
قصة الشهيد ناصر عبد اللطيف عزت البرغوثي شهيد معركة طوفان الأقصى حاول تهريب صديقه من الاغتيال فاستشهد هو
وصية الشهيد: قولوا لأبي أن يعمل لي قبرا مثل قبر الشهيد”عمر” من الجرانيت الأسود، وأن يضع صورتي على الشاهد
بقلم الكاتب: نصير أحمد الريماوي
لولادة الشهيد “ناصر عبد اللطيف عزت البرغوثي”بتاريخ23/9/1994 في بلدة بيت ريما بمحافظة رام الله والبيرة قصة فريدة، بعدما كانت والدته قاطعة الأمل بالإنجاب، وبعد محاولات ثلاث سنوات متواصلة، حملت ببكرها الأول، وعلى إثر ذلك، شرع والده بإنشاء بيت جديد لهم، أحضر البنّاء” أبو كمال”، وكان يحثه على الاستعجال بالبناء قبل ولادة زوجته، وصادف يوم ولادته عقد المنزل الجديد، فصارت فرحتهما اثنتين، فرحة بالأمل الجديد، وفرحة ببناء حياة جديدة.. واسمياه “ناصر” تيمنا باسم عم والده الشهيد” ناصر حسين البرغوثي” الذي قضى نحبه خلال أحداث أيلول الأسود عام 1970م طيَّب الله ذكراه..
بعد مرور عام على ولادته، نظم له والده حفلة عيد ميلاده الأول، وحضره جمع كبير من المحبين والأقارب لدرجة أن والده قال لزوجته:” مش رايح ييجي ناس في عرسه مثلما اليوم”.!
كبر “ناصر” مع مرور الوقت، ودخل مدرسة” بشير البرغوثي الثانوية للبنين” حتى التوجيهي، وفي نفس الوقت كان يساعد الوالد في مشغل الشايش الذي أسسه في التسعينيات، فصار يتحمل المسؤولية منذ صغره والإعتماد عليه، والساعد الأيمن لوالده بعد اكتسابه مهارات المهنة..
تقدم لامتحان الثانوية العامة ” التوجيهي”
في المعتقل وحصل على معدل جيد
في ليلة من ذات الليالي الصيفية، بعد منتصف الليل بتاريخ13/8/2020م،حاصرت خمسة جيبات عسكرية صهيونية منزلهم، وبدأ جنود الاحتلال بقرع باب المنزل بعنف وهم نائمون، استيقظ الوالد وفتح الباب.. اقتحموا المنزل، وصار مسؤولهم يسأل عن الأولاد، وأين ناصر؟ توجه الوالد إلى ناصر وأيقظه من نومه.. “عبد اللطيف” والدالشهيد قال: سألتهم شو في؟ رد الجندي: بدنا نأخذه شوية ونحكي معه!!.. ثم قيَّدوا يديه خلف ظهره، ثم وضعوا عصبة على عينيه..اعتقلوه..واقتادوه إلى معتقل “عوفر” الصهيوني.. وكان يعمل معي “صلاح” من بلدة “دير غسانه” ابن شقيقتي، عندما اتصلت بهم صباحا للمجيئ والعمل معي فأجابتني شقيقتي بأنهم اعتقلوه هو الآخر..مكث في التحقيق لمدة(45) يوما ثم حكموا عليه بالسجن لمدة عام بتهمة محاولة شراء سلاح بناءّ على اعترافات الغير عليه، مع أنه لم يعترف بشيء تحت التعذيب… بعد قضاء مدة الحكم، أفرجوا عنه بتاريخ 20/9/2021 يوم ذكرى وفاة والدتي الله يرحمها رحمة واسعة.. لقد استغل فترة وجوده في المعتقل وتقدم لامتحان الثانوية العامة” التوجيهي” وحصل على معدل جيد( 70%)..عندما ظهرت النتيجة، كنت وإياه معا نُركِّب في مبنى بلدية بلدة سنجل، وتأخرنا في العمل حتى الساعة العاشرة ليلا..ولم نعرف بالنتيجة، إلا بعد أن أتصل معنا الأسير المحرر” علي ثلجي” – من نفس البلدة ونجح هو الآخر- وأبلغنا بالنتيجة.. لقد سُررنا كثيرا بهذا الإنجاز، وعملنا له فرحا بحجم نضالاته..كنت أقول له دائما أن يكمل تعليمه الجامعي في جامعة القدس المفتوحة مع ابن عمته”صلاح”، إلا أنه كان يُؤثِر ملازمتي في مشغلنا..كما تقدم لامتحان السياقة النظري بتاريخ7/12/2022م قبل يوم من استشهاد”ضياء” ابن بلدتنا، ولم أكن أعلم بذلك إلا من خلال أصدقائه..
يكمل والده:لقد كان الشهيد صبورا، وكتوما طيلة حياة، أذكر في إحدى المرات،كان منهمكا في عمله داخل المشغل، ضَربَته ماكينة الجلي فجرَّحت بطنه ويديه، وعندما ذهب إلى الطبيب كان يطلب منه بأن لا يسمح لي برؤيته بهذه الحالة خوفا علي من ردة الفعل والقلق..كما أنه كان ينوي الزواج، وبدأ بالبحث عن عروس لتكون شريكة حياة مناسبة له، وكذلك حاول شراء سيارة جيب قبل ثلاثة أيام من استشهاده، لكن لم يحصل أي اتفاق، لأن الله اختاره شهيدا..في أحد الأيام، قلت له بأني لا أريد إنشاء شقة لأخيك “إبراهيم” الذي يصغره لأنه لا يعمل معنا في المشغل، فرد علي الشهيد: أنا سأعطيه داري..
وصية الشهيد: قولوا لأبي أن يعمل قبري
مثل قبر الشهيد”عمر” من الجرانيت الأسود، وأن يضع صورتي على الشاهد
يضيف الوالد: أذكر من يوميات حياة الشهيد أيضا، كنت أشاهد التلفاز، نشرت القناة العبرية الصهيونية اسم الشهيد كمساعد في عملية بطولية نفذها الشهيد”حسين” من مخيم “الدهيشة” لأنه نشر صورته مع الشهيد.. أنا خفت عليه..خاصة وأنه شارك في مراسم تشييع جثمانه في الدهيشة، وأوصى أصدقاءه على القبر، وقال لهم: قولوا لأبي أن يعمل لي قبري مثل قبر الشهيد”عمر” من الجرانيت الأسود!!!
من الجدير ذكره، أن الشهيد “ناصر”عمل بنفسه قبور شهداء البلدة الذين سبقوه “ظافر” و”جواد” و”ضياء”..
لقد ذهب مع أصدقائه قبل ثلاثة أيام من استشهاده إلى مقبرة بلدتنا لزيارة قبور الشهداء، وأوصاهم: قولوا لأبي عندما يعمل قبري، أن يضع صورتي على شاهد القبر والكتابة تكون على البلاطة، وأن يعمل حوضا يلتف حوله..!
أيضا تحدث مع جارنا “كمال مصطفى” القادم من فنزويلا، وقال له: قبل ما تسافر إلى فنزويلا لازم أشوفك!! وسهرا معا إلى ما بعد منتصف الليل.. لكن “كمال” سافر فجأة بدون رؤيته لأنه تلقى أمرا من سفارة فنزويلا بضرورة العودة، وممنوع البقاء في الوطن..عندما اتصل به صباح اليوم التالي، أبلغه بأنه اضطر للسفر مُجبرا، فحكى له الشهيد: يمكن إذا رجعت إلى البلدة في المرة الثانية لن تراني!! لقد كان ينطق بكلمات غريبة لا أفهمها، وكان همّه الوحيد في آخر أيامه اصلاح ذات البين بين الشباب والمقرّبين وينجح في ذلك..
مواقف إنسانية للشهيد
موقف آخر للشهيد قبل تسعة عشر يوما من استشهاده، كان يتواجد في المستشفى الاستشاري فجاءته امرأة من غزة هاشم كانت مرافقة لابنها المريض في المستشفى، وكان طفلها يطلب منها رغيف شاورما، ولم يكن معها النقود الكافية لشرائه.. سمع الشهيد ذلك – حيث كانت شقيقته” آية” في نفس الغرفة- لقد تأثر من طلب الطفل، ذهب على الفور إلى أحد المطاعم القريبة من المستشفى فوجده مغلقا..دار الشهيد على جميع مطاعم مدينة الريحان فكانت مغلقة ليلا، توجه إلى سوبرماركت وابتاع مأكولات ومشروبات لها ولابنها، كما أعطاها نقودا دون أن يعرفها.. لقد كان الشهيد نشيطا في البلدة، ما أن يسمع باقتحام جيش الاحتلال للبلدة حتى يسارع بالخروج لمشاركة بقية شباب البلدة في التصدي والمواجهات، ويشارك في المظاهرات والوقفات التضامنية مع غزة ضد المجازر الصهيونية بحق شعبنا خلال معركة “طوفان الأقصى”..
في يوم الاستشهاد
حاول تهريب صديقه من الاغتيال فاستشهد هو
يتابع والد الشهيد:في صباح يوم الاستشهاد بتاريخ29/10/2023م، استيقظنا معا صباحا، تناولنا طعام الفطور بما تيسر ثم ذهبنا إلى المشغل، وباشرنا العمل، بعد ذلك ذهبنا لتركيب الدرج لمنزل”وسيم”، وقلت له: طلب مني الأخ “مهيب” تركيب شايش في منزله، ذهبنا إلى هناك، وأخذنا القياسات اللازمة، وعدنا إلى المشغل،اتفقنا معا على طبيعة الشغل الذي سيقوم به الشهيد، وتركته يعمل، بينما أنا ذهبت لاستكمال تركيب حجر الرخام والشايش عند “وسيم”.. اتصل بي قبل مغيب الشمس وأبلغني بأن طلبية الأخ “مهيب” جاهزة.. طلبت منه أن يرسلها لهم.. أجابني بأن الحِمل ثقيل، والسيارة متوقفة أصابها عطل ما! طلبت منه أن يَقسِم الحمل لقسمين، ففعل، ومع ذلك بقيت السيارة متعطلة..نقل الطلبية في سيارته الخاصة” هونداي اكسنت” لوحده مساء إلى منزل “مهيب”، وأبلغه بأن القطع موضوعة خلف سيارته.. عدنا إلى المنزل..تناولنا طعام العشاء معا ثم خرج للسهر مع اصدقائه..ذهبوا إلى قرية كفرعين المجاورة، سهروا هناك من الساعة الحادية عشرة ليلا حتى الثانية بعد منتصف الليل، ثم عاد إلى المنزل، غيَّر ملابسه.. ارتدى بيجامة النوم، وتوجه إلى الفراش ..استلقى عل فراشه، وغطى جسمه بالبطانية..أثناء ذلك، جاء إليه جارنا”مؤيد”- أتمنى له الفرج القريب والشفاء العاجل-عند الساعة(2,20) تقريبا..
قال له: لقدهددني مسؤول المنطقة في جيش الاحتلال(ذ،ب) برسالة عبر المويايل بالقتل، وبتكسير منزلنا، دبِّرني عندك الليلة!!
أجابه: خليني أهرّبك من المنطقة إذا..
نهض من فراشه..غيَّر ملابسه ثم خرجا معا، ركبا سيارته الخاصة، وانطلقا نحو الشارع الرئيس باتجاه وسط البلدة..ما أن وصلا مبنى المركز الصحي حتى تفاجأا باقتحام ثلاثة جيبات عسكرية صهيونية البلدة من الناحية الشرقية وصولا إلى بداية “دير غسانه” والعودة ثانية إلى البلدة..انعطفا على الفور يسارا، وسارا في شارع فرعي بعيدا عن وسط البلدة حتى وصلا قرب مسجد أبو بكر الصديق المقام على الشارع الرئيس.. الشهيد أوقف سيارته، ثم ترجلا منها بينما تصدى شباب البلدة للجيبات المقتحمة بالحجارة، فعادت الجيبات العسكرية المليئة بالجنود إلى ناحية مسجد أبو بكر المذكور آنفا..توقفت هناك، ونزل الجنود منها، وكَمِن جزء منهم في كراج ومغسلة للسيارات المجاور للمسجد، أما القسم الآخرفدخل في مبنى حديث البناء مكون من ثلاثة طوابق… ونصبوا كمينا في الطابقين العلويين الفارغين غير الجاهزين بعد، وبدأوا بالمراقبة من نوافذ الحمامات صغيرة الحجم متخفيين دون أن يراهم أحد، أما الجيبات العسكرية الفارغة فقد عادت الكرة ثانية إلى وسط البلدة – يبدو لجر الشباب إلى كمين الجنود- ما أن عادت، حتى هجم الشباب عليها بالحجارة توقفت الجيبات ثم عادت مسرعة حيث الكَمين المُميت..كان الشهيد متحمسا مع الشباب من خلف المسجد قرب منزل عمته.. عندما انكشفوا للكمين من على بعد(20) مترا، فتح جنود الكمين النار عليهم بكثافة تجاه (15) شابا مما أدى إلى إصابة الشهيد”ناصر” بعيارين ناريين في الخاصرة اليسرى وساقه اليسرى، وقع على أرض الشارع فورا و تشاهد أربع مرات وهو ينزف دمه الزكي الطاهر، أما “مؤيد” فقد أصيب بسبع رصاصات في الأرجل، وقع على الأرض بقرب جدار منزل”منيف” وزحف نحو الجدار، واستطاع اخفاء رأسه وصدره خلف الجدار، بينما باقي جسمه بقي على الشارع ينزف كما أصيب(12) شابا معهما، وخرج الجنود من الكمين..توجهوا نحو الشهيد..اشعل بعضهم مصباحا ليليلا لرؤية الشهيد ومن معه، وبعضهم لاحق الجرحى الآخرين الذين تواروا خلف الجدران، وكلما لحقوا بعضهم، يطلقون الرصاص على أرجلهم.. لقد تمكن بعضهم من الهرب، وبعضهم الآخر لم يتمكن من إصاباتهم الخطيرة، تركوهم على الأرض ينزفون، كما منعوا اقتراب أي أحد أو تقديم الاسعاف من جيران مكان الجريمة البشعة التي حدثت عند الساعة(2,30) فجرا..ثم تركوهم وانسحبوا من البلدة..هبّ الشباب نحوهم ونقلوهم إلى مستشفى سلفيت.. وذكر لي بعض الشبان، عندما خرج الجيش من داخل المبني الذي كمنوا فيه، ذهبوا إلى المبنى فعثروا على (٥٠) من فوارغ الرصاص الذي أطلقه الجنود تجاه الشباب في داخله.
يضيف والده:أنا كنت نائما، استيقظت على صوت اطلاق الرصاص، ولم أعرف شيئا..كنت خائفا على الشاب مؤيد..خرجت من المنزل.. سألت الجيران، وقلت لهم : أتصلت بـ” ناصر” عدة مرات، وما في رد”.. أين هو؟ فلم يقل لي أحد شيئا..ذهبت لرؤية الجرحى في مستشفى سلفيت وللاطمئنان عليهم..عندما وصلت هناك، وإذا بأحد الشباب قال لي: إن ناصر مجروح وأصابته خطيرة..حاولت الدخول مسكني من يدي، وقال لي: يا عمي أبو ناصر ابنك استشهد، وادعوا له بالرحمة..دخلت إليه فوجدته مفارقا للحياة ومستشهدا، وبدلته الرياضية السوداء ملطخة بالدماء الزكية.. قبَّلته من وجنتيه، وترحَّمت عليه ثم خرجت، ومن شدة الحزن، صرت أضرب رأسي بالسيارات المتوقفة بلا وعي..أما زوجتي لم تكن معي..لكن عندما شاهدت الناس يتوافدون إلى المستشفى ذهبت وعرفت أثناء الطريق بأنه مجروح.. أيقنت حينها بإحساس الأم بأن “ناصر” استشهد..طبعا حمل الشباب الشهيد على الأكف مع ترديد الهتافات الوطنية، الأم وصلت في هذه الأثناء وانتابتها حالة من الحزن والبكاء عليه.
لقد تم تشييع جثمانه الطاهر إلى مثواه الأخير في مقبرة البلدة بجنازة مهيبة، وبحضور القوى الوطنية والاسلامية والأهالي من القرى المحيطة، كما اطلقت المقاومة الفلسطينية من غزة صاروخا وقع في أراضي قرية كفرعين المجاورة، لرفع معنويات الأهالي أثناء الجنازة، مما أثار هيجانا وحماسا في نفوس المواطنين والمشيعين، وعلت الهتافات المنددة بالاحتلال الصهيوني وجرائمه بحق شعبنا الأعزل، والمؤيدة للمقاومة الباسلة، وكان لوقع الصاروخ تأكيدا على أن المقاومة مع الشعب.
هذه هي قصة بطل آخر من أبطال بيت ريما الأشاوس.
قال تعالي:” رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبدبلا” صدق الله العظيم.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .