
“عينان للروح وللخليل” بقلم : غدير حميدان الزبون
في مدينةٍ تتكئ على كتف التاريخ، وتغسل وجهها كلّ صباحٍ بغبار الأزمنة عاش رجلٌ يُدعى الخليل.
كان اسمه يشي بالقرب والوفاء، وعيناه نافذتان تقرآن الوجوه على الطريق قبل الكلمات، وتلتقطان ارتعاشة الظلّ قبل أن يظهر صاحبه.
مشى الخليل منذ نعومة أظفاره في الأزقة التي تعترف به، واعتلى الحجارة التي تحفظ وقع خطاه.
وفي يوم من أيام السنة العجاف ضجّت الساحة بالهتاف، وارتفعت فيها الرايات مثل أمواجٍ تبحث عن شاطئ، فجأة انشقّ الهواء بصهيل الفوضى، واختلط الغبار بالصوت، وصرخ التاريخ باللحظة الفاصلة بين الحرية والعبودية فانطفأ الضوء.
سقط الخليل للمرة الأولى في حياته وهو ثابت الخطى مرفوع الجبين، وسالت من وجهه نجمتان مكسورتان.
وما هي إلّا لحيظات حتى ارتجّت المدينة، وسقط في قلبها حجرٌ ثقيل أعاد الخليل إلى بيته محمولا على أكتاف أصدقاء صامتين مخذولين من وطأة النزف، والليل يهبط كثيفًا فوق الأسطح.
عند تلك العتبة بدأ تحوّل آخر، وتمدّد الألم في روح الخليل كما يتمدّد الظلّ عند الغروب، وتكاثرت الأصوات في داخله حتى صارت العتمة مزدحمة بالذكريات.
مرّ الشريط المزدحم في ذاكرة الخليل فسمع همسًا يأتي من طفولته، إنه صوت أمّه تحكي عن الفرسان الذين يسكنون الكتب، وعن المدن التي تحفظ أسماء أبنائها الثوّار في حجارة الأزقة.
تبعه صوت أبيه يردّد أنّ الوطن أمانة في الأعناق، وأنّ الأرض تعرف أصحابها ولو طال الغياب وتمطّى الظلام.
تحت وطأة السكون انفتحت فسحة خفيّة، فأصغى إلى ما كان يتوارى خلف الضجيج من خفقة السوق مع الفجر إلى تعب الخبّاز وهو يعجن النهار بيدين متشققتين، حتى وقع المعاول في الحقول، وأنين البيوت العتيقة وهي تحمل ذاكرة الأعراس والمواكب والشهداء.
صار لكلّ صوتٍ صورة مضيئة، ولكلّ رائحة معنى، ولكلّ نبضة تاريخ.
اتّسعت الرؤية في داخله، وتحولت العتمة إلى فضاء يعجّ بالحياة.
ومن عمق تلك التجربة استعاد سيرة الشاعر المغوار العنترة، والعباسي أبو نواس المتمرّد الذي شقّ دروبه بين اللذة والفكرة، ثم عاد يفتّش عن جوهر الوجود.
فكانت في حكايته جذوة رفض، وفي لغته انحياز للصدق مهما اشتدّ الصخب.
التقط الخليل تلك الشرارة، وصاغ منها موقفًا جديدًا فتمرّد على الاستكانة، كما تمرّد على تعريفٍ ضيّق للوطن، وعلى فكرة أنّ الفقد نهاية الحكاية.
بهذا الوعي خرج إلى الناس متكئًا على عصاه، وخطاه ثابتة كأنها تحفظ الأرض عن ظهر قلب، وصوته عميق يحمل ثقل التجربة.
التفّ حوله شبّان يبحثون عن معنى الفكرة التي لا تموت، وشيوخ يفتّشون عن عزاء لموت الأحياء.
لقد حدّثهم عن رؤية تنمو في الداخل، وعن وطنٍ يسكن الضمير قبل الخرائط، وعن أرضٍ تستمد قدسيتها من عرق الفلاح ودمعة الأم وصبر الأسير.
أمام هذا الصوت تكاثرت الضغوط فسعت قوة القمع إلى حبسه في دائرة الشفقة، وتحويله إلى قصةٍ تُروى في الهامش.
غير أنّ كلماته تسللت إلى القلوب، وانتشرت في الأزقة، وترددت في المجالس.
وفي ليلةٍ بلا قمر أُخذ الخليل إلى غرفةٍ ضيقة، وأُجلِس أمام رجل يلوّح بالأوراق ويسأله عن مصادر قوّته.
ابتسم الخليل بهدوء اليقين، وقال إنّ مصدرها حبل موصول بالله، وذاكرة متّقدة، وإنّ العين التي تُنتزع من الجسد تُزرع في الروح جذورًا أعمق.
خرج من تلك الغرفة أكثر رسوخًا، وتسربت قصته إلى البيوت، فصار الأطفال يقلّدون مشيته بثقة، والنساء يغنّين باسمه في أعراس يختلط فيها الفرح بالحذر، وسرعان ما تحوّل إلى رمزٍ يختزن ملحمة شعبٍ كامل لبطل جُرّد من الضوء فاكتسب بصيرة، ومدينة تختبر أبناءها في الشدّة، وخصم يسعى إلى إخماد الصوت لكن دون جدوى، وجمهور يتعلّم أنّ الرؤية فعل مقاومة.
بلغت الحكاية ذروتها فوق تلةٍ تطلّ على المدينة النائمة، ومرّ النسيم بين البيوت، فحمل رائحة التراب بعد مطرٍ قصير.
رفع الخليل رأسه إلى فضاءٍ يسكن صدره، وتكلّم بصوتٍ يتجاوز السمع:
اعلموا أنّ الرؤية تبدأ من الداخل، والوطن فكرة تنمو في القلب، وتتشكل في الفعل، وتترسخ في التضحية، فمن يفقد نور العينين يربح نور الحقيقة.
ساد صمتٌ عميق أعقبه هتاف أكثر وعيًا لعهد يُكتب في الذاكرة، وتوقيع على صفحة المستقبل.
هو فقدان يتحوّل إلى ولادة، وعتمة تنجب بصيرة لرجل يحمل اسمه معنى الخلّة والوفاء، فالحكاية تتجاوز صاحبها لتغدو مرآة أمةٍ تبحث عن ذاتها بين الرماد والنجوم.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .