان، لكن الصدمة لم تنتهِ هنا.
صاحب العربة رفض نقله…
هدده بسلاحٍ أبيض، وأجبره على إنزال أخيه المصاب.
في تلك اللحظة، لم يكن هناك أخ… ولا صديق… ولا جار…
كان كل إنسان يبحث عن نفسه فقط، كأن المكان تحوّل إلى مشهدٍ من يوم القيامة.
يقول:
“صرخت، استنجدت، بكيت… ما حد وقف معي… ولا حد ساعدني.”
بعد محاولات يائسة، وبمساعدة من رحم الله قلبه، تمكن من نقل محمد:
من شارع الجلاء، إلى عيادة الشيخ رضوان،
ثم جرى نقله بسيارة إسعاف بصعوبة شديدة إلى مستشفى كمال عدوان، وسط القصف والخطر.
لكن الطريق كان أطول من قدرة الجسد على الاحتمال…
استشهد محمد بين يدي أخيه.
لم يصل سرير المستشفى…
لم يأخذ فرصة للنجاة…
رحل بصمتٍ موجع، كما عاش بصبرٍ كبير.
الاسم: محمد رمزي محمد فودة (أبو مصعب)
تاريخ الميلاد: 4/6/1992
تاريخ الاستشهاد: 29/2/2024 (يوم الخميس)
مكان الدفن: مقبرة مشروع بيت لاهيا
ملامح من روحه…
لم يكن محمد مجرد ضحية ظرفٍ قاسٍ، بل كان روحًا طيبة تمشي على الأرض.
كان شابًا حنون القلب، قريبًا من أهله، يفيض حبًا واهتمامًا، خاصة تجاه والدته التي كان لها الابن والسند والرفيق. لم يكن يردّ طلبًا، ولا يتأخر عن مساعدة أحد.
كان معطاءً بطبعه، يخدم الجميع دون تردد، ويزرع الأثر الطيب أينما حلّ.
رحيله لم يكن حدثًا عابرًا…
كان صدمةً قاسية كسرت قلوب كل من عرفه، وكل من لمس طيبته، وكل من اعتاد وجوده الدافئ بين أهله وأحبابه.
في سطور ختام مقالي
محمد رمزي فودة لم يكن مجرد اسمٍ في قائمة شهداء… بل كان حياةً كاملة، قصة كفاح، ورجلًا خرج يحمل همّ عائلته، فعاد محمولًا على أكتاف الفقد. حكايته ليست فقط عن الموت… بل عن القسوة التي تُجبر الإنسان أن يواجه مصيره وحيدًا، وعن وطنٍ يُثقل أبناءه حتى آخر نفس.
سيبقى محمد شاهدًا على زمنٍ يُقتل فيه الإنسان وهو يبحث عن الخبز… وستبقى قصته وجعًا لا يهدأ في قلب كل من عرفه، أو سمع عنه، أو شعر بأن هذا العالم كان قاسيًا أكثر مما يجب.

شاهد أيضاً

على متن الصاروخ الحامل "سمارت دراغون-3" .. الصين تطلق أقمارا اصطناعية من البحر

على متن الصاروخ الحامل “سمارت دراغون-3” .. الصين تطلق أقمارا اصطناعية من البحر

شفا – هاييانغ 23 مارس 2026 (شينخوا) أقلع صاروخ حامل من طراز “سمارت دراغون-3” يوم …