1:00 صباحًا / 1 مارس، 2026
آخر الاخبار

لا سيادة لدولةٍ عربيةٍ على أراضيها قواعدُ أمريكيةٌ وإسرائيلية ، بقلم: سامي إبراهيم فودة

لا سيادة لدولةٍ عربيةٍ على أراضيها قواعدُ أمريكيةٌ وإسرائيلية ، بقلم: سامي إبراهيم فودة


في الأزمنة التي تختلط فيها الخرائط بالدخان، وتُدار الحروب من خلف الشاشات وغرف العمليات البعيدة، يعود سؤال السيادة ليطرق أبواب العواصم العربية بعنفٍ غير مسبوق. ليس سؤالًا نظريًا يُناقَش في الندوات، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات الوطنية، بل امتحانًا حقيقيًا يُقاس بمدى امتلاك الدولة لقرارها حين تشتعل المنطقة.
السيادة ليست عَلَمًا يرفرف فوق مبنى رسمي، ولا نشيدًا يُتلى في طابور الصباح.

السيادة قرارٌ مستقل، وإرادةٌ حرة، وأرضٌ لا تتحول إلى منصة لصراعات الآخرين. وحين تقوم على أرضٍ عربية قواعد عسكرية لـالولايات المتحدة الأمريكية أو ترتيبات أمنية مرتبطة بـإسرائيل، فإن السؤال يصبح مباشرًا:

من يملك القرار الأخير؟
هل هو البرلمان المنتخب؟
أم غرفة عمليات خارج الحدود؟
التحالفات بين الدول ليست جريمة سياسية؛ فالعالم شبكة مصالح معقدة. لكن الفارق شاسع بين تحالفٍ متكافئ يحفظ القرار الوطني، ووجودٍ عسكري دائم يُعيد تشكيل الأولويات الأمنية وفق أجندات خارجية. القاعدة العسكرية ليست مجرد منشأة إسمنتية؛ إنها عنوان نفوذ، ورسالة قوة، ومفتاح تأثير في لحظات الأزمات.

وحين تتصاعد التوترات الإقليمية، كما يحدث عند تعرّض إيران لقصفٍ أمريكي أو إسرائيلي، ينكشف المعنى الحقيقي لذلك الوجود. فالدولة التي تستضيف قواعد أو تسهيلات عسكرية قد تجد نفسها – شاءت أم أبت – جزءًا من معادلة الحرب. وعندها لا يعود الحديث عن السيادة ترفًا فكريًا، بل سؤال بقاء.

من حقّ إيران – وفق القانون الدولي – أن ترد إذا تعرّضت لعدوان مباشر. هذا مبدأ نصّت عليه المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، ولا يحتاج إلى انحياز عاطفي لتأكيده. لكن إن طال الرد منصات الانطلاق أو القواعد المستخدمة في الضرب، فإن الدول المستضيفة ستواجه حقيقة مُرّة: الأرض التي تسمح بأن تكون نقطة انطلاق للنار، قد تصبح ساحةً لتلقّيها.

السيادة لا تعني العداء للعالم، ولا الانعزال خلف الأسوار، لكنها تعني أن يكون قرار الحرب والسلم وطنيًا خالصًا. تعني ألا تُستخدم الأرض العربية لتصفية حسابات إقليمية أو دولية. لأن الثمن – في نهاية المطاف – لن يُدفع في واشنطن أو تل أبيب، بل في العواصم والمدن العربية، حيث يسكن الناس الذين لم يُستشاروا في رسم تلك الخرائط.

إن أخطر ما في القواعد الأجنبية ليس وجودها المادي فحسب، بل تطبيع هذا الوجود حتى يصبح جزءًا من المشهد اليومي. تُرفع شعارات الاستقلال في العلن، بينما تُدار ملفات الأمن الاستراتيجي في غرفٍ مغلقة خارج الحدود. تُطمئن الشعوب بكلمات عن الحماية، لكن الحماية التي تُشترى بثمن القرار الوطني قد تتحول إلى وصاية طويلة الأمد.

السيادة لا تتجزأ.
إما أن يكون القرار وطنيًا كاملًا،
وإما أن يكون موزّعًا بين العواصم.
قد يقال إن القواعد ضمانة استقرار، وإن التحالفات درع أمان في إقليمٍ مضطرب. لكن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على الارتهان، بل على توازنٍ يحترم إرادة الداخل قبل حسابات الخارج. فالأمن الذي لا ينبع من إرادة وطنية مستقلة، يبقى أمنًا هشًا، معلقًا بخيوط السياسة الدولية المتقلبة.

ليست القضية عداءً لشعبٍ أو دولة، بل دفاعًا عن مفهوم الدولة ذاته. الدولة التي لا تملك كامل قرارها، لا تملك كامل سيادتها. والأرض التي تُستخدم منصةً لصراعات الآخرين، تفقد تدريجيًا قدرتها على رسم مصيرها.
لا سيادة لدولةٍ عربيةٍ على أراضيها قواعد أمريكية وإسرائيلية.

السيادة ليست شعارًا يُرفع… بل ممارسة يومية تبدأ من الأرض وتنتهي عند القرار.
وما لم يُستعد القرار الوطني كاملًا، سيبقى العَلَم يرفرف عاليًا…
لكن الريح التي تحرّكه لن تكون وطنية بالكامل.

شاهد أيضاً

إصابة 21 إسرائيليًا في قصف صاروخي إيراني على تل أبيب

إصابة 21 إسرائيليًا في قصف صاروخي إيراني على تل أبيب

شفا – أُصيب 21 إسرائيليًا في قصف صاروخي إيراني على تل أبيب، بينهم 16 مصابًا …