12:03 مساءً / 22 مارس، 2026
آخر الاخبار

ترامب رمى حجر في البير والف عاقل مش عارفين يطلعوه ، بقلم : أحمد سليمان

ترامب رمى حجر في البير والف عاقل مش عارفين يطلعوه ، بقلم: أحمد سليمان

بهذا المثل تختصر صورة المشهد المتفجر في المنطقة حيث لم يعد التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران مجرد أزمة عابرة بل تحول إلى لحظة مفصلية تختبر توازنات القوة وحدود القرار السياسي عندما تتحكم به الحسابات الضيقة والرهانات الخطرة

ما نشهده اليوم ليس مجرد مواجهة تقليدية بل صراع مركب تتداخل فيه الأبعاد العسكرية بالاقتصادية والسياسية وتتشابك فيه حسابات الداخل مع رهانات الخارج بما يجعل أي خطوة غير محسوبة قادرة على إشعال حريق واسع يصعب احتواؤه

في قلب هذا المشهد يبرز دونالد ترامب الذي اندفع نحو المواجهة مع إيران تحت شعارات الردع واستعادة الهيبة الأمريكية ومحاولة فرض معادلة جديدة في المنطقة إلا أن هذا الاندفاع حمل في طياته قدرًا كبيرًا من المغامرة حيث لم تُحتسب بدقة طبيعة الرد الإيراني ولا حجم التعقيد في شبكة التحالفات الإقليمية

فإيران ليست مجرد دولة تقليدية في حسابات الصراع بل هي لاعب يمتلك أدوات متعددة في إدارة المواجهة من الحرب غير المباشرة إلى النفوذ الإقليمي مرورًا بأهم عناصر قوتها وهي منظومتها الصاروخية التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى ركيزة أساسية في استراتيجيتها الدفاعية والهجومية على حد سواء

لقد طورت طهران ترسانة صاروخية متقدمة تشمل صواريخ باليستية ومجنحة متفاوتة المدى والدقة ما منحها قدرة على استهداف قواعد عسكرية ومنشآت حيوية في عمق المنطقة وهو ما خلق معادلة ردع حقيقية قائمة على كلفة الرد وليس فقط على منطق الضربة الأولى

هذه القوة الصاروخية لا تقتصر أهميتها على بعدها العسكري بل تحمل أيضًا بعدًا سياسيًا واضحًا إذ تتيح لإيران التفاوض من موقع قوة وتفرض على خصومها التفكير مليًا قبل أي تصعيد واسع لأنها تدرك أن أي مواجهة مفتوحة لن تكون بلا ثمن

وفي الجهة المقابلة يبرز بنيامين نتنياهو كأحد أبرز الدافعين نحو هذا المسار التصعيدي حيث لا ينظر إلى الصراع مع إيران كملف عابر بل كأولوية استراتيجية يسعى من خلالها إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يخدم التفوق الإسرائيلي على المدى الطويل

غير أن هذا التوجه لا ينفصل عن واقع داخلي معقد يعيشه نتنياهو في ظل ضغوط متزايدة من قوى اليمين داخل حكومته التي تدفع باتجاه الحسم العسكري وترى في أي تراجع أو تهدئة مؤشر ضعف سياسي وهو ما يجعل هامش المناورة أمامه محدودًا ويضعه في موقع المندفع نحو التصعيد أكثر من كونه صاحب قرار متوازن

إلى جانب ذلك تبرز الاعتبارات الشخصية والسياسية حيث يواجه نتنياهو مسارًا قضائيًا معقدًا جعله في مواجهة دائمة مع شبح المحاكمة الأمر الذي يدفعه إلى استخدام التصعيد الخارجي كوسيلة لإعادة ترتيب أولوياته الداخلية وتأجيل الاستحقاقات الحساسة عبر خلق حالة طوارئ سياسية وأمنية

وهنا تتقاطع الحسابات الشخصية مع القرارات الاستراتيجية في أخطر صورها إذ يصبح التصعيد ليس فقط خيارًا أمنيًا بل أداة للبقاء السياسي وهو ما يزيد من احتمالات الخطأ في التقدير ويدفع نحو قرارات قد لا تكون محسوبة النتائج

ومع تزايد حدة المواجهة تتسع دائرة المخاطر بشكل لافت حيث لم تعد التهديدات مقتصرة على الضربات المباشرة بل باتت تشمل سيناريوهات أكثر خطورة مثل استهداف خطوط الملاحة الدولية وإمكانية إغلاق مضيق هرمز الذي يعد شريانًا حيويًا للطاقة العالمية وهو ما قد يؤدي إلى أزمة اقتصادية دولية تتجاوز آثارها حدود المنطقة

كما أن اتساع رقعة الاشتباك ليشمل أطرافًا إقليمية أخرى يضع المنطقة أمام احتمال الانزلاق إلى حرب متعددة الجبهات حيث يصبح من الصعب احتواء التصعيد أو حصره ضمن نطاق جغرافي محدد

ورغم كل هذا التصعيد فإن الأهداف التي رُفعت في بدايته لم تتحقق فإيران لم تتراجع بل أظهرت قدرة أكبر على التماسك وإعادة التموضع كما أن الضغوط العسكرية أسهمت في تعزيز التيارات المتشددة داخلها بدل إضعافها وهو ما يعقّد أي مسار دبلوماسي محتمل

في المقابل لم ينجح التصعيد في تحقيق استقرار لإسرائيل أو فرض معادلة ردع مطلقة بل على العكس زاد من حالة القلق الاستراتيجي وفتح الباب أمام سيناريوهات غير محسوبة قد ترتد بنتائج عكسية على الجميع.

وهنا يعود المثل ليختصر المشهد بكل دقة حجر أُلقي في بئر عميقة بفعل قرارات متسرعة لكن إخراجه بات مهمة شديدة التعقيد تتطلب توافقًا دوليًا وإرادة سياسية غير متوفرة حتى الآن في ظل تضارب المصالح وتعدد الأجندات

إن ما يجري اليوم ليس مجرد صراع عابر بل محطة قد تعيد تشكيل ملامح المنطقة لعقود قادمة حيث تتقاطع قوة الصواريخ مع تهور السياسة وتتداخل الحسابات الإقليمية مع الأزمات الداخلية في معادلة شديدة الحساسية

وفي ظل غياب أفق واضح للحل تبقى المنطقة مفتوحة على كل الاحتمالات حيث يمكن لأي شرارة صغيرة أن تتحول إلى انفجار كبير وقد يكون السؤال الأهم ليس من بدأ هذا التصعيد بل من يملك القدرة على إيقافه قبل أن يتحول إلى كارثة شاملة

وفي النهاية يبدو أن الجميع قد أصبح داخل البئر نفسها وأن إخراج الحجر لن يكون مهمة سهلة أو قريبة وأن كلفة الانتظار والتردد قد تكون أعلى بكثير مما يتوقعه صناع القرار اليوم .

  • – أحمد سليمان – حركة فتح السويد

شاهد أيضاً

الصين تقوم بمشاركة أول صور مراقبة من القمر الصناعي “فنغيون-4 سي”

شفا – أصدرت هيئة الأرصاد الجوية الصينية يوم السبت الماضي أول مجموعة من صور المراقبة …