
محادثة باراك–إبستين: هاجس الديموغرافيا وكشف العقل الاستعماري الكامن في السياسة الإسرائيلية ، بقلم : هديل ياسين
كشفت المحادثة المسرّبة المنسوبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك مع الملياردير الأمريكي جيفري إبستين عن طبقة خفية من التفكير السياسي الإسرائيلي قلّما تظهر بهذا الوضوح خارج الغرف المغلقة. فبعيداً عن اللغة الدبلوماسية التي يتقنها القادة حين يخاطبون الإعلام والرأي العام، بدت الكلمات المنقولة عن باراك مباشرة وفجّة وصريحة إلى حد يعرّي جوهر القلق البنيوي الذي يلازم المشروع الصهيوني منذ نشأته: الخوف من فقدان التفوق العددي، أي من تحوّل اليهود إلى أقلية داخل الكيان الذي أُسس أصلاً لضمان أغلبيتهم. لم يكن الحديث عن السلام أو عن تسوية سياسية أو عن شراكة متساوية، بل عن أرقام وولادات وهجرة وانتقاء سكاني، وكأن الدولة ليست مجتمعاً بشرياً معقداً، بل معادلة ديموغرافية يجب ضبطها باستمرار حتى لا تنهار.
هذا الهوس الديموغرافي ليس جديداً في العقل الإسرائيلي، لكنه نادراً ما يُقال بهذه اللغة المباشرة. فحين يحذر باراك من سيناريو “الدولة ثنائية القومية” التي ستتحول خلال جيل واحد إلى أغلبية عربية، فهو لا يتحدث عن خطر أمني أو عسكري، بل عن خطر وجودي رمزي يتعلق بطبيعة الدولة نفسها: من يحكمها ومن يعرّف هويتها. في هذا التصور تصبح الديمقراطية مشروطة، والحقوق السياسية مرتبطة بالانتماء الإثني، ويغدو مبدأ “الأغلبية” أهم من مبدأ “المواطنة”. ولذلك يظهر الحل الذي يطرحه باراك ليس سياسياً عبر إنهاء الاحتلال أو تحقيق مساواة حقيقية، بل تقنياً عبر إدارة السكان: تقليل خصوبة طرف، وزيادة خصوبة طرف آخر، واستيراد مهاجرين جدد لتعزيز الكفة المطلوبة. إنها لغة أقرب إلى التخطيط السكاني منها إلى السياسة بمعناها الإنساني.
الأكثر دلالة أن هذا المنطق لا يتوقف عند العرب وحدهم، بل يمتد إلى داخل المجتمع اليهودي ذاته، وهو ما يكشف أن المسألة ليست دينية خالصة كما تدّعي الرواية الصهيونية التقليدية. فعندما يتحدث باراك بنبرة انتقائية عن يهود شمال أفريقيا والدول العربية، أو حين يلمّح إلى أن إسرائيل اليوم تستطيع أن تكون “أكثر انتقاءً” في اختيار من تستوعبهم، فإنه يعيد إنتاج تراتبية عرقية وثقافية قديمة داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه. فاليهود ليسوا كتلة واحدة متساوية في نظر هذه العقلية، بل درجات: هناك “المفيد” اقتصادياً والمتعلم والقادر على الاندماج في سوق العمل، وهناك من يُنظر إليهم كعبء اجتماعي أو ثقافي. بهذا المعنى، تتحول الهجرة من “حق تاريخي لكل يهودي” إلى عملية فرز شبيهة بسياسات الهجرة الانتقائية في الدول الغربية، لكنها مغطاة بخطاب قومي–ديني يضفي عليها شرعية أيديولوجية.
ويتجلى التناقض بصورة أوضح في حديثه عن الحريديم، الذين يُفترض أنهم يمثلون الامتداد الأكثر تديناً للمجتمع اليهودي. فهؤلاء، رغم يهوديتهم الصافية وفق التعريف الديني، يتحولون في خطاب باراك إلى مشكلة ديموغرافية واقتصادية بسبب معدلات إنجابهم المرتفعة واعتمادهم الكبير على الدعم الحكومي. هنا يظهر الصراع العميق بين صورتين لإسرائيل: دولة يهودية دينية من جهة، ودولة حديثة ليبرالية رأسمالية من جهة أخرى. فحين تتعارض الهوية الدينية مع متطلبات الاقتصاد والسوق والإنتاجية، تميل النخبة العلمانية إلى إعادة تعريف “اليهودي المرغوب” ليس وفق العقيدة، بل وفق الكفاءة. وبذلك ينكشف أن معيار الانتماء في النهاية ليس الإيمان ولا التاريخ، بل المنفعة.
أما حديث باراك عن فتح أبواب “التحول الجماعي إلى اليهودية بطريقة ذكية ومراقبة الجودة”، فيحمل دلالة أشد قسوة، لأنه ينقل التفكير من مستوى الانتقاء السلبي إلى مستوى الهندسة البشرية المباشرة. فمصطلحات مثل “الجودة” و”المراقبة” حين تُستخدم لوصف البشر لا يمكن فصلها عن عقلية ترى السكان مادة خاماً يمكن تشكيلها لخدمة أهداف سياسية. إنها رؤية تختزل الإنسان في وظيفته العددية: هل يعزز الأغلبية أم يضعفها؟ هل يضيف قيمة اقتصادية أم يستهلك الموارد؟ في مثل هذا التفكير تختفي فكرة الكرامة الإنسانية، ويحل محلها منطق إداري بارد لا يختلف كثيراً عن حسابات الشركات أو خطط إدارة الموارد.
ولا يمكن تجاهل السياق الذي جرت فيه هذه المحادثة، أي لقاء طويل مع شخصية مثل جيفري إبستين، الذي ارتبط اسمه بشبكات نفوذ ومال وفضائح أخلاقية عابرة للحدود. فوجود سياسي إسرائيلي بارز في جلسة خاصة ومطولة مع رجل من هذا النوع يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقات بين السلطة والمال والنخب المغلقة التي تناقش قضايا مصيرية بعيداً عن أي رقابة عامة. ما تكشفه التسريبات ليس مجرد رأي سياسي، بل طريقة تفكير تُتداول في دوائر ضيقة، حيث تُصاغ السياسات الكبرى بعيداً عن الشعارات التي تُقدّم للجمهور.
لا تبدو تصريحات باراك مجرد زلة لسان أو تحليل أكاديمي عابر، بل مرآة لأزمة أعمق تضرب قلب المشروع الإسرائيلي نفسه. فالدولة التي قامت على فكرة توفير ملاذ آمن لشعب مضطهد تجد نفسها اليوم أسيرة هاجس دائم من الآخرين ومن ذاتها في آن واحد: تخشى العرب لأنهم أكثر عدداً، وتخشى المتدينين لأنهم أقل إنتاجية، وتخشى المهاجرين غير “المناسبين” لأنهم قد يغيرون تركيبتها الثقافية. هذا القلق الوجودي المستمر يجعلها تتعامل مع البشر كتهديدات أو أدوات، لا كمواطنين متساوين. وهنا تحديداً تكمن المفارقة الكبرى: فالدولة التي تسعى لحماية هويتها عبر الحسابات الديموغرافية الصارمة قد تجد نفسها، في نهاية المطاف، تفقد جوهر أي مجتمع إنساني قائم على العدالة والمساواة، لتتحول إلى كيان يعيش في حرب دائمة مع أرقامه وسكانه ومستقبله.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .