9:17 مساءً / 1 مارس، 2026
آخر الاخبار

حين يُصادَر الأذان… ويُعتقَل الوقت ، بقلم : سامي إبراهيم فودة

حين يُصادَر الأذان… ويُعتقَل الوقت ، بقلم : سامي إبراهيم فودة


في الأزمنة العادية يُقاس الظلم بما يُسلب من أرضٍ أو حقٍّ أو حرية، أمّا في زمن القهر المُطلق فيُقاس بما يُسلب من روحٍ وعبادة. وحين يصل البطش إلى حدّ مصادرة الأذان نفسه، فاعلم أنّ المستهدَف ليس الجسد الأسير فحسب، بل عقيدته وطمأنينته وحقّه في أن يلتقي ربّه على موعدٍ معلوم.


لقد أعلنت هيئة شؤون الأسرى والمحررين أنّ إدارة سجن عوفر تحرم الأسرى الفلسطينيين من معرفة مواعيد أذانَي الفجر والمغرب مع حلول شهر رمضان، وتمتنع عن إبلاغهم بالتوقيت الصحيح للصيام والإفطار. أيُّ قسوةٍ هذه التي تُربك ساعة القلب، وتُطفئ في الزنازين ضوء المغرب، وتُدخل الشكّ إلى لحظةٍ يفترض أن تكون يقينًا؟


رمضان في السجون ليس مجرّد امتناعٍ عن الطعام والشراب؛ إنّه امتحان صبرٍ مضاعف، وعبادةٌ تُستخلص من بين أنياب العتمة. الأسير هناك ينتظر الأذان كما ينتظر الفرج، يحدّق في جدارٍ أصمّ، ويصغي إلى صمتٍ ثقيل، ويعدّ الثواني بقلقٍ لئلا يفطر قبل وقته أو يُمسك بعده. إنّ منعهم من معرفة التوقيت ليس إجراءً إداريًا عابرًا؛ إنّه عقوبة روحية، واعتداءٌ على أبسط حقوق الإنسان في ممارسة شعائره الدينية بكرامة.


ما معنى أن يُحرم الأسير من معرفة الفجر؟ معناه أن يُترك في حيرةٍ بين العبادة والخطأ، بين الطاعة والخشية من الوقوع في المحظور. وما معنى أن يُحجب عنه أذان المغرب؟ معناه أن يُضاعف عليه وجع الجوع بوجع الانتظار، وأن يُختبر في يقينه وهو يعلم أنّ وراء الجدران مدينةً كاملة تفطر على تكبيرات المساجد، بينما يظلّ هو أسير التخمين.


إنّ هذه الممارسات لا تستهدف الجسد المُقيّد فحسب، بل تستهدف الثبات في داخله، وتريد أن تُشعره بأنّ حتى الزمن ليس ملكه. لكنّ التاريخ يُعلّمنا أنّ الشعوب التي تُصلّي في السجون، وتُصِرّ على صيامها رغم الظلام، لا تُهزم. فالإيمان حين يُحاصَر يتوهّج، وحين يُضيَّق عليه يتّسع.


من حقّ الأسرى أن يعرفوا وقت عبادتهم كما يعرفه سائر البشر. من حقّهم أن يفطروا على أذانٍ واضح لا على ظنٍّ مرير. ومن واجب العالم أن يسمع هذا الصوت الخارج من بين القضبان، وأن يدرك أنّ انتهاك الشعائر الدينية ليس تفصيلًا صغيرًا، بل مساسٌ بجوهر الكرامة الإنسانية.


سيبقى الأذان، وإن حُجب صوته، حيًّا في صدورهم. وسيبقى الفجر فجرًا، ولو تأخّر عليهم إعلانُه. فالقيد قد يُمسك بالمعصم، لكنه لا يستطيع أن يُمسك بالروح. وفي رمضان، تتجلّى الحقيقة أكثر: الجوع عابر، أمّا الكرامة فباقية… والأذان وإن صودر من المآذن، فلن يُصادر من القلوب.

شاهد أيضاً

تقرير : التزموا منازلكم فور سماع صفارات الإنذار، تحذيرات رسمية لحماية المواطنين في الضفة الغربية

تقرير : التزموا منازلكم فور سماع صفارات الإنذار، تحذيرات رسمية لحماية المواطنين في الضفة الغربية

شفا – وصال أبو عليا – في ظل التصعيد العسكري المتسارع في المنطقة، وتبادل الضربات …