
منبرا ثقافيا في زمن تقليص حيز الثقافة ، “ الكاتب سعيد مضيه ” تكتب في الذكرى الـ14 لانطلاقة “ وكالة شفا “
في عيد “شبكة فلسطين للأنباء” يطيب لي تقديم التحية متمنيا لها الازدهار منبرا ثقافيا في زمن تقليص حيز الثقافة الواعدة المعبرة عن أشواق التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي. نأمل ان تقدم “شبكة فلسطين للأنباء ” تحليلا للأنباء يوضج الصورة للقراء المرتبكين الى أين يمضي بهم الترحال. فما أجمل اشتباك المنبر الثقافي مع تطلعات الجمهور للخرج من دائرة الحيرة. من المؤسف ان الثقافة الوطنية لا تحظى بالاهتمام الذي يقدم لغيرها من مواد التسلية وتمضية الوقت، الثقافة الاستهلاكية. في هذه المناسبة أجد من الملح الإشارة الى أعطاب الثقافة الموروثة تقعدها عن أداء رسالتها الوطنية. هذه إطلالة على ثقافتنا المحلية.
يتكرر القول اننا هزمنا سياسيا واقتصاديا وعسكريا ولكن بقي جدار الثقافة إليه نسند ظهورنا، وبظله نتفيأ. ليس هناك أبعد عن الحقيقة من هذا القول؛ فجميع هزائمنا وانكساراتنا، يضاف اليها فشل مشروع التنمية الاقتصادية والتغيير الاجتماعي، جميع الإخفاقات مصدرها عوامل ثقافية بالدرجة الأولى تتجذر في العزوف عن الاحتكام الى العقل، وبالتالي الارتهان للانفعالية والذاتية. انحسر حيز سيطرتنا على امورنا واوضاعنا حتى بتنا رهائن حصار خانق، ضيّق او يكاد يغلق منافذ الفرج والخلاص. ننظر فيما آلت أليه حالتنا من تدهور لنجد ان ثقافتنا التي رشدت مقاومتنا، وفي اغلبها تمت عسكرية دون الإلمام بنواميس النشاط العسكري وشروطه، أودت بآلاف الضحايا، ووفرت فرصة لتمكين قبضة الاحتلال على أمورنا ومشيئتنا وتوسيع سيطرته وإحكام حصاره لدرجة إغلاق سبل الخلاص.
الثقافة المحافظة تطلعت برؤية قاصرة وإحساس بالنقص الى ثقافة الغرب، وما يصدّر الينا من الغرب، ينهمر كالشلال عبر منافذ إعلامية متفوقة تكنولوجيا؛ والمنتج الثقافي في الغرب الامبريالي مصمم بحيث يزين التبعية له ودوام التخلف. في عهود السيطرة الكولنيالية تمت رعاية وتملق كل ما هو متخلف في التراث. وعلى مدى قرن ونصف القرن مضت عبثا وهدرا للوقت، قاومنا بثقافة تقليدية وعناصر ثقافية مسربة سيطرة الغرب والاستعمار الاستيطاني الوافد من الغرب ويحمل قيمَه وثقافته وأهدافه. حتى هذه الأيام، ورغم الدعم العسكري الصريح من الولايات المتحدة الأميركية لحرب الإبادة الجماعية في غزة ما زالت الدبلوماسية الأميركية تتبوأ مكانة الوسيط في الصراع الدائر بالمنطقة، وتحظى بالتزلف.
على إثر حرب حزيران1967 حفز وقع الهزيمة عقولا عربية على النقد الذاتي والبحث في عوامل الهزيمة والانكسارات. تعددت الروايات والمسلسلات الدرامية التلفزيونية والسينمائية التي انتقدت عوامل التبعية والتخلف ومناهج التخريب في المجتمع. كانت بمثابة نهضة تنوير ثقافي مرت دون ان يعيها الجمهورر والقائمون على الأمور، حيث كل شيئ يتقرر من فوهة البندقية. الحقيقة ان الجهود البحثية اسفرت عن نتائج إيجابية، لكن سلطات الحكم والأجهزة المتحكمة في التعليم والإدارة وفي منابر الإعلام غيبت المنجزات الفكرية التنويرية.
بالنتيجة حُجِب الفكر المخصب للوعي الاجتماعي ولم يسمح له بالدخول الى حيز الثقافة الوطنية، ويغذي السلوك الاجتماعي وثقافة التحرر الاجتماعي والوطني. بدلا من الاسترشاد بالمعرفة العلمية والفكر المخصب للثقافة وللسلوك الاجتماعي، أغرت هشاشة الثقافة المحلية وغياب الأجوبة على أسئلة الواقع وتحدياته تغري بالانخداع بثقافة الغرب المتفوق. يتم تجاهل او إغفال ان أهداف ثقافة الامبريالية تنافس على عقول الجماهير لالعربية لارتهانها، ذلك ان ” السيطرة على عقول الشعوب المتخلفة، والتحكم بقيمها التراثية بفرض الثقافة الاستهلاكية وتسطح الوعي، يسود فيه التفسخ الخلقي والنفسي والاغتراب عن الواقع الاجتماعي المعاش. تدب الفوضى والبيروقراطية والفساد”، بتأثير الممارسات اللاعقلانية، وتغيب الأنشطة التنظيمي، والتثقيفية” كما يحذر مسعود ظاهر في مؤلفه “مجابهة الغزو الصهيوني الامبريالي في الشرق الأوسط”.
عام 1974، وبعد بحوث علمية ومراجعة نقدية اسفرت عن التطهر من ثقافة الغرب وقيمه قدم المفكر الفلسطيني، والأكاديمي المرموق بالولايات المتحدة، هشام شرابي، مؤلفه البكر بعد هزيمة حزيران، “مقدمات لدراسة المجتمع العربي”، عبارة عن مراجعة نقدية وتحليل علمي لعوامل الهزيمة. الكتاب اشتهر، لكن ما زال معطلا تحويله الى مرشّد وخارطة طريق للتغيير الاجتماعي. فكل من يود تحويل مادة الى قيمة استعمالية عليه ان يلم بخواص المادة وسبل مقاربتها ومعالجتها كي يتحكم في عملية التغيير؛ وهكذا أيضا عملية التغيير الاجتماعي. في هذا المؤلف يركز شرابي على التربية وضروة تعويد الطفل على المطالعة والصحبة مع الكتاب كي ينمو باحثا عن المعرفة وإغناء الوعي. تنمو الأجيال تحمل الكراهية للمطالعة وللكتاب لأن المنهاج المدرسي يُتعمد إفراغه من القضايا الاجتماعية والتعريف بحاجات المجتمع الأساس. بالنتيجة يلازم الإكراه العملية التعليمية. تعمد التجهيل في المدرسة يخرج أجيالا يستهويها الفكر السلفي ومعلومات الماضي، تفضلها على المعرفة العلمانية ” الملحدة”. أجمل شرابي معيقات التقدم الاجتماعي في تربية الأطفال بالبيت والمدرسة، حيث العيب يقدم له في ما يشاهده الناس، أي لاعيب في ما يخفى على الأخرين. تزرع في النفوس عدم المسئولية عن الأفعال نظرا لكونها مفروضة عليه، او تتعزز في نفسه نزعة الامتثال للأخرين وتضعف طاقة الإبداع والتجديد. كما ان حب المعاشرة ومسايرة الناس “تأدبا” تولد لدى الطفل النميمة والوصولية والعراك. النقد محظور في المجتمع الأبوي، فيحيله حظر النقد الى النفور والنفاق والتمزق او التحلل من المسئولية والاعتكاف،” ما بخصني”. هكذا استقبل الاحتلال الإسرائيليررفيأيامه الأولى.
الكثير من العقد النفسية واختلالات السلوكية لدى الكبار نجمت عن تعسف الأبناء؛ ألاب هو المهيمن الأوحد على البيت وإدارة شئونه، بينما الأخرون منصاعون للأوامر. مثلا يفضل الأب، ومن ثم تتبعه الأم، الطفل المطيع فينمو الطفل وتنمو معه عادة الإذعان للسلطة ولمن هم الأعلى مقاما وقدرات. أسوأ ما يواجهه الطفل هو الصفع على الوجه، علاوة على الألم تنمي في نفسه عادة الخضوع والإذعان.
أثمرت جهود شرابي البحثية دراسة شاملة ومعمقة للمجتمع العربي في مؤلفه “إشكاليات التخلف الاجتماعي بالمجتمع العربي”، الصادر بالإنجليزية عام 1988، والمترجم الى العربية عام 1992. أطلق المؤلف التسمية “مجتمع أبوي”صفة لجميع المجتمعات العربية، واعتبرها متماهية من حيث التركيب الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي. لكن، يمكن القول ان الأبوة غيرة وحنان، وإذا تعسفت فبفهم خاطئ انها تهتم بمصلحة الطفل، بينما لا تتوفر المشاعر في السيطرة المتعسفة للنظام السياسي العربي. يورد المؤلَّف الشهير ولكن المغيب، ان ” المجتمعات العربية مبرمجة منذ العصر الوسيط. قرون الاستبداد السابقة تركت آثارها المخربة للوعي، ما يؤكد استنتاج فرويد من ان ’ اللاوعي الثقافي [بمعنى الترسبات الكامنة لا تدرَك ولا تحَس] هو ذلك المخزون الثقافي الموروث يوجه الميول والرؤى ويحدد بعفوية سلوكيات افراد المجتمع‘”(ص:111). ومن جهة أخرى مغايرة ، ” كان لاستعمار الوعي، (وكذلك اللاوعي) نفوذ أوسع من الاحتلال العسكري والهيمنة السياسية في دفع عملية تطور بنية ابوية مستحدثة [باعتبار النظم الأبوية القديمة متوارثة عن فترة ما قبل الإسلام حتى العصر الحديث، حيث اصطدمت بالسيطرة الامبريالية، ادخلت تحديثا زائفا عطل إنجاز تحديث حقيقي في الثقافة والحياة الاجتماعية]. الثقافة الأبوية فقدت توازنها وانسجامها، واتصفت بالتملق في العلم والدين والسياسة، إضافة الى عجزها السياسي وتلكؤها الثقافي وابتعادها عن الحداثة الأصلية، أي فقدانها تحرير الذات.”(ص35).
يشاركه في استنتاجه مصطفى حجازي، لكن من منطلق علم النفس الاجتماعي. يلتقط خاصتين منهجيتين للتفكير المتخلف: اضطرا ب منهجية التفكير باختصار مراحله في محاولات حل المعضلات او تنفيذ المهمات ىسعيا وراء النجاح السريع والسهل. والثانية قصور التفكير الجدلي يخلق حالة من التصلب الذهني تجعل المرء يفتقر الى المرونة، والى القدرة على بحث الأمور من جوانب متعددة ومنظورات ومستويات شمولية؛ كما انها تعطل القدرة على استخدام وسائل مختلفة في حل تناقضات مختلفة، فتظل أسيرة الجمود في النظرة والمواقف والحلول المطروحة (69). يخرج في النهاية بالاستنتاج القائل ان ” الإنسان المقهور يحس ان المرافق العامة [والقانون العام] ملك للدولة، وهي ليست تسهيلات حديثة” وتغدو القاعدة ان تخرق القوانين وتدمر الملكيات العامة، وفي ذلك انهيار لاحترام العلاقات الإنسانية”(183)
وكذلك نصر حامد أبو زيد استشرف احتمالات الخلاف في تجنيد التراث بين التخلف والتقدم. حاول في إحدى مؤلفاته ” النص، السلطة، الحقيقة، الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة” إضفاء فهم علمي للنصوص الدينية اتساقا مع كونية الدين الإسلامي ومواكبته للتطور بالضرورة والحتم. حقا يمكن بل يجب ان يخضع للنقد العلمي كل ما يصدر عن النخب الثقافية او ينقل عن الماضي وعن الجهات الخارجية. بالمنهجية العلمية النقدية توصل أبو زيد الى ان الخطاب الديني، بكل ما يمثله من توجهات أيديولوجية، وما يعبر عنه من مصالح وتوجهات اقتصادية اجتماعية سياسية، هو الذي يسعى لفرض “الأعطاب الكامنة في التأويل المغرض للنصوص ناجمة عن مقاربات غير علمية للنصوص، تنأى بها عن المقاصد الأساس للشريعة”، المتمثلة في إسعاد المجتمع ومواكبته للتطور التاريخي؛ ومن ثم “يسفر عن ركود المجتمع وانعزاله عن ركب التحضر”. انظلاقا من هذا المنطلق يؤكد ” ان الكشف عن ظاهرة إهدار السياق [الاجتماعي، السياسي والاقتصادي والثقافي] في تأويل الخطاب الديني يعد خطوة ضرورية لتأسيس وعي علمي بالنصوص الدينية وبقوانين إنتاجها للدلالة. وهذا هو الهم العام الملح الذي يجب علينا ان نتوجه اليه إنقاذا لوعينا العام من الانعزال عن حركة التاريخ والتقوقع داخل أسوار الماضي، الذي مهما بلغ بهاؤه وضياؤه، فقد مضى وانتهي. (91)
في العصر الوسيط أصدر الفقيه الشاطبي كتاب “الموافقات في أصول الشريعة”، وفيه دلالات على اعتماد العقل وعلوم العصر والتطور مع تبدل الأحوال. “ان مقاصد الشرع في الخلق حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينات. والأخيرة يقصد بها “الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات. يجمع ذلك مكارم الأخلاق.”
العقلانية هي الفريضة المغيبة في حياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية. حيز الثقافة العقلانية في أساليب التعليم محدود، لأنه يعتمد التلقين ويقوم على علاقة غير صحية داخل المدرسة. ومن غير التعليم المدرسي والجامعي بمقدوره تكريس العقلانية في مجتمع مقيد بأصفاد التخلف والتبعية؟
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .