
دموع الشمال الأوروبي … حين تحدّثت الإنسانية في هيلسنجبوري السويد ، بقلم : أحمد سليمان
في مساءٍ شتويٍ ثقيل في هيلسنجبوري، كانت المدينة مغطاة بطبقة كثيفة من الثلج، والريح تعصف بوجوه المارة، ودرجات الحرارة تهبط إلى ما دون الصفر. غير أن البرودة الحقيقية لم تكن في الطقس، بل في عالمٍ اعتاد أن يشاهد المآسي من خلف الشاشات دون أن يهتزّ ضميره. دخلتُ قاعة السينما لمشاهدة فيلم «هند رجب»، وأنا أدرك أنني ذاهب إلى مواجهة صعبة مع الوجع، لكنني لم أكن أعلم أنني سأشهد في المقابل ولادة موقفٍ إنساني نقيّ.
القاعة كانت مكتظة بالجمهور السويدي، من مختلف الأعمار والخلفيات. كنتُ العربي الوحيد، ترافقني أخت عربية. للحظة شعرت بثقل الاختلاف، بثقل أن تحمل قضية شعبك في مكانٍ بعيد جغرافيًا وثقافيًا. لكن مع انطفاء الأنوار، لم يعد هناك سويدي أو عربي، لم تعد هناك جنسيات أو هويات متقابلة. كان هناك فقط إنسان يشاهد ألم إنسان.
لم يكن الفيلم مجرد عملٍ سينمائي؛ كان شهادة دامغة، وصورة مكثفة عن معنى أن تُنتهك الطفولة أمام أعين العالم. لم يترك مساحة للحياد، ولم يمنح المشاهد فرصة للاختباء خلف عبارات الدبلوماسية الباردة. كل مشهد كان سؤالًا مباشرًا للضمير: ماذا يعني أن نصمت؟ ماذا يعني أن نبرر؟ وماذا يعني أن نعتاد الألم؟
ما زالت أصوات البكاء ترنّ في أذني. لم تكن دموعًا خجولة، ولا تعاطفًا عابرًا يُنسى عند الخروج من القاعة. كانت حالة وجدانية جماعية. رأيت رجالًا يطأطئون رؤوسهم، ونساءً يمسحن دموعهن بصمت، وشبابًا يحدّقون في الشاشة كأنهم يواجهون حقيقة لم تُعرض عليهم من قبل بهذه القسوة والوضوح. هناك، في أقصى شمال أوروبا، شعرتُ أن المسافة بين غزة وهيلسنجبوري قد تلاشت.
هذه التجربة أكدت لي قناعة راسخة: الشعوب أقرب إلى العدالة من حكوماتها. الشعوب حين ترى الحقيقة مجرّدة من التسييس، تنحاز بفطرتها إلى الإنسان. أما السياسات الرسمية، فتتقيّد بتوازنات المصالح، وتختبئ خلف عبارات “القلق” و”الدعوة إلى ضبط النفس”، وكأن الدم يمكن أن يُختزل في بيان.
السينما في تلك الليلة لم تكن ترفًا ثقافيًا، بل فعل مقاومة أخلاقي. لقد نجحت في كسر الحصار المعنوي، وفي نقل المأساة من إطار الخبر العابر إلى تجربة حيّة تمسّ الأعصاب والقلوب. الفيلم لم يقدّم أرقامًا، بل قدّم وجهًا واسمًا وصوتًا. أعاد للقضية بعدها الإنساني، بعيدًا عن ضجيج التحليلات الجيوسياسية.
خرجتُ من القاعة والبرد يشتدّ، لكن داخلي كان مشتعلاً بأسئلة كثيرة. ماذا بعد الدموع؟ هل تتحول هذه المشاعر إلى موقف؟ هل تنتقل من مقعد المشاهدة إلى مساحة الفعل؟ لأن العدالة لا تتحقق بالبكاء وحده، بل تحتاج إلى شجاعة في اتخاذ القرار، وإلى ضغط شعبي يطالب الحكومات بأن تنحاز لما تنحاز إليه شعوبها.
في تلك الليلة، أدركت أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على الوعي. وأن الصورة الصادقة قادرة على اختراق جدران الصمت. وأن الإنسانية، رغم كل شيء، لم تمت. قد تُحاصر، قد تُشوّه، لكنها حين تُخاطَب بصدق، تستجيب.
هند رجب لم تكن مجرد قصة تُروى على شاشة في مدينة أوروبية بعيدة. كانت اختبارًا عالميًا للضمير. وفي هيلسنجبوري، بين الثلوج والصقيع، رأيت ذلك الضمير يستيقظ.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تستيقظ معه السياسات ؟
- – أحمد سليمان – رئيس المركز السويدي الفلسطيني


شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .